«كورونا» كمفصل تاريخي… هل سيُنتَج أدباً جديداً بعد الجائحة؟

يمرّ العالم اليوم بمحنة أطلق عليها جائحة، كونها الأقسى التي يتعرض لها الجنس البشري خلال العقود الأخيرة، جاعلة العالم كله يخضع لفيروس كورونا، مثلما يكون كل البشر قابعا في المنزل في حجْر أقوى من الحجَر، ما انعكس على جميع الفعاليات ومنها الثقافية، التي تعد واحدة من مفاتيح إنتاجها هي المخيلة. فهل سيكون الفيروس مفصلا تاريخيا؟ وهل سيكون هناك شكل جديد للنص الأدبي، سواء شعرًا أم سردًا؟ نصا يمكن أن يواجه حجم الكارثة الكونية التي تمرّ على البشرية والمهددة لها بالوجود برمته؟

النزعة الإنسانية

يرى الروائي الفلسطيني جميل السلحوت، أن جائحة كورونا ستشكل مرحلة تاريخية على مستوى العالم، وستتغير قيَم ومفاهيم وموازين قوى على مستوى العالم، وسيؤرخ ما قبل كورونا وما بعدها. فالعالم جميعه تساوى أمام هذا الوباء القاتل، الذي لم يفرق بين غني وفقير، ولا بين قوي وضعيف. فبوادر التغييرات ظهرت في بعض الدول الأوروبية كإيطاليا وإسبانيا، اللتين أنزلتا علم الاتحاد الأوروبي ورفعتا مكانه العلم الصيني. ويبين السلحوت أن الكاتب ابن بيئته وبسبب التقدم التكنولوجي الهائل وتطور وسائل الاتصالات والمواصلات، فقد أصبح العالم قرية واحدة، ورغم الكتابات المختلفة والمتعددة عن هذا الوباء، إلا أن أفضل ما سيكتب عنه هو بعد انتهاء مرحلته، تماما مثلما كانت أفضل صنوف الأدب عن الحرب الكونية الثانية هي التي كتبت بعد انتهاء تلك الحرب.
وحسب تقديره فإن النزعة الإنسانية ستسود النصوص الأدبية في المرحلة المقبلة، عند مختلف الشعوب والأعراق والمعتقدات، لأن المعاناة والتجربة المشتركة تخلق أدبا إنسانيا مشتركا، لكنه يستدرك بقوله إن هذا لا ينفي بالطبع أن الفكر الفاشي سيتلاشى، بل على العكس فربما سيزداد تغولا ووحشية، لكنّه سيجابه بفكر إنسانيّ شمولي، لكنه يبقي الرهان على تغير موازين القوى الاقتصادية والسياسية والعسكرية على مستوى العالم، فالرأسمالية المتوحشة لن تتخلى بسهولة عن أطماعها الإمبريالية، في السيطرة على مقدّرات الشعوب، وربما ستلجأ إلى حروب تدميرية هائلة، في محاولة منها لإعادة نفوذها الذي كان وبالًا على العالم.

الأدب والإفراز الحقيقي

فيما يرى الناقد المغربي بوزيان موساوي، أن تاريخ الأدب حافل بنماذج إبداعية من مختلف الأجناس الأدبية، التي ازدهرت وانتشرت عبر ربوع المعمورة، أثناء الحروب، والثورات والكوارث الطبيعية، والأوبئة. فالكلاسيكية عاصرت النمط الفيودالي، فكان الإبداع الأدبي «محاكاة» تخضع لسلطة الغيبيات لتفسير الحروب والمجاعات والأوبئة، وانتصرت فلسفة الأنوار للإنسان وللعقل وللعلم، فبرزت الرومانسية لتعايش صعود البورجوازية بعد الثورة الصناعية في إنكلترا والثورة الفرنسية، لكن سرعان ما فرضت الواقعية إكراهاتها في مختلف تمظهراتها، كونها كانت انعكاسا للإرهاصات الأولى لحِراكات شعبية قهرتها اللامساواة وغياب العدالة الاجتماعية. وحالياً نعيش زمن حرب كونية، والعدو ليس بشرا حاملا لسلاح، ولا قِوى غيبية تنشر اللعنات، بل هي حرب تستهدف كل البشر، طبيعتها فيروسية تحصد آلاف الضحايا في جميع بقاع المعمورة. ويرى أن «فقهاء الدين» تراجعوا أمامها وأخرسوا أبواقهم ،وتلعثمت ألسنة الساسة، واحتار أهل العلم أمام عجزهم لحد الآن لاكتشاف لقاح ناجع لمحاصرة الوباء ومعالجة ضحاياه. وما الأدب إلا إفراز حقيقي لهذا المستجد: ثورة قيّم، وعلاقات، وأنظمة، وتفكير، وممارسة.

كل الجوانب الإبداعية من التشكيل والمسرح والقصيدة والرواية والقصة، ترصد الحالات الإنسانية لتكون شاهدا على العصر كما خلدت النصوص المسرحية الهادفة الصراع الإنساني بمسرحيات شكسبير

الاحتياج إلى الأدب

الروائي العماني طلال الحضرمي، يعتقد أن جائحة كورونا التي لطخت خريطة العالم باللون الأحمر، لا تتجاوز كونها قدرا من أقدار الله وسنة من سننه في خلقه، بغض النظر أكانت مفتعلة، أم كانت عفوية من عفويات الطبيعة القاسية، ويربط اعتقاده بقوله إنه رغم حجم الضرر الذي أحدثته، وما زالت تحدثه تلك الجائحة، أجد أن لها فوائد عديدة أهمها، أنها علّمت بني البشر، أن العلم وحده لا يكفي لمواجهتها ولا جحافل الجيوش تستطيع الحيلولة دون تزاحم الجثامين على أبواب المقابر. ويعبر الحضرمي عن ثقته بأن الدور الأدبي والثقافي يعد الأهم في توعية المجتمعات، حيث أن الأدب بكل أقسامه سيلعب الدور الرئيس في كبح جماح الفيروس، إذا أسندت له المهمة، كما كان دوره في أحداث غيّرت مجرى التاريخ كالثورة الفرنسية، التي اعتمدت على الفن والأدب في نجاحها.
ويرى أن الجائحة لم تعط الأدب قيمة أكبر لكنها ذكّرت العالم بأهميته لكل مرحـــلة، فالأدب ســـيكون في مقدمة أولويات الاحتياجات البشرية في مقبل السنوات. كما سيتغير توجه المتلقّي للأدب، وسيغدو احتياجا أعظم مجتمعيا وسياسيا، وبطبيعة الحال أشكال النصوص الشعرية والسردية ستستجيب وتتشكل حسب المتغير، ويقول إنه ليس منحازا للأدب ومكوناته، ولكن ما أراه أن العلوم الطبية والفيزيائية وقفت عاجزة حيال ما يجري من تفشٍ للوباء، وموت مرعب، أما الأدب، تسانده المنصات الاجتماعية والمكتبية والإعلامية، أصبح الملجأ الأخير الناجع لهذه المرحلة الأخطر في تاريخ البشرية والوجود الكوني برمته، فالوباء سوف ينتهي عاجلا أم آجلا، ولكن الاحتياج للأدب سيعظم ويكبر وينتشر كون الأوبئة والكوارث والمتغيرات لا تنتهي.

زعزعة العلاقات

المنظّر الأدبي العراقي محمد يونس يرى أنه ليس من السهل أن تتحرك الرواية ـ كونها نص العصر ـ بالشكل خارج الجنسانية، حتى إن تصاعدت موجات الأحاسيس العاتية داخل منظومة صراع غير متكافئ إجمالا في كيان النص. وما من عمل روائي له إلا كان معايشة تجريبية، أو إحساسا بالتطور، وما كان إلا أن يجعل الشكل وجها للجنس الروائي، ويتمثل الإيهام والتلون والمغايرة في عناصر أخرى. ويضيف يونس أن شكل الرواية اليوم يقترن بشكل العالم، وعلى وجه الخوص في المعني البديل الذي ربط به العالم، وصيغة الزمن القهري والقلق والخوف، فالحياة نفسها واسعة ومتعددة الأشكال وطافحة بالمتناقضات، وما أشد تعقيدها اليوم بعد انتشار فيروس كورونا.

لا استحداث للأدب

الكاتبة والروائية الجزائرية أحلام الأحمدي تقول: لقد مرّت على الأدب أزمان كثيرة، من حروب وأوبئة، والكثير حتى من المؤثرات السياسية والاجتماعية التي أثرت فيه، سواء من قريب أو من بعيد، هذه الكوارث أثرت في الإنسان الأديب من الناحية الشعرية والروائية، ولخص ذلك في فكرته وموضوعه، وهذا شيء لا بد منه، ففي الأخير روح ورسالة الأدب هي من الإنسان للإنسان، تربطه القضية الراهنة التي تشغل الجميع، وتشكله مخلفاتها وتداعياتها، نحو اتجاهات وأحداث الأقلام الأدبية المختلفة. وتضيف الأحمدي أما ونحن الآن أمام وباء فرض على أغلب سكان الأرض الحجر الصحي للوقاية من هذه الكارثة الصحية، فأثر على الحياة اليومية والعادية للإنسان، وحدّت بشكل كبير من نشاطاته التي يمارسها، خاصة الأديب الذي يعتبر قلمه المؤرخ للأحداث والقلب النابض لها، والذي يكتب من واقع الحقيقة أو حتى من الخيال المستمد والمقتبس منها، ولهذا تعتقد أن كورونا سيؤثر بكل تأكيد في كل شيء، وحتى في الأدب ومواضيعه، وستقحم الكثير من الأقلام للكتابة عن أدب الكوارث، واستلهام القصص الكثيرة عنه، وهذا متوقع ويبدو أمرا طبيعيا. إلا أن الأمر لا يصل إلى أن يستحدث أدب جديد، معللة الأمر بأن أدب الكوارث نشأ منذ زمن بعيد، وارتبطت الكتابات الأدبية به، فالمجاعات والأوبئة والحروب كانت منذ الإنسان الأول وارتبطت الأشعار والروايات والقصص بها كذلك.

رصد جديد

ويرى الناقد والباحث العراقي صباح محسن كاظم، أن كل الجوانب الإبداعية من التشكيل والمسرح والقصيدة والرواية والقصة، ترصد الحالات الإنسانية لتكون شاهدا على العصر كما خلدت النصوص المسرحية الهادفة الصراع الإنساني بمسرحيات شكسبير، أو لوحة الجورنيكا لبيكاسو، ضد الحرب الإسبانية، وقصائد بودلير وأليوت ووالتمان ضد الحروب والفجائع الإنسانية، لذا يمكن للسرد القصصي والروائي استلال موضوعاته من تلك المأساة العالمية، وهو يرى الناس تموت بالطرقات حتى أن الطليان قاموا برمي أموالهم من نوافذ العمارات للطرقات، مادامت الأموال لا تنفع في الشفاء. ويعتقد كاظم أن الحتمية التاريخية تتطلب من المبدع أن يكون مستفزاً من كل الأهوال ويجسد ذلك بالنسق البنائي بسردياته في أيّ نص إبداعي، فالمبدع ضمير وصوت من لا صوت له. وستكون هناك روايات عالمية وقصص مهمة ستروي للأجيال ما مرّ بهذا الزمان.

إضافة تعليق

3 + 17 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.