أدب الخلاف وأثره في وحدة الأمة

إن الناظر في حياة الأمم والشعوب والمجتمعات يدرك أن الاختلاف حقيقة قائمة في لغاتها وعاداتها وتقاليدها وفي أشكالها وألوانها، وهذا الاختلاف هنا بمعنى المغاير الشامل للأفراد أيضاً حيث إن لكل فرد وجوداً خاصاً به يمتاز به عن غيره، وهذه الوجودات المتعددة هي التي يعبر عنها في اللغة بـ(أنا وأنت وهو وهي وهم وهن) وغير ذلك من الألفاظ التي وضعت في اللغة للدلالة على هذه الوجودات المتعددة والتي يختلف بعضها عن البعض الآخر.
والاختلاف سنة من سنن الخلق والتكوين فهو بمعنى الاختلاف عن الآخر وهو لا يعني بالضرورة الخلاف مع الآخر، فقد تجتمع الأفراد والجماعات على قواسم مشتركة وعلى قواعد عامة في قضايا الفكر والسلوك والنظام العام رغم وجود الاختلافات الكثيرة بينهم في عالم الآراء والأفكار والإرادات والمعتقدات حيث لا وجود للاستنساخ في عالم العقل الإنساني وما ينتج عن إعماله في حقول العلم والمعرفة.

وفي القرآن الكريم أيضاً إشارة جلية إلى حقيقة الاختلاف الفكري بين بني البشر كما جاء في قوله تعالى: (ولو شاء ربك لآمن من في الأرض كلهم جميعاً أفأنت تكره الناس حتى يكونوا مؤمنين)، وقوله تعالى: (ولو شاء ربك لجعل الناس أمة واحدة ولا يزالون مختلفين، إلا مَن رحِم ربك ولذلك خلقهم..). كما يظهر أن الاختلاف لا يعني التصادم بين المختلفين في آرائهم وأفكارهم كما نرى ذلك في الثروة الفقهية التي تكاثرت من خلال اختلاف الآراء والاجتهادات، وهو ما نراه في مختلف مجالات الفكر الإنساني.

وقد يؤدي الاختلاف في الآراء والأفكار إلى حصول الخلاف والنـزاع بين ذوي الآراء المختلفة والأفكار المتعددة عندما يحاول كل ذي رأي أن يثبت صحة رأيه ومعتقده وأن يبطل الرأي الآخر، وهنا تظهر الحاجة إلى القوانين التي تحكم هذا الخلاف. وقد أدرك علماء المنطق المسلمون وغيرهم من العلماء الناظرين في إصلاح المجتمع والأمة أنه لابد من بقاء الخلاف في الإطار الفكري بين المختلفين، وبذلك تتراكم المعارف وتزداد مسائل العلوم وتتقدم المجتمعات، وقد جعلوا من آداب المناظرة والخلاف أموراً عديدة نذكر أهمها:

منها: مرجعية القرآن الكريم والسنة النبوية الشريفة، فإذا كان الخلاف في المسائل الدينية العقائدية والفقهية فلابد من الرجوع إليهما باعتبار أن القرآن الكريم والسنة النبوية من المصادر الأساسية للآراء في العقائد الدينية والأحكام الشرعية كان لابد من العودة إليهما عند وقوع الخلاف.

ويمكن الاستفادة أيضاً من الكتاب والسنة في طريقة الحوار والاختلاف مع الآخر التي لا تنطلق من الزعم بامتلاك الحقيقة المطلقة، وأن الطرف الآخر هو الباطل المطلق كما جاء في قوله تعالى: (قل هاتوا برهانكم)، فهو لم يقل لهم باطل ما تزعمون ولكنه طالبهم بالبرهان، ولذلك كانت سيرة السلف الصالح من العلماء عند الوصول إلى رأي أو عند الإجابة على استفتاء يقولون في نهاية الاستفتاء وإبداء الرأي كلمة (والله أعلم) وهذا هو المنقول عن الإمام مالك وغيره من الأئمة الذين كانوا يقولون: «رأينا صواب يحتمل الخطأ ورأي غيرنا خطأ يحتمل الصواب»، فالحقيقة التشريعية قد تتعدد وقد لا نكون في جانب مدعيها وإنما هو قد بذل قصارى جهده في الوصول إليها، ولذلك قد اتفقت كلمة علماء الإسلام على عدم جواز تكفير المسلم بذنب فكيف إذا كان رأياً اجتهادياً يحتمل الصواب؟!. وهو معذور فيه على كل حال بل هو مأجور مرتين إن أصاب ومرة إن أخطأ كما ورد في بعض الروايات. ومنها: اجتناب السباب والشتم واللعن والسخرية بالطرف الآخر ومعتقداته لأن هذا الأسلوب يؤدي إلى تأجيج نار العداوة واستحكام الخلاف ويوقظ مشاعر الحقد والشحناء ويفسد مساعي التقارب ويذهب بالفائدة المتوخاة من المجادلة الفكرية الهادفة للوصول إلى الحقيقة. ومنها: التواضع في الخطاب وتجنب عبارات الكبرياء والتعاظم والابتعاد عن الكلمات النابية والقبيحة.

وقد كانت معظم هذه الوصايا موجودة في المدارس الفقهية والكلامية في المدينة المنورة والكوفة وبغداد والبصرة وسائر الحواضر العلمية في العالم الإسلامي، وكانت جزءاً من المنهج العلمي المعتمد عند الأئمة والدارسين. ويحدثنا التاريخ الإسلامي عن المناظرات الفقهية التي كانت تدور بين الإمام الصادق والإمام أبي حنيفة وسفيان الثوري والحسن البصري، وبعض الحوارات كانت تجري مع الزنادقة دون حرج كما جرى بين ابن أبي العوجاء والإمام الصادق ومع الزنديق الذي جاء من مصر إلى المدينة ولم يجده فقيل ذهب إلى مكة فتبعه الزنديق إلى مكة وسأله مسائل عديدة في العقيدة دون أن يخاف الزنديق من الإمام ومن الجماعات المتطرفة أن تقطع عليه الطريق لأن السلطة السياسية تحفظ الحريات الفكرية والدينية وتحميها وليس لأحد أن يقوم مقامها في محاكمة العقائد والأفكار والأشخاص لأن ذلك اختصاص السلطات القضائية المسؤولة عن النظر في هذه المسائل التي ترفع إليها، فالأئمة والعلماء كان دورهم تعليم الأمة لأحكام الشريعة ونشرها والدفاع الفكري عنها وأما تطبيق الأحكام على الموضوعات وتنفيذها على الأشخاص فهو متروك للسلطات التنفيذية من باب لزوم نظم الأمر والحفاظ على النظام العام الذي تحفظ به الحقوق، ولم يكن من حق أي جماعة دينية أن ترمي غيرها بالكفر أو أن تقيم عليه حداً شرعياً متجاوزة دور السلطة القائمة، وهذا هو الخطأ بل الخطيئة الكبرى التي وقعت فيها جملة من الحركات الدينية المعاصرة التي تحكم على غيرها بالكفر والارتداد، وتعمل على تطبيق الأحكام وتنفيذها بدعوى حاكميتها وتنفيذها لأحكام الله، متجاوزة بذلك دور السلطة الناظمة للأمر والتي لابد منها في قيام المجتمعات والدول والأوطان.

ولعل من أهم الأسباب لولادة هذه الظاهرة الخطيرة والجديدة في مجتمعاتنا الإسلامية هو تحول تلك الحركات عن النهج الذي درج عليه السلف الصالح من الأئمة والعلماء في اعتماد نهج الدعوة والإرشاد والتعليم لأحكام الشريعة إلى نهج آخر يتم من خلاله استخدام العمل الديني في مشاريع الوصول إلى السلطة والبحث عنها بكل ثمن، ولذلك نرى وقوع الصراعات والنـزاعات الدموية بين حركات إسلامية في الكثير من بلدان العالم العربي والإسلامي، بين دعاة يفترض أن يدعوا إلى سبيل ربهم بالحكمة والموعظة الحسنة وقد تحولوا إلى طلاب سلطة بالوسائل غير المشروعة وقد نصبوا أنفسهم قضاة للشريعة دون تنصيب لهم من أحد وأقاموا محاكم التفتيش عن عقائد الناس وأفكارهم يصدرون الأحكام في خصوصهم دون محاكمة وفي ذلك الإخلال بنظام المجتمع وتعريضه لأفدح الخسائر والأخطار التي تنذر بالسقوط والانهيار، وهم بطريقتهم هذه لم يخرجوا عن أدب الخلاف فحسب بل خرجوا بسبب تطرفهم عن قواعد النظام العام وأحدثوا الفرقة والبغضاء داخل المجتمع الواحد والدين الواحد والأمة الواحدة.

ومن الاقتراحات لتفعيل التقارب:

أ- التأكيد على مرجعية كتاب الله وسنة رسول الله الجامعة، فإن الرجوع إلى الله هو الأخذ بكتابه والرجوع إلى الرسول صلى الله عليه وسلم هو بالأخذ بسنته الجامعة الموافقة لكتاب الله، وقد أكدت هذا المعنى الكثير من الأحاديث منها قوله عليه السلام: «إذا التبست عليكم الفتن كغياهب الليل المدلهم فعليكم بالقرآن».

ب- العمل على تغيير وتعديل مناهج التدريس في المعاهد والحوزات الدينية، وفتح أبوابها لاستقبال طلاب العلوم الدينية من مختلف المذاهب، والتأكيد على أن الدين الذي يجمعنا هو الإسلام وأن المذاهب هي آراء وأفكار واجتهادات مشروعة، وأن الاختلاف فيها لا يعني اختلافاً في الدين وخروجاً منه.

ج- إنشاء جامعة علمية للتقريب بين المذاهب ينتشر طلابها وعلماؤها في العالم الإسلامي للتبليغ الديني ويكون مقرها في مكة المكرمة أو المدينة المنورة.

د- إنشاء محطة فضائية باسم الاعتدال الديني لبث البرامج الدينية التي تسهم في ثقافة الاعتدال والوسطية ونبذ الفرقة والتعصب.

هـ- إنشاء هيئة مشتركة في مكة المكرمة لتحديد المناسبات الدينية في العالم الإسلامي وتوحيدها لمناسبات الحج والأعياد.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.