«ملتقى الرواية العربية الأول».. سير ذاتية

سبق افتتاح ملتقى الرّواية العربيّة اهتمام إعلاميّ كبير جعلنا نشعر أنّ بيروت لا تزال ملتقى الأدباء والشّعراء والروائيين، وبخاصّة أنّ مِن بين المدعوّين العرب مَن نال جائزة البوكر (أحمد سعداوي عن روايته «فرانكشتين في بغداد»- 2014- وشكري المبخوت عن الطلياني» 2015) وقد أتى المدعوون من تونس، واليمن، والعراق، ومصر...

وقد كان التّعويل على هذا الملتقى/ الحدث بمثابة استعادة بيروت لدورها الريادي في نشر الثقافة، على الرّغم من كلّ ما تمرّ به من أزمات ومفاسد وفضائح ونشر غسيل على العلن. لكن، كان الملتقى في يومه الأوّل مخيِّبًا لكلّ الآمال، إذ، تطالعنا في الجلسة الافتتاحيّة، كلمة الافتتاح بكسر أبسط قواعد اللغة العربيّة، مع إصرار على جعل المضاف إليه منصوبًا. ولم يقتصر النّصب على ذلك، بل شمل المضارع المرفوع. ليس هذا فحسب، بل جاءت الافتتاحيّة بعيدة كلّ البعد عن الرّواية العربيّة بكلّ أبعادها وتطلّعاتها وهمومها وروّادها وكتّابها. أضف إلى ذلك، المكان غير اللائق الذي تمّت فيه استضافة الروائيين العرب واللبنانيين، ما يجعلنا نتساءل عن أسباب عدم التّنسيق مع جهات مختّصة في تنظيم هذا النوع من النشاطات لتأمين مكان الفعاليّات، على الأقلّ، وبيروت صاحبة أعرق أماكن ثقافيّة، لأنّ هذا الحدث يشكّل واجهة للبنان كمشهد ثقافي يعبر عن حضارتنا كدولة لطالما استقطبت أحداثًا ثقافيّة. ويحقّ للبعض أن يسأل عن غياب أسماء في عالم الرّواية عن أعمال هذا الملتقى، ولهم بصمتهم في الرّواية العربيّة من أمثال إبراهيم الكوني، برهان شاوي، يوسف زيدان، وغيرهم...
ننتقل إلى الحضور، الذي خلا في معظمه من النقاد والجامعيّين وأهل الرواية في لبنان، أو حتّى الطلّاب، وكان مقتصرًا على الفنانين التشكيليّين اللبنانيين، وضيوف الملتقى من جنسيّات عربية مختلفة. لنسأل أيضًا أين هم حرّاس الرواية والمتخصّصون في النّقد الروائي؟ هذا الحضور الخجِل، الذي كان عدده يتناقص مع كلّ جلسة (إلّا إذا ما استثنينا الجلستين الأخيرتين)، وكاد يقتصر في بعض الأحيان» على أهل البيت».
هذا لا يعني أن ننكر الجهود التي بذلت، وبخاصّة أنّ الجهة الدّاعية نسّقت للملتقى وأعدّت له قبل خمسة أشهر، لكن هذا الحدث، كما أي ظاهرة ثقافية، يطرح سؤالًا حول الخلل الحاصل، هل هو في بنية التفكير الذي بات يهمل متابعة الشؤون النقدية ذات الطابع الاختصاصي المحض؟ أم أنّ الرواية في نظر الكثيرين باتت ترفًا فكريًا على الرغم من الكم الهائل الذي تطرحه دور النشر بين يدي القرّاء؟ أم أنّ الجمهور سئم التّنظير؟
كنّا نتمنّى ألّا تكون مداخلة بعض المشاركين في الملتقى هي حديث عن تجارب روائيّة شخصيّة، فالعمل إن لم يحرّر صاحبه من شرنقة الخاصّ، ويفتحه على الكلّ، ويجعله بابًا يلج من خلاله إلى الكوني والإنساني، فإنه بذلك يبقى منقوصًا ولا يبلغ حدود العمل الإبداعي. والسّؤال الذي يُطرح: هل نحن بحاجة إلى مزيد من عرْض سير ذاتيّة في الملتقيات الروائيّة، أم يفترض طرح قضايا تختصّ بالرواية العربيّة، وكيفيّة تطوّرها، والتحولات التي شهدتها، والأسباب الكامنة وراء ذلك، وضرورة استثمار وجود روائيين مبدعين لإقامة ورش عمل للكتابة الإبداعيّة على هامش ملتقى الرّواية العربيّة.ومن القضايا الجديّة التي بُحثَت علاقةُ الرواية بالميديا ووسائل التواصل الاجتماعي وتأثيرها على الكتابة الرّوائيّة، وكيف يستطيع الروائي أن يستثمر العالم الافتراضي في خدمة نصّ جديد. ويبقى الهاجس ألّا تتحوّل الرّواية إلى منشور ملحق بالميديا، وضرورة العمل على إنقاذها، وضرورة اضطلاع الرواية بدور في مقارعة الدور العام السلطوي. وأن يكتب الرّوائي من دون أن يكون همّه هو تموضع الرّواية ضمن إطار محدّد يخوّلها الترشّح لجائزة.
تستحقّ الرّواية العربيّة أن تُولى الاهتمام الكافي من مختلف الجوانب. وفي العالم العربي الكثير من التجارب الرّوائية الرّائدة التي يمكن الإفادة منها في ملتقيات أو منتديات روائية قادمة، بشكل يغني المتلقّي؛ القارئ والباحث والناقد والكاتب. ويبقى أن نقول في زمن تشرذم العالم العربي وتفتّته قبائل وعشائر وزعامات، عُقِد ملتقى الرّواية العربيّة، فجمع مثقّفين وحّدتهم الرّواية بعد أن فرّقتهم السّياسة.

إضافة تعليق

1 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.