«جيش إفريقيا»

في عام 1830 نزل الجنود الفرنسيون على الشواطئ الجزائرية لتبدأ مرحلة من الاستعمار الطويل لهذه البلاد، حيث استمرت في الجزائر إلى عام 1962 عندما استقلت بعد حرب تحرير استمرت حوالي ثماني سنوات. وكان الفرنسيون قد بسطوا نفوذهم الاستعماري أيضاً على تونس والمغرب، وعلى مدى 132 سنة تواجدت قوات عسكرية فرنسية في شمال إفريقيا العربية.
وساهمت تلك القوات في جميع حروب فرنسا التي قادتها في إطار حملاتها الاستعمارية وفي حرب "كريمي" وخلال الحربين العالميتين، الأولى والثانية. تلك القوات العسكرية الفرنسية المتواجدة في بلدان شمال إفريقيا، والمؤرخ والضابط الفرنسي السابق بيير مونتانيون، الذي كان قد قدّم عدة كتب عن "حرب الجزائر" و"احتلال الجزائر" و"فرنسا الاستعمارية" يكرّس كتابه الأخير لـ"جيش إفريقيا" وذلك اعتباراً من وصول أول جندي فرنسي إلى شواطئ جنوب البحر المتوسط وحتى استقلال الجزائر عام 1962.
يشرح المؤلف أن القوات الفرنسية توزعت أثناء الحقبة الاستعمارية بين ثلاثة "جيوش" لكل منها صفة "استقلالية"، وهي "الجيش الفرنسي داخل فرنسا" و"القوات الاستعمارية" و"جيش إفريقيا". ولكن هذه الجيوش كلها كانت تخضع لـ"قيادة أركان عامة" واحدة. كان النظام الملكي الفرنسي الذي أعاده نابليون بعد الثورة هو الذي أنشأ ذلك الجيش.
ويركز بيير مونتانيون في تحليلاته على ضرورة التمييز بين "جيش إفريقيا" و"الجيش الاستعماري". ويشير أنه يتم غالباً الخلط بين "الجيشين" بينما أنهما يشكلان "كيانين" متمايزين تماماً من حيث طريقة التجنيد وأمكنة الانتشار والتواجد والتقاليد العسكرية. ثم إن "جيش إفريقيا" يتشكل أساساً من ذوي الأصول المغاربية (بلدان المغرب العربي) بينما أن الجيش الاستعماري جنّد قواته من مختلف مناطق العالم بينهم نسبة هامة من الرماة السنغاليين.
والإشارة في هذا الإطار أيضاً إلى خصوصية اتسم بها "جيش إفريقيا"، وهي أنه منذ إعلان فرنسا ضم الجزائر لها رسمياً عام 1848، أصبح يتم النظر إلى "جيش إفريقيا" وكأنه، إلى هذه الدرجة أو تلك، "جيش وطني فرنسي"، ولو كانت له "قوانينه" الخاصة، حيث كانت فرنسا تعتبر "الواقعين تحت استعمارها" بمثابة "رعايا الإمبراطورية".
وكانت أقلية صغيرة وفي ظروف خاصة جداً يحق لها اكتساب الجنسية الفرنسية. هذا إلى جانب اللجوء إلى توزيع صارم للرتب وللوحدات العسكرية بحيث كان يتم الفصل إلى حد كبير بين أبناء البلدان الأصليين وبين الأوروبيين.
ومن المعلومات التي يتم التأكيد عليها هو أنه أثناء الحرب العالمية الأولى ساهم "جيش إفريقيا" بحوالي 000 300 جندي خاضوا الحرب على التراب الأوروبي وكان بينهم حوالي 000 190 من المغاربة و000 110 من الأوروبيين، خاصة الفرنسيين. وكان أولئك الجنود قد شاركوا في جميع العمليات العسكرية الكبرى خلال المواجهات بين الألمان والفرنسيين.
ورغم قلة عدد جنود "جيش إفريقيا" نسبياً في العمليات بأوروبا، فإن المؤلف يؤكد على أنه من الإجحاف "التقليل" من الدور الذي لعبوه والإشارة أنه نظراً لكفاءاتهم العالية كمحاربين وجسارتهم المتميزة جرى "زجّهم" في المعارك الأكثر شراسة على الجبهة الفرنسية.
ذلك في كل مرة دعت الحاجة إلى ذلك وقبل نشوب الحرب العالمية الثانية 1939-1945، كان هناك حوالي 000 176 من أبناء بلدان شمال إفريقيا الواقعة تحت الاحتلال الفرنسي و000 73 من ذوي الأصول الأوروبية يرابطون في شمال إفريقيا وبلدان المشرق وفي فرنسا. ذلك العدد من جنود "جيش إفريقيا" جرت تعبئة 000 302 خلال العام الأول من الحرب 1939- 1940.
وفي تلك السنة الأخيرة 1940 شارك 000 80 من أولئك الجنود في المعارك، حيث قتل منهم 5400 من أبناء بلدان شمال إفريقيا و4700 من الأوروبيين. وخلال السنوات الثلاث الأخيرة من الحرب العالمية الثانية 1942-1945 تمّت تعبئة حوالي 000 233 من المغاربة في إطار الجيش الفرنسي.
تشكل "جيش إفريقيا" إذن منذ استعمار الجزائر عام 1830 وجرى حلّه عام 1962 يوم استقلالها. لكن لا تزال بعض الوحدات العسكرية الفرنسية مثل "قوات التدخل الخارجي" تحافظ على تقاليده.
الكتاب: جيش إفريقيا، من عام 1830 حتى استقلال الجزائر
تأليف: بيير مونتانيون
الناشر: بيجماليون باريس 2012

إضافة تعليق