«الساعاتي» وابنه رضوان ...رائدا هندسة الساعات وصناعتها

عندما شعر الأقدمون بحاجتهم الماسة إلى معرفة الأوقات، اهتدوا بعد التأمل والتفكير إلى اختراع الساعة الرملية، بحوجلتيها متصلتي الرقبتين ومتبادلتي الدور.. ثم استُبدل الماءُ بالرمل، وشاعت الساعة المائية عند الكلدان والهنود، ولو أنها أقل دقة لنقصان مقدار مائها مع اختلاف الجو برداً وقيظاً. وكان (ألفرد الكبير) عاهل الإنجليز، يأمر باتخاذ شمع طول الواحدة منه اثنتا عشرة إصبعاً، كساعة ذوّابة مقسمة بعلامات إلى أربعة وعشرين قسماً.

لكن العرب في عصور ازدهارهم، تفننوا في صنع الساعات مستندين إلى الهندسة، واخترعوا لها آلات عجيبة شاع استعمالها منذ القرن السادس للهجرة، وكل من صنّعها عندهم كُنّي بـ(الساعاتي)، فكان في مراكش وتلمسان والأندلس ومصر وبغداد ودمشق (ساعاتيون)، وساعات ميكانيكية تنصب في الأماكن العامة لمعرفة الأوقات.

ومن الساعة المائية التي أهداها هارون الرشيد لشارلمان ملك فرنسا سنة (807م)، والتي ذكر فولتير وغيره من المؤرخين الفرنسيين أنها أول ساعة عرفت في أوروبا، وكانت بدعاً في ذلك العصر، إلى الساعة التي أهداها صلاح الدين الأيوبي لفردريك الثاني، إمبراطور ألمانيا، وكانت على شكل كرة تتحرك عليها أشكال الشمس والقمر وسائر الكواكب، لتبين في أثناء حركتها ساعات الليل والنهار.. فإلى ساعة باب مسجد مراكش المرتفعة في الهواء خمسين ذراعاً، وساعة الملك الكامل في مصر، وساعة المدرسة المستنصرية ببغداد، وساعة المدرسة القيمرية بدمشق؛ فقد أصبحت تلك الآلات أساساً للساعات التي نراها اليوم

وفي أيام الملك العادل نورالدين محمود بن زنكي، محب العمران والعلم والعلماء، والذي فتح صدر دولته للعلماء والأدباء والفنانين، فوفدوا إلى دمشق من كل قُطر، برز (الساعاتي) محمد بن رستم الخراساني الدمشقي المهجر، الذي كان أوحد أهل زمانه في علم الفلك، وأبرعهم في علم النجوم، ومهندساً في صناعة الساعات بدمشق، فقد صنع ساعة ميكانيكية رائعة نُصبت عند باب جيرون/ باب المسجد الأموي الشرقي بدمشق العام (1184م)، وشغلها ورممها حتى وفاته. وقد وصف ابن جبير هذه الساعة إبّان رحلته وصفاً مثيراً لآلية عملها، علاوة على ما يثيره في النفس من بهجة، وذلك في نسخة خطية من كتابه (رحلة ابن جبير)، موجودة في مكتبة غوتّه بألمانيا، بقوله: (هي عن يمين الخارج من باب جيرون في جدار البلاط، الذي أمامه غرفة، ولها هيئة طاق كبير مستدير،

فيه طيقانُ صُفْر، أي من نحاس، قد فُتِّحتْ أبواباً صغاراً على عدد ساعات النهار، ودُبِّرت تدبيراً هندسياً، فعند انقضاء ساعة النهار تسقط صنجتان من صُفْر من فمَي بازِيَيْن مصورَين من صفر، قائمين على طاستين من صفر تحت كلِّ واحد منهما، أحدهما تحت أول باب من تلك الأبواب، والثاني تحت آخرها، والطاستان مثقوبتان؛ فعند وقوع البندقتين فيهما، تعودان داخل الجدار إلى الغرفة، وتبصر البازيين يمدان عنقيهما بالبندقتين إلى الطاستين، ويقذفانهما بسرعة بتدبير عجيب تتخيله الأوهام سحراً، وعند وقوقع البندقتين في الطاستين، يُسمع لهما دويٌّ وينغلق الباب، الذي هو لتلك الساعة للحين، بلوح من الصفر لايزال كذلك عند كل انقضاء ساعة من النهار، حتى تنغلق الأبواب كلها، وتنقضي الساعات، ثم تعود إلى حالها الأولى).

ولها بالليل تدبير آخر؛ وذلك أن في القوس المنعطف على تلك الطيقان المذكورة، اثنتي عشْرة دائرة من النحاس مخرمة، وتعترض في كل دائرة زجاجة من داخل الجدار في الغرفة، مُدبر ذلك كله منها خلف الطيقان المذكورة، وخلف الزجاجة مصباح يدور به الماء على ترتيب مقدار الساعة، فإذا انقضت، عمّ الزجاجةَ ضوءُ المصباح، وفاض على الدائرة أمامها شعاعُها، فلاحت للأبصار دائرة محمرة، ثم انتقل ذلك إلى الأخرى حتى تنقضي ساعات الليل، وتحمرُّ الدوائر كلها، وقد وُكِّل بها في الغرفة متفقِّد حالها، دَرِبٌ بشأنها وانتقالها، يعيد فتح الأبواب وصرف الصنج إلى موضعها.. كما أدرج ابن جبير رسماً لها يبيّن ساعة ميكانيكية ضخمة تصميمها بالغ التعقيد، صنعت في القرن الثاني عشر الميلادي، أي قبل تصنيع أية ساعة غربية بقرون!

وقد طوّر ابن الساعاتي عدداً من الساعات الميكانيكية المائية، لتعمل بقوة اندفاع الماء من خزان عبر عدد من الأنابيب، التي تدير عدداً متتابعاً من التروس، متصلة بمؤشر يدل على الوقت، كما أبدع ساعةً نصف دائرية ذات بكر مزدوج، يدور عليه حبلا نصف هذه الدائرة. كذلك ابتدع هلالاً ساتراً لظاهر الساعات، التي يُعلم بها كم مضى من كل ساعة من ظاهرها.. وعيّن أقساماً للساعة ليُعلَم ما مضى منها وما بقي. كذلك ابتكر حامل دائرة ساعات الليل الحلزوني الشكل، وأضاف أهلّة تقوم على أبواب ساعاته، وهو ما لم يسبقه فيه أحد.

بعده قام ابنه فخرالدين رضوان بإصلاح الساعة التي كان والده أعاد بناءها العام (1168م)، في باب جيرون بعد أن احترقت.. وهو، مثلما أبوه، من مشاهير علماء العرب والمسلمين، وصاحب إنجازات علمية مميزة في العديد من المجالات، فكان مهندساً بارعاً، وطبيباً ماهراً، وأديباً وشاعراً مقتدراً. تعلم من أبيه علم الفلك والميكانيكا وصناعة الساعات.. وبعد وفاة والده أدخل على الساعات تحسيناتٍ، وزاد في آلاتها زياداتٍ ذاتَ شأن، آلت إدارة ساعات باب جيرون سابقة الذكر إلى عدد من المهندسين، لكنهم عجزوا عن إدارتها، وأفسدوا آلاتها، إلى أن كلفه الملك العادل بإدارتها، وألزمه بإعادة حركاتها. وهو تسلمها وليس فيها آلة واحدة كما يحب، فأصلح آلاتها وجددها، وعدل حركاتها وقوّمها، وأعادها إلى ما كانت عليه من حسن الترتيب، وأضاف إليها العديد من التحسينات المطلوبة، وهذبها تبعاً لما يستحقه قانون التهذيب، وزاد فيها أشياء حسنة.

وفي سنة (1203م)، نشر ابن (الساعاتي) فخرالدين رضوان كتابه (علم الساعات والعمل بها)، وأوضح فيه هذا العلم أيّما إيضاح؛ مبتدئاً بتعريف الآلة، معيِّناً مساحتها وطولها وعرضها، ليصبح بالإمكان عمل ساعة مثل التي صنعها والده، واستعرض أيضاً أسماء آلات الساعات وعملها وأشكالها وصورها، وذكر مقادير كل واحدة منها، وصورة العمل بها، وكيفية دورانها، وما في ذلك من الشروط المرتبطة بعلم الفلك أيضاً، تبعاً للعلاقة الوثيقة بين العلمين في ذلك العصر. ويعد المستشرقون هذا الكتاب الذي حققه الاختصاصي في علم الساعات عند العرب؛ محمد أحمد دهمان، ونشره بدمشق في سنة (1981م)، وترجمه إلى اللغة الألمانية (فيدمان وهاوسر)، من أهم كتب الهندسة الميكانيكية، وعنهم أخذ الغربيون طراز ساعات الجدران، وكان الكتاب بمثابة نقلة جديدة في منهج الكتب التعليمية لجهة التفصيل والترتيب.

ومن الطرائف الدالة؛ يذكر محقق الكتاب أنه قد اطّلع في عصرنا هذا على ساعة أوروبية قديمة، يرجع تاريخ صنعها إلى ما قبل أكثر من قرن من الزمان، إذا مضت ساعة من الوقت يخرج عصفور من باب في أعلاها ويصدح ناطقاً كلمة (دمشق)!

إضافة تعليق

2 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.