أزمة المهرجانات العربية: ضائقة ثقافية أم تبييض إبداعي؟

ينعقد بين الفينة والأخرى خلال العام الواحد عدد من المهرجانات الشعرية والمؤتمرات الروائية والندوات الفكرية والملتقيات الأكاديمية والحلقات النقاشية في بلدان عربية عدة. وقد يشهد البلد العربي الواحد أكثر من مهرجان ومؤتمر. وهذا أمر حسن جداً سواء أكان الانعقاد مبنياً على التنوع في التخصصات أم لا، إذ لا ضير مثلا أن يكون في التخصص نفسه أكثر من مهرجان ومؤتمر كأن يكون للشعر أكثر من مهرجان بين الواحد والآخر شهر أو أكثر، ويكون للرواية خمسة مؤتمرات لا يفصل بعضها عن بعض أكثر من شهر، بشرط أن يكون المتحصل من وراء ذلك نوعياً وعلمياً.

وهو ما يؤشر بالعموم على حركة ثقافية فيها بوادر نهوض إبداعي يسعى إلى التغيير وينشد الأفضل والأحسن، مرتقياً بما هو كائن إلى ما ينبغي أن يكون.

والدلائل التي بها نستطيع التأشير على هذا السعي وذاك النشدان تحددها طبيعة تشكيل اللجان التحضيرية والمجالس المشرفة على تنظيم تلك المهرجانات، ومدى طول باعها في هذا المجال وقدرتها في تخصصها؛ فضلا عن الإمكانيات المتاحة لها، وجودة احتشادها الإداري والمالي، وبما يسهم في تنفيذ البرامج المعدة والمخطط لها سابقاً بكل دقة وإتقان. كل هذا مع ضرورة الإعلان بوقت مناسب عن هذه المهرجانات تعريفاً بمحاورها ولجانها والأهداف المتوخى بلوغها، ليكون أمر انعقادها مشاعاً في الوسط الثقافي العربي لاسيما حين يكون الإشهار قبل شهرين في الأقل أو ستة أشهر في الأكثر وبما يسمح للباحث والمثقف الذي يجد في نفسه الكفاءة ويعرف أنه قادر على الإضافة والاستزادة أن يشارك في هذه المهرجانات والمؤتمرات، منجزاً ورقة بحثية مناسبة وغنية غير مهلهلة ولا فضفاضة.

ولا شك أن الإشهار عن الانعقاد بوقت ملائم سيخلص مشهدنا الثقافي العربي من نخبوية المركز ويتيح للوجوه الجديدة التي هي في الهامش أن تتطلع إلى المركز، إن كان لها فعلاً ما يؤهلها ثقافياً ومعرفياً للخوض في محاور هذه المهرجانات وموضوعاتها نقدا وشعرا وسردا وثقافة وفكرا وترجمة.

ناهيك عن أن الإشهار سواء أكان في القنوات الرسمية الخاصة أم في القنوات العامة المرئية والمسموعة والمقروءة أو بجميعها، هو توكيد لجدة هذه المهرجانات وأنها هيأت الأرضية وأعدت العدة وبما يناسب المقتضيات المعرفية والأطر الفكرية والثقافية التي يراد بحثها ودراستها. وبالشكل الذي يجعلنا واثقين من كفاءة اللجان وقدرتها على إجادة الإعداد والتهيئة حتى وإن ساعدها في ذلك مشرفون إداريون، لأن المهم هو أن يكون الإعداد للفعالية الثقافية مناسبا شكلا ومضمونا. والأهم أن الإمكانيات المسخرة في مثل هذه المهرجانات كافية ماديا ومعنويا للنهوض بمهماتها وأهدافها.

بيد أننا غالبا ما نلمس أن معيار الجودة مهدور أمام المعيار الذاتي الذي أساسه المحاباة والمعرفة الشخصية وبما يجعل الوجوه هي نفسها في كل دورة، أما الأوراق ونتائجها البحثية فأمر ثانوي وقد لا يحسب له حساب أصلاً. وقد لا يعلن عن المهرجان إلا قبل يوم أو يومين من انعقاده، والغاية ألا يؤخذ المشاركون المتحابون على حين غرة فيظهر بينهم من يراد له أن يكون في القاع أو يباغتهم من امتلك مستوى أعلى من مستوياتهم بدرجات، ومن ثم سيغطي على حضورهم ويصير في المركز الذي هو محجوز لهم وحدهم، وليس مسموحا لمن هو ليس من شلتهم ولا على شاكلتهم أو من ضمن دائرة توافقاتهم أن يكون له موطئ قدم معهم.

وبمقابل هذه الظاهرة ظاهرة أخرى باتت معتادة، وهي أن الإشهار عن المهرجانات والفعاليات يقتصر على تلك التي لا تتحمل تكاليف التنظيم والإعداد بنفسها، فتفرض على المشاركين فيها شروطا مادية بها تُقبل المساهمة وبالشكل الذي يجعل الغرض المالي مقدماً على الانجاز العلمي. وهو ما صار طاغياً للأسف على أغلب المؤتمرات الأكاديمية في جامعاتنا العربية. وبعض تلك الجامعات عريقة ولا يليق بها أن تظهر بهذا المستوى من الضنك.

والصدمة أن المشاركين في الفعاليات الثقافية العربية ذات الامكانيات الضخمة ــ والتي لا يشهر أمرها إلا قبيل انعقادها ــ هم مألوفون لا نحتاج عناءً كبيراً في التدقيق في سيرهم، لأن إمكانياتهم ومنجزاتهم هي أكثر معلومية من مألوفية وجوههم؛ بل إن بعضهم باض على رأسه الطير وفرخ من كثرة ما اعتدنا مشاركته في هكذا فعاليات ثقافية.

والأدهى أن بعض هؤلاء المشاركين المألوفين لا ناقة له ولا جمل، لكنه يحضر من باب أن المفلس في القافلة آمن، وهو بتحديد الأسماء سابقا والإعلان المتأخر عن الفعالية سيكون واثقا أنه لن يتعرض لمباغتة باحث هنا أو تخوين آخر هناك أو معارضة على وجوده من ثالث. ومن ثم لا جديد سوى تدوير للأسماء العربية المشاركة من غير جدة أو إجادة علمية أو كفاءة بحثية.

والسؤال الأكثر مرارة لماذا تخشى مهرجاناتنا ومؤتمراتنا العربية التغيير والتجديد ولاسيما تلك المهرجانات ذات الإمكانيات الكبيرة؟ ما السبب في تدوير المشاركات فيها تدويراً سنوياً وبما يشبه عملية تبيض الأموال؟ ثم كيف تريد تلك المهرجانات أن تكون دولية وموصوفة بأنها عربية وهي لا تبحث عن الجدة والتناسب بين الباحث وغنى ورقته؟ أليست الجدة العلمية هي وحدها التي تمكث في أدراج العلم ورفوف المعرفة بينما العلاقات الشخصية ومحمومية الرياء والتهليل والتهزيج والتطبيل فزبد يذهب جفاء لا محال؟ ثم ما الحاجة إلى مهرجانات تصرف عليها ميزانيات ضخمة والمتحصل منها معرفيا وبحثيا لا يساوي شروى نقير مما يعبر عنه المثل الدارج (تي تي مثل ما رحت جيتي)؟ ولماذا معايير اللجان التحضيرية هي دائما شخصية تعتمد محسوبية فلان ومنسوبية علان بينما تريد في تطلعاتها الثقافية أن تكون عامة؟

إنّ وقفة متأنية أمام إحصائيات دقيقة للفعاليات الثقافية العربية من ناحية تدوير المشاركات كأسماء وموضوعات ومحاور وجداول وجلسات ونتائج وتوصيات ستكشف لنا عما هو أدهى، وهو أن تطوير الثقافة وإعلاء قيمها هو آخر ما يُحسب حسابه. أما الذي يُحسب له حساب فهو استمرار الحال والمآل، فيكون كل مشارك عارفاً صاحبه وإمكانياته التي هي مشابهة لامكانياته، متأكداً أن ليس هناك من ينافسه ويشكل خطراً بخبراته عليه أو قد يبزه بعلمه وتميزه.

أقول إن برأنا من هذه العقد النرجسية سيخلِّصنا من ثقافة المركز والهامش وسيمكننا من الانفتاح بعيداً عن التخندق والتقوقع وضيق الأفق وشدة التحسس، ضاخين لجسد الثقافة العربية دماء جديدة ترتقي بها للأمام نضجا وعنفوانا. وعندها لن ينزوي المثقف الأصيل مهمشا في القاع ولن يتمركز المثقف الطارئ في قمة الهرم، والسبب أن ثقل الأول سيوازن خفة الثاني، ومن ثم لا هامش ولا مركز.

ومن دون ذلك الحال فإننا سنقرأ على مستقبل هذه الثقافة السلام بعد أن نعجز عن الارتقاء بواقعنا الثقافي العربي الذي سيظل تدويرياً يعيد المُعاد بما لا يسمن ولا يغني من جوع. والمحصلة التأخر عن الركب العالمي بعقود ثقافية.

وليس جزافا استشرافنا لمآل الواقع الثقافي العربي ما دامت مهرجاناته ومؤتمراته وملتقياته ذات الإمكانيات الهائلة تدور الأسماء، بينما تداري المهرجانات والمؤتمرات التي هي بلا إمكانيات إفلاسها النوعي وتسد ضائقتها الإبداعية بعلاج تجاري هو أشنع من الداء نفسه، يعمق الجرح في جسد الثقافة العربية.

وإذا كان حرصنا على مد شريان الثقافة بالحياة يتطلب منا أن نعقد المهرجانات ونقيم المؤتمرات فإن ذلك ينبغي ألا يكون بلا مردود ثقافي نوعي معرفيا وبحثيا وعلميا، فيزيد الضائقة الإبداعية عبئاً مما يؤخرنا إلى الوراء درجات.

وإذا كان وضعنا المادي لا يسمح بتنظيم مهرجانات ذات أداء موضوعي يتيح المجال لذوي الكفاءات المشاركة؛ فإن من الخير كل الخير ألا تنعقد؛ كي لا نكون مثل حاطب في ليل، وقد خيمت العتمة على مشهدنا وبدت الفعاليات أشبه بالمؤامرات تحاك في ليل بهيم وتدبر في غفلة عن الآخرين فلا يعلن عنها إلا بعد اختمارها.

ولو عدنا إلى تراثنا العربي لوجدنا أن اللفتة الإبداعية التي جعلت العرب يعقدون للشعر أسواقا سنوية كسوق عكاظ والمربد كان سببها توقهم للتجديد تباريا وتنافسا وبحثا عمن يكون هو الأعلى شعريا، ومن هو الأبدع نقديا وفكريا والأكثر بلاغة والأشد تأثيرا وخطابة.

هكذا نمت بذرة الشعر عندهم ونضجت القصيدة بلا سلطة تفرض على هذا أن يخرج من السوق وعلى هذا أن يشارك؛ بل هي سلطة تلقائية تنبع من داخل الشاعر الذي يجد نفسه أهلاً للتنافس وللتباري، وهو يعلم يقيناً أنه من دون ذلك سيكون أضحوكة للآخرين. وهو ما ينبغي للمهرجانات والمؤتمرات العربية أن تأخذه بنظر الاعتبار كي لا يكون انعقادها أو عدم انعقادها واحداً.

إضافة تعليق

3 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.