أبناء الكُتاب ورثة نار الإبداع

من الطبيعي أن يرث الابن بعضاً من موهبة أبويه، لكن ذلك يظل في حدود المعقول لا يتخطاه ليصبح قاعدة، وستجد فيها ما يدهش ويثير، فكثير من المبدعين تفوق شهرتهم شهرة الأب، إنها علاقة متشابكة معقدة بين الأب المبدع وبين الأبناء، وقد انشغل العرب قديماً بهذه الظاهرة، وكثر وجود شاعر ابن شاعر، وخصص الجاحظ لذلك فصلاً في “المحاسن والأضداد”، وكان لزهير بن أبي سلمى ولدان شاعران هما بجير وكعب .
يحمل الواقع الأدبي اليوم دلائل على اتصال دائب لحركة الإبداع بين الأب أو الأم وبين الأبناء، ويبدو علم النفس متباين الآراء في مسألة وراثة الإبداع، حيث يذكر الدكتور محمد الربيعي أن هناك من يرى أن 80 90% من الذكاء يحدد وراثياً، وللتدليل على صحة هذه النظرية يستند أصحابها إلى نتائج الدراسات الكثيرة على التوائم المتشابهة، والتي نشأت في ظروف بيئية مختلفة، وبقيت بالرغم من ذلك متشابهة الذكاء .
وممن أنفق عمره في سبيل إحياء إبداع أبيه المستشار الراحل رابح لطفي جمعة، وكان أديباً شاعراً، وله عدد من الكتب، لكنه جعل اهتمامه الأول إعادة طبع ما كتبه والده محمد لطفي جمعة المحامي، وكتب عنه كتابين أولهما “محمد لطفي جمعة وهؤلاء الأعلام”، والثاني “لطفي جمعة بين المحاماة والقانون”، وقد أعاد طباعة جميع مؤلفاته وقام بتحقيق الكثير منها، وقد كشف عن جانب مهم لدى والده، حيث سبق الدكتور طه محمود طه في ترجمة رواية جيمس جويس “يوليسيس” .
وقريب منه ما فعلته نهى حقي ، التي أصدرت كتاباً بعنوان “رسائل يحيى حقي إلى ابنته”، جمعت فيه خطاباته التي كان يرسلها لها من باريس ومن القاهرة، حين تتباعد بينهما الأماكن، وتكشف الخطابات عن روح البساطة الحقيقية المميزة ليحيى حقي، وهي تقول عن أبيها: “علاقتي بوالدي كانت غريبة وغير طبيعية، لم أعش معه، ورغم هذا كانت له بصمة في حياتي” .
وعن فكرة وراثة الموهبة تقول: “كان والدي يصرخ حين يقرأ كتاباتي، لأن لغتي العربية لم تكن صحيحة ودقيقة مثله، ولم يمنعني ذلك من عشق الكتابة ، ولكن هل يمكن للإنسان أن يرث موهبة الكتابة من والده؟ أشك في ذلك فمهما كتبت لن أصبح أبدا يحيى حقي” .
أما بهاء جاهين فيقول: “انتابت أبي حالة من السعادة بسبب موهبتي الشعرية، بل كان يتفاخر بها وسط أصدقائه، وكانت العلاقة بينه وبين شعري قوية، وعندما كنت أكتب شعرا جديدا كانت تنتابه حالة من الفرحة، وعندما يقابل أصدقاءه الشعراء يعرضه عليهم” .
ويتذكر: “عندما كنت في سن العشرين حتى سن الثلاثين كنت أضم أعمالي في مجموعة شعرية وأطلعه عليها وأقول له: هل أقوم بنشرها؟ فيقول لي “من يقرأ شعرك الآن ينتابه إحساس بأنك لا تملك موقفا في الحياة، بمعنى أن شعرك في النهاية لا يقول شيئاً”، قدمت له ذلك أربع مرات تقريبا حتى قال لي: لقد حان الوقت للنشر، وللأسف الشديد ظهر الديوان وبعد ثلاثة أسابيع توفي أبي” .
أما الروائي علاء الأسواني، فقد ورث جزءاً من إبداع أبيه عباس الأسواني، وعن علاقته به يقول: “كنت وحيداً بلا أشقاء فزاد ذلك من ارتباطي بوالدي، ولم يكن المناخ في بيتنا تقليدياً وذلك بسبب ارتباط المكان بالثقافة والكتابة، وكان أصدقاء والدي الذين رأيتهم في طفولتي وعرفتهم على أنهم مجرد أصدقاء لأبي تبين في ما بعد عندما نضجت أنهم أسماء كبيرة . . عبد الرحمن الشرقاوي، وإحسان عبد القدوس، وزكريا الحجاوي، ومحمود السعدني، وسيد مكاوي، وصلاح حافظ، وحسن فؤاد، وأحمد دوغان .
وعن فكرة ميراث الأدب يقول: “الموهبة لا تورث، لكن كل شيء في عباس الأسواني أثّر فيّ، أذكر أنني عند عودتي من المدرسة وأنا طفل كانت أمي تنبه عليّ التزام الصمت، لأن أبي يكتب وكنت أرى أبي في حالة مغايرة لما أعرفه، تلك الصورة جعلتني أحس بقدسية الكتابة وطقوسها وكل هذه الظروف التي تبدأ بشخصيته ولا تنتهي عند مكتبته كان لها أكبر الأثر في تكويني” . واللافت أيضاً أن محمد ابن الكاتب محمد مستجاب قد نال كثيراً من “عطايا أبيه”، يقول: “إن من يعايش محمد مستجاب ولا يتأثر به إنسان غير موجود، فقد كان أبي ساخراً في جميع مواضع حياته، في جده ومزاحه، في طريقته في التعامل مع الأمور، ولقد أورثني كثيراً من سبل تعامله مع اللغة في الكتابة، لكنني حاولت أن أكتب ذاتي، وهو أمر كان يشجعني عليه بطريقته الساخرة ذاتها .
دار الخليج

إضافة تعليق