أبـــو المعـــارض..المشــاركة العربيــة زادت بنســبة 70%

ما يقارب السنة حتى الآن، على الربيع العربي الآخذ بالتوهج هنا وهناك في بعض البلدان العربية، ولبنان وإن بمنأى عن ربيعه السياسي والأمني، له ربيعه السنوي المتمثل في معرض الكتاب العربي، كما لو موعد تعويضي إلى حد، عن خيبات سياسية وأمنية ومعيشية تحتاج أكثر من «ربيع» لينهض بها. معرض الكتاب ببيروت
،
كما لو ثورة صغيرة على الطريقة اللبنانية. ثورة ثقافية عمقية تؤكد هوية البلد في حضور معرضه، كمعلم لبناني دائم رغم احتجابه لمرة نادرة نتيجة ظروف أمنية ضاغطة. معارض الكتب صناعة، ولها صانعون أيضاً. جهود النادي الثقافي العربي جعلت من المعرض، معرضاً أول في العالم العربي، يهتم بالكتاب ويُراعي كل ما يحتاجه لكي يبدو في أفضل حلة له أمام عشاقه ومريديه.
خمسة وخمسون عاماً من عمر المعرض. خمسة وخمسون هذا رقم مدوّر يستدعي مأثوراً شعبياً يدرأ العين. هذا معرض يقترب من أن يكون بعمر استقلال لبنان، ومعرض رافق التطورات في لبنان، المبهجة منها والمؤسفة، حتى أنه لم ينقطع عن الانعقاد إلا في دورة واحدة، حين طاف اللبنانيون على اللبنانيين، وحين انجر البلد إلى واحدة من الاصطفافات الشنيعة في تاريخه. مرّة واحدة لم ينقطع، ويتساءل البعض لماذا سقطت دورة من دورات المعرض في أيام السلم في لبنان في حين لم تسقط دورة واحدة في أيام حربه. ذلك أن المعرض استمرّ على مدى أربعة وخمسين عاماً في ذروة دورات الحرب الأهلية.
رقم صعب
من نسي ذلك المكان الحميم في وزارة السياحة، حيث حضن معرض الكتاب العربي الناس، كما لو يحميهم بأغلفته الضخمة من القصف العشوائي والقصف المركّز. مع حلول معرض الكتاب العربي كنت تجد الناس تصبر على الحرب وتُليّن عريكة وقتها الصعب، وكان شارع الحمراء يزهو بالمعرض المنعقد فيه، ويتلقى تساقط القذائف المنهمرة، بكِبر وتعالٍ وتسامح. شوهدت المعجزة اللبنانية متمثلة بعاشق للكتب، يحمل زاده منها وقد اشتراها من المعرض، ويعود إلى بيته في سير متعرّج يحاذر تساقط القذائف هنا وهناك، حتى يصل ويفردها على رفوف مكتبته، يفرد الأفكار الكثيرة التي اقترحتها كتب معرض الكتاب العربي، ذلك ان المعرض ليس سوقاً فقط يباع فيه الكتاب بالجملة والمفرّق، بل هو روح وإبداع ومنه طلعت المؤلفات المعنية بالدين والأيديولوجيا والفلسفة والأدب، ومنه الابتكارات والتساؤلات والهواجس والأسماء والأغلفة والعناوين والصناديق، ومنه خصوصاً رائحة الورق الزكيّة، رائحة الحبر والتخزين، الرائحة التي تعدك بموسم دسم من القراءة في محاولتها شحن الروح التي شارفت على الهلاك من القلق والحرب واللعنة اللبنانية. معرض امتد على مساحة زمنية أتمّت نضجها في الخامسة والخمسين، سوى أنها بقيت ريّانة، لم تفترسها شيخوخة السنوات. معرض كما لو منظار أو إطلالة على العالم سواء في الكتب أم في مساحات اللقاء التي يتيحها بين روّاده من محبي الكتب، ومن محبي التلصص عليها فحسب، ومن محبي رائحته وقضاء بعض الوقت في التنقل بين أجنحته والاضطلاع على عناوين كتبه أو التلكؤ في مقهاه علّ صدفة تسوق صديقاً أو صديقة.
صحيح ان المعرض حتى في عزّ تحديه نفسه، ظل يراوح حول فاعلياته المعروفة، وهي فاعليات تقليدية إلى حد، وتراوح ما بين ندوة ومؤتمر وجلسة نقاش وتكريم وحفل فني ونشاط طلابي.. الخ، غير أنه مع ذلك معرض منذور لصبر اللبنانيين على لقائه، وصبر العرب على انتظاره، فهو ما زال رقماً صعباً في معادلة المعارض، العربية والعالمية.
السيد سميح البابا، مدير النادي الثقافي العربي، حاضن المعرض وأنشطته، يرى في سؤالنا عن ترددات الربيع الحاصل في بعض العالم العربي، على معرضنا، وهل هي ترددات سلبية أو إيجابية في تأثيراتها المباشرة، أن التفاؤل هي سمة شخصية بالنسبة للبابا. لم يساوره يوماً التشاؤم في حصول المعرض وحلوله حتى في أحلك الظروف. التجارب ـ قال البابا ـ تجاربنا اللبنانية على وجه الدقة، أثبتت أن المعرض نبتت جذوره في الأرض قوية وراسخة، وهو بدوره صار مطلباً شعبياً يسعى إليه اللبناني على انتماءاته كافة، وهو ضرورة لازمة بعد 55 سنة من التعاقب في دوراته: «أنا مسؤول عن هذا المعرض رغم النكبات الأليمة التي تحلّ في هذا البلد، وهو في أصعب الأوقات وأشدها حلكة، لم يتوقف هذا المعرض في أي من دوراته. يشعر سميح البابا بأنه لغاية الآن لا تأثير سلبياً على معرضنا من الذي يحصل في بعض البلاد العربية. والبابا رغم مكانة المعرض، يطمح إلى هدف جعل مساحته أكبر مما هي عليه حالياً في الـ«بيال»، ويسعى مع إدارته إلى البحث عن مكان له أكثر مواءمة وشساعة لكي يغدو «عالمياً ودولياً بحق وحقيق» ولكي يتناسب حجماً مع مكانته بكل معنى الكلمة. يظن البابا، بأننا لن نصل إلى ما وصلت إليه البلاد العربية من حراك ثوري يُرخي بسلبياته على نشاط معرضنا، وهو يرى أن لو أمراً من هذا حصل، فإنه لن يتراجع عن إقامة معرض الكتاب العربي الدولي في موعده.
ولكن لا بد من انعكاسات ما أثرت سلباً على أنشطة المعرض مع غياب بعض الدول المشغولة بثوراتها ـ سألناه ـ: لغاية الآن ما من غياب لمشاركات الدول العربية حتى تلك التي تجري الثورات في ميادينها. الدور، دور النشر التي كانت تشارك سابقاً، ما زالت هذه السنة على مشاركاتها بما فيها مصر وسوريا واليمن وليبيا والجزائر والمغرب العربي ودول الخليج كافة وإن كان من خلال «توكيلات» من بعض الدور في البلاد المشتعلة أمنياً.
فادي تميم (رئيس النادي الثقافي العربي) في رؤيته إلى إقامة المعرض في الظروف العربية الراهنة، رأى أنها رؤية تطمح الى الاستمرارية، والإصرار على إجراء فعاليات معرض الكتاب العربي الدولي في لبنان في موعده في كل سنة وبشكل مستمر من كونه عميداً للمعارض العربية والمؤسس الأول للمعارض كافة التي أقيمت في العالم العربي في عملية محاكاة له ورغبة بالتشبه به. تميم يعتبر المعرض مساحة ضرورية للحوار والتلاقي بين الناس، ولديه فكرة خاصة في شأن المعرض تتلخص بأنه البديل عن تقاتل العالم أو اللبنانيين في الشوارع والوجه المضيء لحضارة هذا الشعب، وفرصة للتحاور والتوافق والنقاش البنّاء.
هل واكبتم في البرمجة، ما يمكن ان يكون رداً على ما يجري في العالم الآن من ثورات وربيع وسوى ذلك! السؤال الذي أجاب عنه تميم بأن المعرض بشكل عام ملتقى لمختلف التيارات الثقافية والسياسية. بالنسبة لهذه السنة، ونظراً للظروف السياسية والأمنية المشتعلة في أغلب البلدان العربية، حاولنا في برمجتنا، مواكبة التطورات الحاصلة هنا وهناك في هذا المحيط العربي، ورفدنا برنامجنا الثقافي بالأمور التي استجدّت بلبنان وبالعالم العربي والتي حدثت خلال هذه السنة. اللافت في دورة هذا المعرض في عامه الخامس والخمسين، وبسبب عدم وجود معارض في مصر وتونس وليبيا واليمن وسواها من البلدان دُهشنا من الطلب المتزايد للمشاركة في المعرض، والطلب هذا جاء من عديد من الدول ومن المؤسسات الرسمية ودور النشر اللبنانية والعربية والإصرار على المشاركة بشكل فاق القدرة على استيعاب هذا الطلب، بسبب من المساحة المحددة بـ«البيال». الطلبات للمشاركة من الدور العربية ارتفعت ما يقارب السبعين بالمئة، و«هيدي ما كانت تصير بالعادة» وهذا الرقم كان أعلى من توقعاتنا. أيضاً دور النشر التي لم تكن تشارك في دورات للمعرض من قبل، لمسنا هذه السنة لهفتها إلى المشاركة. وذلك باقتطاع مساحة من مساحات دور النشر (أي إعطائهم مساحة أصغر) لفتح المجال للدور الراغبة بالمشاركة في المعرض، وإن بمساحة ضيقة ورمزية. جديدنا لهذه السنة هو نشاط لم يسبق لنا أن أقمناه قبلاً، وهو معرض للفن التشكيلي، نقيمه بالتعاون مع الفنانين اللبنانيين للرسم والنحت، وسيشارك معنا بعض الفنانين التشكيليين العرب، وسيكون المجال مفتوحاً لهم في هذا المجال. هناك ايضاً بعض التكريمات التي تستحق أن ندرجها في أنشطتنا، مثل تكريم للجنة مهرجانات بعلبك، وحفل آخر يتم فيه تكريم الفنان الراحل فيلمون وهبه، بالإضافة إلى حفل فني يقيمه الفنان مصطفى سعيد.
تميم يُضيف بأنهم في إدارة النادي الثقافي العربي لحظوا الأحداث التي تجري في العالم العربي، فأدرجوا ندوة تتمحور عن كيفية إلغاء الطائفية السياسية في لبنان، وندوة أخرى تتناول بالنقاش، الربيع العربي القائم في المحيط اللبناني والبلاد العربية. كما أكد تميم على أن النقطة المركزية في نشاطاتهم السنوية، هي القضية الفلسطينية التي هي قضية محورية، لذلك خصصت إدارة النادي جناحاً خاصاً لوزارة الثقافة الفلسطينية، وأرفقت هذا بندوة تحت عنوان: القدس إلى أين؟
عن إمكانية تعاون النادي مع وزارة الثقافة اللبنانية، وعمّا إذا كان ثمة من دعم مالي من الوزارة، نفى تميم هذا الأمر، وقال بأن مصادر الدعم المالي معدومة، وقد حاولنا مع وزارة الثقافة اللبنانية، ولكن من دون جدوى، ولم نتلق جواباً.
تراجع القراء
سميح البابا يقول إن معرض بيروت للكتاب العربي الدولي هو من أهم التظاهرات الثقافية العربية السنوية، فلبنان مطبعة العرب، وهو دار النشر للكتب العربية لدوره الريادي في صناعة الكتب ونشرها، هذا يتزامن مع الأسف، مع التراجع في أعداد القراء بسبب الانترنت والمكتبات الالكترونية التي أثرت كثيراً على المكتبات او الكتاب الورقي. لذلك نبذل جهداً ـ يضيف البابا ـ لردم هذه الهوة بين القارئ وكتابه، بالعروض الزاهية للكتب، وبكون هذه الكتب في الحقيقة هي الزاد الوحيد للثقافة الجادة، وما زال للكتاب وقعه الخاص. إقامة معارض ومهرجانات للكتاب هي من المحفزات للإنسان، كي يتشجع على المطالعة والمعرفة وحب القراءة ومتابعة ما هو قديم أولاً وفي المجالات كافة وما هو جديد وبمجالاته كافة أيضاً، لذا المعارض ضرورية ومهمة، ولبنان من الدول المتحضرة التي تولي الكتاب أولوية.
في النهاية، السؤال المطروح دائماً على معارض الكتب عامة، وعلى معرضنا العربي بشكل أدعى، يتعلق بمعجزة الكتب التي تمخضت عنها، وعدد الإصدارات الجديدة التي رفدتنا بها دور النشر. لا التنظيم ولا الترتيب في أجنحتها، ولا الملامح الحضارية التي تسوقها، ولا إقبال القراء الجيد أو غير الجيد، هذه أمور تأتي بالدرجة الثانية وبالإمكان غض النظر عن بعض الهفوات التي تشوبها انتصاراً لفكرة جوهرية تتلخص في دأب المثقف العربي على الكتابة المؤثرة اللامعة، المتطلعة إلى نسق وأسلوب جديد في دنيا الأدب عربياً وعالمياً. مسؤولية الإبداع ملقاة على أكتاف المبدعين العرب، مسؤولية ضخمة لا شك فيها في بظل تعسف الأنظمة العربية وقسوتها وتحت ثقل وجور المقتلة اليومية المستمرة في أقطار عربية معروفة، وتفرعات هذه المقتلة وانعكاساتها أمنياً واقتصادياً واجتماعياً على حياة هذا الكائن المفرط الحساسية، والمُطالب بكتابات رائدة في ظل نظم غير طبيعية، ناهيك بالإرباك العالمي حيال مفهومي الخير والشر الأزليين، في ما يشبه تبدل أدوارهما تبدلاً يكاد يكون اقتلاعياً كاملاً. الفقر، الارهاب، القمع وسواها من الفجائع، لا أجدها شروطاً لازمة لكتابة أدب كبير. بالأحرى، لم تعد هذه الفجائع محفزات لكتابة أدب جيد، بل عامل مُشلٌّ يحول دون التمييز.. الأدب الحقيقي يهرب من هذه التأويلات، والكتاب الجيد بحد ذاته هو المعرض والحدث، وأشبه بزلزال إبداعي يجري تداوله والكلام عنه طويلاً وفي كل مكان. في مناسبة معرض الكتاب العربي الدولي او من دون مناسبته، المهم هنا صناعة الأدب الجيد، في مساهمة المبدع الى زحزحة الصخرة الثقيلة الرابضة على صدور الناس وصدور القراء منهم، لا سحقه بها من خلال رداءته، والتسبب في مزيد خواء عالمه، الخاوي أصلاً.
جريدة السفير

إضافة تعليق