آفــــــاق الإبــــداع ومــرجعيتـــه فــي عصــــر المعلومـــات

في عصر المعلوماتية أصبح من الصعب الحد من النشاط الفكري للإنسان، فقد أصبحنا نجد الأعمال الأدبية والفكرية تتسلل إلى شبكة الإنترنيت لتعلن عن نفسها بشكل صارخ، بعيدا عن الرقابة ومؤسساتها، إذ الإنترنيت لا وطن له، لكن هل يعني ذلك أن العمل الإبداعي الفكري ليس له حدود ولا ضوابط، الكلمات ليست بريئة كل البراءة، وإنما تحمل فلسفة صاحبها، فما المرجعيات التي يمكن أن تكون مصدرا للعمل الإبداع الأدبي والفني والفكري بشكل عام، وكيف يمكننا أن نفهم الحرية على أنها حركة ضمن مجال تتحاور فيه الذات مع الآخر .
في هذه الحوارية الرائعة يحاول المفكران العربيان المرموقان (د. حسام الخطيب، ود. رمضان بسطاويسي محمد) أن يجيبا على العديد من الأسئلة التي أرقت القراء حول حدود الإبداع، الأخلاقية والدينية و السياسية . مرجعية النص الأدبي وأفقها في عصر المعلوماتية:هذا هو عنوان بحث الدكتور حسام الخطيب الذي يبدأ فيه أولا بتحديد المصطلح والموضوع وثانيا يلقي نظرة في تاريخية المرجعية الأدبية ابتداء من المرجعية في العصر الكلاسيكي ومرورا بالمرجعية في التراث العربي الإسلامي (في العصر الجاهلي والنظرية الإسلامية وفي الفكر والنقد) ويتناول ثالثا إشكالية المرجعية الأدبية في إطارها العام إذ يرى ضمن هذا المحور أنه من خلال التركيز على وظيفة الأدب ولدت النظرية الأخلاقية في المرجعية وسادت منذ أقدم العصور، وكانت سابقة للنظرية الشكلية ومازالت تتمتع بقوة وسلطان في الأوساط المنظرة للطبقات السائدة في المجتمع والجهات المحافظة والدينية واستمدت بالتدريج بعدا جديدا واسع التأثير من خلال ما أسند للأدب من مهمات تعبوية لصالح الحركات الثورية والتحررية والتقدمية، ومنذ القديم وجدنا أفلاطون ينادي باستخدام الأدب لتثقيف الحرس، وأرسطو يسند للمأساة وظيفة تطهير النفس الإنسانية وأن تكسبها استمرارا للأخلاقية الدينية ودعوة للعمل الصالح، وعلى امتداد العصور كان أكثر الشعراء ممثلين بالشاعر الرومانسي “شيلي” أميل إلى الالتزام بمبادئ الحق والخير إلى جانب الجمال، وحملوا الشعر رسالة وجدانية مفعمة بالقيم وعبئا ضخما في إعادة خلق الإنسانية، وفي العصر الحديث اعتبرت الواقعية الاشتراكية الأدب سلاحا طبقيا يساهم في تطوير الحياة وتوجيهها نحو تحقيق العدالة الاجتماعية كغيره من النشاطات السياسية والاجتماعية وطرحت الوجودية مفهوم الالتزام الذاتي النابع من داخل الفنان واعتبرت الكلمة موقفا ومسؤولية، وهكذا فإن الموقف الأخلاقي في الأدب قد يكون فرديا وقد يكون اجتماعيا وقد يكون دينيا وقد يكون فلسفيا .أما النظرية الشكلية فقد تأخرت في الظهور وتقول : إن الأدب فعالية إنسانية خاصة قائمة بذاتها ولها قوانينها الخاصة التي تحكمها والتي يمكن إرجاعها إلى مبدأ واحد هو الإتقان الصحيح للعمل الأدبي، ولكل فن أداته الخاصة، ولعل أداة الفن الأدبي وهي اللغة أعقد الأدوات جميعا لأنها حصيلة لمختلف الفعاليات الإنسانية، ويصر دعاة النظرية الشكلية على التفريق بين مقاييس هذه الفعاليات الإنسانية المختلفة وبين المقاييس الفنية الخالصة، في حين يقول دعاة النظرية الأخلاقية بعدم إمكان التفريق بين النوعين لأنهما متصلان ومتشابكان .أما المرجعية العامة في القرن العشرين فقد ازدادت كذلك تعقيدا وتداخلا من خلال تعدد النظريات الفلسفية والأيديولوجيات والاكتشافات العالمية، وسيطرة جو فكري من اللا يقينية والرخاوة الفكرية وفردية الحقيقة، وربما أيضا بنتيجة الحربين العالميتين الأولى والثانية وما أحدثتاه من دمار ومآس لم تعرف لها الإنسانية مثيلا من قبل، وقد توج كل ذلك بأجواء التجريبية المفتوحة التي دخلت مع الفلسفات التحليلية الحديثة، والجدير بالذكر أن مناخ اللا يقينية كان سائدا منذ مطلع القرن العشرين وبالتحديد بعد الحرب العالمية الأولى، ويمكن أن نتذكر البيان السريالي عام 1920 الذي نفى كل مظاهر الحياة الإنسانية، وكذلك غيره من النزعات الفوضوية والعدمية والاغتراب الروحي التي سيطرت على مناخ القرن العشرين، وما نتحدث به في مطلع القرن الحادي والعشرين عن ضياع القيم وانتفاء المرجعيات العامة واختلاط معايير الأخلاق، واكب ذلك من مستوى درجة اختلاط معايير الجمال والفن إن كانت بقيت حتى الآن أية معايير، كل ذلك وجد أساسه في صيحات الشكوى المبكرة في الثلث الأول من القرن العشرين، ويكفي أن يتذكر المرء نداء ماكس بلانك : إلى أين يتجه العلم (1933) ليعرف أنه منذ الثلاثينيات اهتزت أيضا المرجعية العلمية وغدا العلم نفسه لايقينيا، ويعني ذلك أن كل لحظة علمية تحمل حقيقة مؤقتة تستمر فقط إلى أن تنسخها حقيقة جديدة، فإذا كان العلم كذلك فكيف يكون أمر المرجعيات الأخرى ويرى الباحث أن الدخول المتسارع للمعلوماتية الحاسوبية في مجال التنظير الأدبي والنقد والإبداع يبشر (أو ينذر) بتطورات كبيرة الشأن في فهمنا للظاهرة الأدبية ومقدرتنا على تجسيد هذا الفهم ونقله إلى مستوى الواقع الافتراضي، ويرى الباحث أن كلمات رولان بارت وميشيل فوكو عن النص المفتوح تشبه تماما كلمات تيد نيلسون وجورج لاندو هنا نظرية وهناك تجسيد وفعل، إلا أن هذا التوازي ليس نهاية المطاف وإنما وراء الأكمة ما وراءها فمن الطبيعي أن تنبثق عن الممارسات المفرعة لجاليات جديدة ونظريات أدبية متنوعة من شأنها أن تؤدي إما إلى تأزيم وتفاهم إشكالية مرجعية النص ـ وهذا ما ينتظر أن يحدث في المنظور القريب ـ وإما إلى شيء من الانفراج والإضاءة للمرجعية من خلال الفيض الحر للمعلومات ودينامية المرونة الحاسوبية وعالميتها، وهذا غير مستعد في المرحلة الثانية .آفاق الإبداع والحرية في عصر المعلوماتية ـ دراسة من منظور فلسفي وجمالي ـ : هذا هو عنوان بحث الدكتور رمضان بسطاويسي محمد، بداية يتناول موضوع الحرية والإبداع فيرى أن الحديث عن الإبداع يعني تجاوز أدبيات الفكر الفلسفي التي تتناول الحرية بوصفها موضوعا للتأمل العقلي، والانتقال إلى الحديث عن الحرية بوصفها فعلا من الأفعال التي تعبر عن أنطولوجيا، بل هي فعل، وهي بهذا تشترك مع الإبداع في كونه فعلا أيضا، ينتقل من الإمكانية إلى الوجود، وإذا كان الإبداع فعلا لتحرر يعبر عن نفسه من خلال الصراع التركيبي بين المبدع وذاته ومجتمعه وأدائه، فهذا هو جوهر الحرية، ولذلك فإن تعريف الحرية تعريفا نظريا يفترض وجود انفصال بين الموجود العارف والموضوع الذي نريد نعرفه، في حين أن الحرية لا يمكن أن تدرك إلا في صميم الفعل، الذي تمارس به وجودها وهنالك إحالة متبادلة بين الحرية والإبداع ،فالحرية بمعناها العميق الأنطولوجي هي إبداع الإنسان لنفسه وتحقيق ذاته الكلية من خلال الفعل والإبداع فعل التحرر ذاته الذي يتجسد في علاقة بين الإنسان والوسائط التي ( يفعل) من خلالها والحرية بهذا المعنى شرط (أولي) كما أن الإبداع شرط لكي تصبح أفعالنا ذات طابع حر، وهذه العلاقة بين الإبداع والحرية تعبر عن نفسها في (الحداثة) بالمفهوم الفلسفي الذي يجاوز (صورة الحياة) السائدة التي تكرسها أدوات الاتصال في المجتمع.وضمن محور موسوم ب “ عناصر التسلط التي تعوق الإبداع “ يتساءل المؤلف هل يمكن مواجهة تغيب الهوية أو عناصر التسلط التي تعوق الإبداع ، ويجيب على تساؤله هذا بأن المعرفة هي أداة مواجهة السلطة المرئية واللا مرئية في الواقع، والمعرفة ليست على إطلاقها إنما يقصد بالمعرفة هنا صيغة المعرفة أي أننا نهتم بالطريقة التي تتولد بها المعرفة فليس من المهم ـ في الإبداع ـ التمييز داخل خطاب معين بينما يمت إلى العلم والحقيقة وما قد يتعلق بشيء آخر وإنما المهم هو أن نتبين تاريخيا كيف تتوالد مفعولات الحقيقة داخل الخطابات السائدة ويتعلق الأمر إذا بالنظر للمعرفة أو الحقيقية بوصفها مفعولا لا فاعلا، بمعنى أن نبحث عن معنى الشيء من خلال علاقته بالقوة التي تظهر فيه فالمعرفة هنا ليست بحثا في الماهية فهذا معناه التوقف عن الميتافيزيقيا، وإنما التساؤل عن القوى التي تمتلك المعرفة وبالتالي تحوز السلطة، ولقد بين نيتشه أن إرادة المعرفة هي إرادة قوة وأن المعرفة قوة وتسلط لأن وراء إنتاج المعاني أنها تقوم باختزال تلك القوى، وحصر المعنى في الألفاظ اللغوية التي تحد المعنى والمهم وراء دراسة تاريخ المعرفة هو التواصل إلى بنية القيم التي حكمت هذا التاريخ، البنية التي وضعت المعاني، أطلقت الأسماء، أدلت العالم ولونته، ومن ثم نكتشف كيف أصبحت اللغة ذاتها فعل سلطة، صادرا عمن بيده، وتصبح إستراتيجية هيمنة وتسلط، فالسيد هو الذي لديه الحق في إطلاق الأسماء والقوى ـ في الواقع السياسي تتناحر بهدف الاستحواذ على الوقع السياسي ـ ولما كان معنى الشيء هو القوة التي تستحوذ عليه وتتملكه، أصبح توليد المعاني وعمليات التأويل تقوم به القوة السائدة في المجتمع، فالتأويل هو شكل الإرادة القوة والسلطة تعيد إنتاج المجتمع باستمرار، ولذلك يصبح التفكير في السلطة مدعاة للاهتمام بالأنماط التي بموجبها تميز الثقافة بين مستويات القول .وبالإضافة إلى البحثين تضمن الكتاب تعقيب الباحثين كل يعقب على بحث الآخر في جو حواري نقاشي رائع وجميل يبشر بنهضة ثقافية فكرية كبرى ستشهدها الساحة الثقافية في العالم العربي في القادم من الأيام في ظل تطورات سياسية واقتصادية وتكنولوجية هائلة تدعو كل من يمتلك أسس ومنطلقات فكرية وثقافية للبحث في العديد من القضايا الإشكالية المعاصرة لأضاءتها و تنويرها وتقديمها للقارئ والمتلقي حتى يتمكن من الإطلاع على عصارة فكر المفكرين والباحثين لما فيه خير الأمة وحسن نهضتها وتطورها . اسم الكتاب : آفاق الإبداع ومرجعيته في عصر المعلوماتية المؤلفان “
د . حسام الخطيب ـ د . رمضان بسطاويسي محمد
الناشر : دار الفكر ـ دمشق ـ ط 1 ـ 2001
عرض : م . حواس محمود

إضافة تعليق