«السعال» باب جديد للتنمّر في دول عربية معاناة عائلات مصابين بـ{كوفيد ـ 19»... وللموتى نصيب أيضاً

مع زيادة الإصابات بفيروس كورونا المستجد وتفشي الوباء إلى بقاع الأرض، زاد الهلع. «كوفيد - 19» أصبح العدو الموحد، ومصابوه باتوا عرضة للتنمر والعزلة الاجتماعية يصادفون مواقف مؤلمة وعدم قبول بهم لخشية الناس من انتقال المرض عبرهم.

بل وأصبح التنمر عارضاً جانبياً أو وعكة صحية إضافية يعاني منها المصابون. لم يسلم العرب من تلك الوعكة. التنمر بدأ تجاه الشعوب الآسيوية بعد ظهور الفيروس في الصين. وبعد تفشيه عالمياً، أصبح كل مصاب وعائلته معرضين للعزلة الاجتماعية والرفض. ففي فلسطين عانى سكان بيت لحم من التنمر بعدما كانت المدينة الأولى التي ترصد فيها الإصابات

ففي لبنان؛ يتحدث مصابون لـ«الشرق الأوسط» عن تجاربهم المؤلمة التي قادت بعضهم لتناول المهدئات نتيجة الاضطهاد النفسي من المجتمع. وفي فلسطين؛ عانى سكان بيت لحم من التنّمر بعدما كانت المدينة الأولى التي ترصد فيها الإصابات. ويعاني المغاربة المهاجرون في أوروبا من العزلة والتنّمر أيضاً بعدما جرى اتهامهم بنقل الوباء إلى القارة العجوز.

ورغم أن الحكومة الأردنية جددت تحذيرها من آثار التنّمر السلبية على المجتمع، فإن «الشرق الأوسط» رصدت حالات جديدة. وبادر المجتمع المصري إلى محاسبة المتنّمرين ووقفهم بحملات مختلفة. أما في العراق وتونس، فإن التنّمر بات يلاحق المصابين المتوفين إلى قبورهم.

 

 

تونس: المنجي السعيداني

نهاية شهر فبراير (شباط) الماضي، أطلق طالب صيني يدرس في الجامعة التونسية نداء استغاثة وجهه إلى التونسيين إثر معاناته من «تنمر» عدد من المارة أطلقوا عليه اسم «كورونا» في إشارة لانتشار الوباء في الصين، وأنه قد يحمله إلى التونسيين، بل إن البعض الآخر اعتدوا عليه ورموه بالحجارة. ولم يدر بخلد معظم الناس أن الوباء سينتشر بكل تلك السرعة ليصيب الملايين ويقضي على الآلاف من البشر، ومن بينهم تونسيون.

وإثر انتشار فيروس كورونا المستجد في تونس، انتقل التنمر إلى المستوى المحلي، وظهرت خلال الفترة الماضية مظاهر إقصاء لا تخطئها العين، فقد منع السكان في منطقتي بنزرت وباجة السلطات البلدية دفن جثماني مصابين بالوباء في مقاربهم ظنا منهم أن الفيروس قد يبقى على جنبات القبر ويهاجم الأصحاء منهم. وبلغت المواجهات مستوى قياسياً من الحدة إلى درجة استعمال الغاز المسيل للدموع في مدينة بنزرت(60 كلم شمال العاصمة التونسية) لتفريق المحتجين، هذا على الرغم من تكفل السلطات الصحية والبلدية بمراحل العملية كافة من تعقيم وحفر للقبر وإيصال الجثمان إلى مثواه الأخير.

وقال جلال قريرة، رئيس بلدية مجاز الباب (ولاية باجة)، إن «التخوف من عملية الدفن غير مبرر بالمرة؛ لأنه تم اتخاذ جميع تدابير السلامة المعمول بها»، وتحت ضغط السكان تم نقل الجثمان إلى مقبرة بمنطقة السلوقية المجاورة.

ولعل حديث وسائل الإعلام المحلية عن مواصفات قبر المتوفين بالوباء، وتأكيدهم على ضرورة أن يكون القبر بعمق ثلاثة أمتار، وأن يقع تعقيم كل دوائره ووسائل نقل الجثمان، قد ساهمت بدورها في تنامي الخوف؛ وهو ما جعل السكان المحليين يسعون إلى التنمر وإعلان رفضهم لجثامين المصابين، متناسين أن الأمر قد يعود عليهم ذات يوم.

 

القاهرة: وليد عبد الرحمن

لا تنحصر خطورة فيروس كورونا المستجد في سرعة انتشاره فقط؛ بل تمتد إلى نظرة بعض الأشخاص السلبية للحالات المصابة. فإلى جانب ألم المرض، يواجه كثير من المصابين وأسرهم حالات «تنمر» بالقول والفعل في مصر، ووصل الأمر لرفض تسلم جثامين الموتى أو دفنهم. لذا؛ انطلقت حملات وتغريدات وفتاوى تدعو لدعم مصابي وضحايا «كورونا» وأسرهم، وتأكيد أن «المرض ليس وصمة».

مشاهد «التنمر» بمصابي «كورونا» تعددت، بدأت بتعرض شاب صيني لـ«التنمر» بإحدى الطرق الرئيسية القاهرة، بسبب جنسيته، وهو ما قوبل بحملة تعاطف شديدة مع الشاب. كما بثت ممرضة من دلتا مصر مقطع فيديو، وظهرت فيه باكية، عقب نشر أرقام هواتفها وزملائها على «فيسبوك»، وتلقيهم مكالمات تتهمهم بأنهم مصدر الفيروس... وكان مشهد رفض دفن طبيبة توفيت بسبب الفيروس بدلتا مصر، كاشفاُ لتصاعد «التنمر» ليصل إلى الموتى.

وأطلق مصريون تغريدات على مواقع التواصل وهاشتاغ «المرض مش عيب» لوقف «التنمر»، في حين دشنت صحيفة «صوت الأمة» الأسبوعية الخاصة بمشاركة كُتاب وسياسيين حملة «الإصابة بكورونا مش جريمة». وانطلقت فتاوى تحذر من «تنمر كورونا». وأكد الدكتور أحمد الطيب، شيخ الأزهر، أن «إنسانيتنا توجب على الجميع الالتزام بالتضامن الإنساني، برفع الوصمة عن المرض وكفالة المتضررين من الفيروس وإكرام من ماتوا بسرعة دفنهم». وقالت دار الافتاء المصرية، إن «الاستهزاء و(التنمر) بمصابي الفيروس، سلوك ذميم منهي عنه شرعاً». وشدد مركز «الأزهر العالمي للفتوى الإلكترونية» على «حرمة إيذاء المصاب بالفيروس بـ(التنمر) ولو بنظرة، أو امتهان من توفي».

من جانبها، قالت الدكتورة سامية خضر، أستاذ علم الاجتماع بجامعة عين شمس، لـ«الشرق الأوسط»: «لا بد أن يتصدى المجتمع بقوة لـ(شراسة التنمر) ومحاولات إقصاء أسر مصابي وضحايا (كوفيد - 19)».

 

أوروبيون يتهمون المهاجرين المغاربة بنقل الفيروس

 

الرباط: لطيفة العروسني

في المغرب، وبعد الإعلان عن تسجيل أولى حالات الإصابة بفيروس كورونا المستجد في المغرب، مطلع مارس الماضي، تعرض المهاجرون المغاربة المقيمون في أوروبا للتنمر من طرف البعض، متهمين إياهم بنشر الفيروس في المغرب، وذلك بعد أن أكدت وزارة الصحة أنه تم تسجيل أول حالة إصابة مؤكدة بفيروس كورونا المستجد لمواطن مغربي مقيم بإيطاليا، ثم توالى تأكيد حالات الإصابة الوافدة لمهاجرين مغاربة آخرين من إسبانيا وفرنسا، قبل أن تتطور الحالة الوبائية في البلاد لتقتصر على الحالات المحلية بعد إغلاق الحدود مع مختلف دول العالم.

وتصدت السلطات الأمنية بصرامة للتنمر على أفراد الجالية المغربية المقيمين بالخارج لوضع حد لهذا السلوك، بعد أن جرى في 30 مارس الماضي اعتقال مغربية تبلغ من العمر 46 سنة، كانت قد بثت مقطع فيديو عبر شبكات التواصل الاجتماعي، يتضمن تحقيراً وقذفاً في حق المهاجرين المغاربة بالخارج، وتحريضاً صريحاً على التمييز والكراهية.

واتهمت السيدة المذكورة المهاجرين المغاربة بنشر الفيروس في المغرب، وتشفت فيهم بعد انتشار «كورونا» في أوروبا، وقالت إن الموتى منهم ستحرق جثتهم.

ووصفت مصالح الأمن المغربي تصريحات المعنية بأنها «تحقيرية وسب وشتم في حق المواطنين المغاربة المقيمين بالخارج»، وذكرت أن الفيديو تضمن «قذفاً صريحاً وتحريضاً على الكراهية في مواجهتهم، بسبب تطورات وباء (كورونا المستجد) على الصعيد العالمي».

واستنكر المغاربة بشكل واسع ما جاء في الفيديو، وأيدوا التصدي الحازم للأمن المغربي لهذا النوع من السلوك. وتباينت آراء المغاربة بين من أيد عودة المهاجرين المغاربة إلى بلادهم بعد تفشي الفيروس في أوروبا، وبين من طالبهم بالبقاء في البلدان التي يقيمون فيها حتى لا تنتقل العدوى إلى المغرب.

في المقابل، وقبل أسابيع من تفشي الفيروس، سجلت حالات تنمر محدودة ضد أجانب من ذوي الملامح الآسيوية، ففي مدينة طنجة روى سائق سيارة أجرة أن السائقين رفضوا نقل أستاذة جامعية يابانية كانت تضع كمامة مخافة نقل العدوى إليهم، وقال إنه وبعد تردد رثى لحالها وأوصلها إلى وجهتها.

 

 

بيت لحم ترد: لسنا «زومبي»

رام الله: «الشرق الأوسط»

بدأ التنمر المتعلق بفيروس كورونا المستجد في فلسطين قليلاً، لكنه كان بارزاً في حوادث شهدت بعض العنف. وسجلت أول حادثة تنمر بشكل مبكر في الأول من مارس (آذار) الماضي ضد سيدتين آسيويتين في شوارع رام الله، تعرضتا للشتم والضرب على يد سيدتين فلسطينيتين.

وبدأت القصة عندما تعرضت أم وابنتها في أحد شوارع رام الله، للفتاتين اليابانيتين ساكي وأوبا اللتين تعملان في مؤسسة يابانية ضمن مشروع إغاثي لدعم الشعب الفلسطيني، وقاما بمناداتهما «كورونا كورونا» قبل أن تدفع الأم بقوة إحداهما وتمسكها من شعرها وتأخذ هاتفها منها بالقوة من أجل حذف ما صورته.

كانت الفتاتان تعيشان في رام لله منذ سنوات وفوراً اعتلقت الشرطة المعتديتين واستقبلت محافظ رام الله ليلى غنام ساكي وأوبا وكرمتهما، وهددت كل من يمنح غطاء لأي كان للتعرض لزوار فلسطين من السائحين الأجانب أو العاملين.

لم يكن «كوفيد – 19» قد زار فلسطين بعد، وبعد أيام قليلة عندما وصل الفيروس إلى بيت لحم، أغلق مواطنون من مدن أخرى الشوارع ورفضوا استقبال أي مرضى من المدينة الموبوءة.

وسرعان ما راح الآخرون ينظرون لأهل بيت لحم كغير مرغوبين إلى الحد الذي كتب معه تلحميون بأنه ليس فيروساً تلحمياً ولسنا «زومبي».

وهذا التنمر سرعان ما انتقل داخلياً في المدينة نفسها ليصب فلسطينيون غاضبون جام غضبهم على آخرين محجورين وغادروا منازلهم أو مقيمين من تجمعات ويرفضون المغادرة للعلاج في المستشفيات.

وفي بيت لحم أغلق محتجون في بداية الأزمة شوارع من أجل عدم وصول مرضى إلى مستشفيات تقع في نطاق سكناهم في الأرياف، وهاجم آخرون أحد المصابين الذي يسكن في إحدى القرى، وأجبروه تحت التهديد والوعيد على مغادرة منزله مع زوجته وابنه المصابين كذلك إلى أحد مراكز العلاج. لقد تدخلت السلطة لمنع الحاق الأذى بالبعض وطالت الإشاعات آخرين. لم يسلم كثيرون من التنمر وبينهم العمال في إسرائيل الذين نقلوا المرض معهم.

إضافة تعليق

6 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.