أبو أيوب الأنصاري مجاهد في الثمانين

لم تؤكد الروايات أنه استشهد في مواجهة حربية من بين عشرات المواجهات العسكرية التي خاضها ضد قوى الشرك والظلم بكل بسالة وبرغبة صادقة في نيل شرف الشهادة في سبيل الله، لكن كفاحه في ميادين القتال حتى تقدم به العمر، وتشريف الرسول صلى الله عليه وسلم له بالإقامة ضيفاً عليه في المدينة بعد هجرته إليها يضعانه في قوائم المجاهدين والشهداء الأبرار .
“ناقة مأمورة”
تروي كتب السيرة بإجماع أن أهل المدينة من الأوس والخزرج تسابقوا في استقبال النبي صلى الله عليه وسلم والحفاوة به والسعي لاستضافته . بل حاول البعض منهم قيادة ناقته إلى بيته . فقال لهم رسول الله صلى الله عليه وسلم: “دعوها فإنها مأمورة”، ومضت الناقة في طريقها حتى بركت عند بيت هذا الرجل من بني النجار أخوال النبي عليه أفضل الصلاة وأزكى السلام . ولم يكن ذلك غريبا، فأبو أيوب هو من أخوال النبي من ناحية . وهو من ناحية ثانية من السبعين رجلا الذين بايعوه بيعة العقبة الثانية على السمع والطاعة والنصرة والجهاد في سبيل الله .
إلى ذلك كان أبو أيوب من خيرة الذين استقبلوا مبعوثي النبي صلى الله عليه وسلم، وفي مقدمتهم مصعب بن عمير أول رسول أرسله النبي لدعوة أهل المدينة وتفقيههم في الدين . وهو الذي آخى النبي فيما بعد بينه وبين مصعب بن عمير لما بينهما من تشابه في الخلق والسلوك .
وحين نزل الرسول صلى الله عليه وسلم في بيت أبي أيوب وكان من طابقين عرض أبو أيوب على النبي صلى الله عليه وسلم أن ينزل في الطابق العلوي . ولكن النبي اختار الطابق الأول حتى يكون في متناول الزوار . وكان يحرص هو وأهله على أن يكونوا في مكان من المنزل لا يعتلي المكان الذي ينزل فيه النبي، وفي أحد الأيام سال ماء في حجرته فسارع وزوجته يجففانه بقطيفة لديهما . ثم أعاد عرضه على النبي الذي استجاب له مقدراً هذا الحب الدافق والإيثار الجميل .
في ميادين القتال
عاش أبو أيوب حياته غازياً، حتى قيل: إنه لم يتخلف عن غزوة غزاها المسلمون في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وبعد وفاته ظل جنديا في ساحات الجهاد، وكانت آخر غزواته حين جهز معاوية رضي الله عنه جيشاً بقيادة ابنه يزيد لفتح (القسطنطينية)، وكان أبو أيوب وقتها قد بلغ الثمانين من عمره، ولم يمنعه كبر سنه من أن يقاتل في سبيل الله، ولكن في الطريق مرض مرضاً أقعده عن مواصلة القتال، وكانت آخر وصاياه أن أمر الجنود بأن يقاتلوا، وأن يحملوه معهم، وأن يدفنوه عند أسوار (القسطنطينية) ولفظ أنفاسه الأخيرة، وهناك حفروا له قبراً وواروه فيه . وهناك روايات تؤكد أن أبا أيوب الأنصاري استشهد على أبواب القسطنطينية ودفن هناك .
“أذهبوا بجثماني بعيداً”
ومنذ هذا التشريف الذي ناله أبو أيوب الأنصاري من رسول الله صلى الله عليه وسلم وهب قلبه لله ولرسوله ولدينه ونذر حياته لنصرة هذا الدين . ومن ثم كانت حياته سلسلة متصلة من المشاركات في كل المشاهد: “وكان أبو أيوب سابقا إلى مواطن الهول . باحثا عن الشهادة . يطلبها ويسعى إليها . وتألقت خطواته وضرباته في غزوات بدر وأحد والخندق وجميع المشاهد الأخرى . وكان شعاره في كل ذلك قول الله عز وجل: “انْفِرُواْ خِفَافاً وَثِقَالاً وَجَاهِدُواْ بِأَمْوَالِكُمْ وَأَنفُسِكُمْ فِي سَبِيلِ اللّهِ ذَلِكُمْ خَيْرٌ لكُمْ إِن كُنتُمْ تَعْلَمُونَ” .
وكان في كل مرة يتلو فيها هذه الآية وما أكثر تلاوته لها يقول عن نفسه: لا أجدني إلا خفيفا أو ثقيلاً . أي لا بد لي من الجهاد على أي حال . مرة واحدة تخلف عن جيش جعل الخليفة أميره واحدا من شباب المسلمين لم يقتنع أبو أيوب بإمارته . مرة واحدة لا غير . ومع هذا فإن الندم على موقفه هذا ظل يزلزل نفسه ويقول: “ما عليّ من استعمل عليّ؟” ثم لم يفته بعد ذلك قتال .
ظل أبو أيوب يلازم النبي صلى الله عليه وسلم ملازمة الخادم لمخدومه، والجندي لقائده . وبعد أن لحق النبي بالرفيق الأعلى ظل أبو أيوب على عهده ذلك مع الخلفاء الراشدين أبي بكر وعمر وعثمان وعلي رضي الله عنهم يجاهد في سبيل الله حق جهاده . وحين وقعت الفتنة بين علي ومعاوية . وقف مع علي بلا تردد .ولما استشهد علي كرم الله وجهه وانتهت الخلافة إلى معاوية “وقف أبو أيوب بنفسه الزاهدة الصامدة التقية لا يرجو من الدنيا سوى أن يظل له مكان بين صفوف المجاهدين” .
واقترب أبو أيوب من تحقيق حلم الشهادة . فقد أصيب إصابة جسيمة . وكان في طريقه لأن يسلم الروح حين عاده يزيد بن معاوية قائد جيش المسلمين وسأله: ما حاجتك أبا أيوب، ولم تكن حاجة أبي أيوب حاجة شخصية ولا مطلبا فرديا . ولم يطلب علاجاً . ولم يرغب في أن يرى أحدا من أحبائه أو أن يعود إلى دياره، حيث يتوافر له العلاج والراحة . بل كان مطلبه يمثل أكبر حافز للمجاهدين . “لقد طلب من يزيد إذا هو مات أن يحمل جثمانه فوق فرسه ويمضي به أطول مسافة ممكنة في أرض (الروم) وهنالك يدفنه ثم يزحف بجيشه على طول هذا الطريق حتى يسمع وقع حوافر خيل المسلمين فوق قبره . فيدرك آنئذ أنهم قد أدركوا ما يبتغون من نصر وفوز” .
وقد أنجز يزيد وصية أو طلب أبي أيوب، فحمله إلى حيث استطاع، وفي القسطنطينية وهي اليوم اسطنبول ووري جثمان رجل عظيم، وحتى قبل أن يغمر الإسلام تلك البقاع كان أهل القسطنطينية من الروم ينظرون إلى أبي أيوب في قبره نظرتهم إلى قديس، وإنك لتعجب إذ ترى جميع المؤرخين الذين يسجلون تلك الوقائع يقولون: “وكان الروم يتعاهدون قبره ويزورونه ويستسقون به إذا قحطوا” .
إن كلمات أبي أيوب الأنصاري: “اذهبوا بجثماني بعيداً بعيداً في أرض الروم، ثم ادفنوني هناك”، بكل ما عبرت عنه من حب لله ولرسوله ولدينه وما أفصحت عنه من رغبة في الجهاد وشوق للنصر وتوق للشهادة كانت بمنزلة الشهادة في سبيل الله .
رحم الله أبا أيوب وجزاه خير الجزاء عما قدم للإسلام .

إضافة تعليق