أحوال الكتّاب

في السيرة الذاتية للروائي الأمريكي جاك لندن (1876 - 1916)، يرد أنه كان فقيراً وعصامياً ودرس على نفسه في كاليفورنيا، وعند ظهور مجموعته القصصية الأولى “ابن الذئب” في عام 1900 انتقل إلى سلم المجد والشهرة، سيما حين أصدر مجموعة قصصية أخرى هي “نداء الذئب” ،1903 وأتبعها بثالثة هي “ذئب البحر” ،1904 فأصبح أعلى الكتّاب أجراً في عصره .غير أن من يتتبع سيرة جاك لندن يصاب بالإحباط، وهو يستعرض مآل هذه النجاحات التي لم تترجم إلى واقع يلبي تلك القناعات الراسخة لديه، ومنها أنه كان شفافاً وصادقاً في سرد تجربته التي تتحدث عن اليأس رغم الغنى والشهرة، فأصبح يعيش حالة فصامية أدت به في ما بعد إلى الانتحار برمي نفسه في البحر .
جهد جاك لندن كثيراً في الكتابة عن الضغوظ الداخلية للحلم الأمريكي في القرن التاسع عشر، كما في روايته “مارتن إيدن” التي اعتبرت نوعاً من السيرة الذاتية، صورت حاله من الفقر المدقع إلى الثروة والشهرة، وكيف أنه حين تسنى له ذلك يكتشف أن المرأة التي أحبها لا تهتم سوى بماله وشهرته، فيقع ضحية هذه المفارقة الصادمة التي تصيبه باليأس وفقدان الأمل، ومن ثم الانتحار .
وحال جاك لندن يشبه حال فئة ليست قليلة من المثقفين الذين لم يندفعوا نحو إشباع نهمهم، بل لم تغوهم القيم المادية للأغنياء، بل رفضوا هذه القيم وحاربوها .
هل كان جاك لندن ريلكوياً نسبة إلى ريلكة الذي قال “هذا النوع من الفوضى الخاص بنا، يجب أن ينعكس في أعمالنا” أم لعله نصح قلمه ألا يخون ضميره، كما ورد في العبارة المنسوبة لغائب طعمة فرمان “نصحت قلمي ألا يخون ضميري” .
في روايته “ ذئب البحر” التي نقلت إلى السينما، كما هو حال أعماله الكثيرة التي قدرت بنحو 42 عملاً، كتب جاك لندن ما يؤمن به من أعمال روائية وقصصية، صور فيها تلك المتناقضات التي برزت بحدة في المجتمع الأمريكي، كما حققت كتبه في حينه أعلى إيرادات بيع في سوق الكتاب، ومع ذلك فقد اتُهم لندن من نقاد كثيرين بأنه كان “مخرباً ومعادياً للديمقراطية الأمريكية”، وقد منعت كتبه من التداول، كما تم شطبها من المكتبات العامة .
ورد عن الرئيس الأمريكي الراحل روزفلت أنه كتب عن جاك لندن يقول “إن جاك لندن ليس فقط يجهل أي معلومات عن الذئاب، بل إنه غافل حتى عن كلاب أمريكا” . ومع ذلك فلايزال لندن يذكر بوصفه أحد كتّاب أمريكا الكبار، وهو الذي عاش حياة مضطربة عانى فيها من الاستلاب الطبقي، كونه غادر الطبقة العاملة، ولكنه لم يستطع أن ينسجم مع تلك القيم المادية التي أشرنا إليها آنفاً .
الثورة

إضافة تعليق