أحمد بهجت رسام الكلمات وصانع البهجة

يعد الكاتب المصري أحمد بهجت (1932-2011) أحد الكتّاب الأكثر أهمية، محلياً وعربياً، وذلك لأهمية خطابه، ودوره، كأديب بل وكإعلامي بارز، انخرط في مجال الكتابة في الصحافة، فقد ترأس تحرير مجلة الإذاعة والتلفزيون في عام ،1979 وعمل صحفياً في مجلة “أخبار اليوم” عام ،1955 ثم مجلة “صباح الخير” التابعة لمؤسسة روز اليوسف، ومن ثم انتقل للعمل في جريدة “الأهرام” عام ،1958 حيث ظل يكتب عموده الصحفي “صندوق الدنيا” إلى أن توقف قلبه مؤخراً عن النبض .

إذا كان بهجت قد درس الحقوق، وتخرج في هذا القسم، فإن ثقافته كانت متنوعة، شاملة، حيث يعد كأديب مرموق، معروف بلغته السلسة، والعذبة، وعبارته الرشيقة، ذات الخصوصية، ناهيك عن كتابته للإذاعة، والسينما، إضافة إلى اللغة البحثية الرصينة التي عرف باستخدامها، في مؤلفاته، ذات الطابع الديني .

وأحمد بهجت الذي كتب في مجالات أدبية ودينية عدة، متزوج الناقدة المصرية المعروفة سناء فتح الله، كما أن ولديه محمد وخالد، أولهما شاعر وكاتب، والثاني مخرج سينمائي، وهذا ما يجعلنا ندرك أن أسرته الخاصة، كانت أسرة ثقافية، بل إبداعية، بل وفي ذلك ما يدل على أن الاهتمام المعرفي الثقافي لديه، لم يكن عرضياً، بل هو أصيل، وهي نقطة مضيئة، قلما تتوافر في أسر المبدعين . قدم للمكتبة المصرية، والعربية، عشرات الكتب المهمة، التي يعد بعضها مرجعاً مهماً في مجالها، ومن بينها: “أنبياء الله”، “مذكرات صائم”، “الطريق إلى الله”، “بحار الحب عند الصوفية”، “قصص الحيوان في القرآن”، وكتب سيناريو فيلم “أيام السادات” بطولة الفنان الراحل أحمد زكي، كما أنه كان يكتب لبرنامج “كلمتين وبس” الذي كان يقدمه الفنان الراحل فؤاد المهندس إذاعياً .

ومن يدخل في عوالم الكاتب والصحفي بهجت، يجد أنه كان قريباً من متلقيه، فهو عبر حضوره الإعلامي، المقروء والمسموع، بل ولجوئه إلى عالم الكتابة، في المجال المرئي، إضافة إلى اهتمامه بالخطاب الديني، فإن كل هذا يدل على أن متلقيه هاجسه الأول، ولهذا - بالتأكيد - دلالات واسعة على طبيعته وروحه .

رغم أن بهجت كان إعلامياً، ذا حضور واضح، وأنه مارس الكتابة، في مجال الفكر، والدين، إلا أن ذلك كله، لم يمنعه، من الكتابة للطفل، ولعل في هذا ما يدل على أن الكاتب الراحل، يدري حساسية، وأهمية دور الطفل، وكان معنياً ببناء الإنسان في بلده، من خلال الاهتمام به معرفياً، لما للجانب المعرفي الصحيح من أهمية في حياة الإنسان عامة، ومن هنا، فإن كتاباته في هذا المجال، كانت تتمتع بالبساطة، وغنى المضامين، وهي تنم عن أننا حقاً أمام كاتب “شامل” لأن الكتابة للطفل، إلى جانب الكتابة في مجالات أخرى، شهادة على أهمية خطاب هذا الكاتب، وما كتابه “حوار بين طفل ساذج وقط مثقف” إلا أحد الكتب الأكثر أهمية من بين إبداعاته .

كانت للكاتب بهجت خصوصية، في ما يكتبه - صحفياً - على نحو مميز، إذ إنه قد اختط لنفسه طريقاً خاصاً، إلى روح قارئه، من خلال اعتماده على عنصر السخرية، لذلك فإنه أسس لتوسيع دائرة قرائه، ممن كانوا يترقبون عموده اليومي، هذا العمود الذي كان نتاج عمق تجربة، وخبرة، وفهم عميق، لطبيعة إنسانه، ومجتمعه، فكان يضع اصبعه، على جراحات إنسانه، عامة، من خلال معرفة أسئلته الأكثر إلحاحاً، سواء أكانت تتعلق بما هو يومي، أو استراتيجي، في آن واحد معاً .

انطلاقاً من هنا، فإن مقدرة بهجت، على تجسير العلاقة مع متلقيه، لم تكن اعتباطية، بل إن ذلك جاء نتيجة فهمه لماهية إنسانه، بشكل عام، إضافة إلى توافر الموهبة الأصيلة فيه، الأمر الذي جعله يكتسب ثقة قرائه، على نحو استثنائي، كأحد الكتّاب الأكثر تميزاً على الإطلاق .

إن إطلاق صفة “صانع البهجة” على الأديب والصحافي أحمد بهجت، جاء، نتيجة لمقدرته الكبيرة، على الرسم الكاريكاتيري، عبر الكلمة، في ما إذا أراد، ناهيك عن أنه كان يفتح نافذة الأمل مشرعة، من دون أن يغلقها البتة، وهذه خصلة لافتة، سواء أكان في خطاب الراحل الكبير بهجت، أو حتى في حياته .

وتأكيداً لأهمية ومكانة الكاتب والصحفي بهجت، فقد قال إبراهيم المعلم رئيس إدارة “دار الشروق للنشر” أثناء تشييع الكاتب الراحل، إن الكاتب قد أثرى المكتبة العربية، بإبداعاته وكتبه في الكتابة الدينية والأدب، وكذلك في مجال كتب الأطفال، مشيراً إلى أن أعماله “ستبقى أعمالاً إبداعية مميزة”، معلناً أن الدار ستقوم بنشر كتاب تذكاري لتأبين الراحل، وهي لفتة مهمة، من هذه الدار، وإنه لمن الضروري أن يتم تكريمه، ولو بعد رحيله، وفاء لمسيرته الإبداعية عبر عقود .

المصدر:دار الخليج

إضافة تعليق

3 + 4 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.