أسرار تحرير الشعر

من الأمور التي تستحق الاهتمام في الأدب العالمي, والتي هي من الخطورة بمكان أن دانتي, الشاعر المعروف وصاحب الكوميديا الإلهية, قد تم إنقاذه من قبل شعراء آخرين أتوا من بعده بتفسيرهم لما جاء في كتاباته.
فبطل دانتي المشهور«فيرجيل» ظهر أمامه قائلاً: «أنت سيدي, بل في الحقيقة انت من صنعني, فبسببك أنت وحدك فقط عرفني القراء و ميزوني, وذلك من خلال الأسلوب الدقيق الذي شرفتني به».

الذي حصل فيما بعد أن كل شاعر, أتى بعد دانتي, كان يحتاج إلى بطل في أعماله شبيها بفيرجيل, فكان كوليريدج عند ووردسوورث, و آرثر هلام بطلاً عند تينيسون, أما إدوارد توماس فكان بطله روبرت فروست. ‏

في الأسبوع الذي فاز فيه جون بورنسايد بجائزة الأديب تي.اس.اليوت, كان الوقت مناسباً جداً للتحقيق في موضوع مهم ومميز, ألا وهو كيف يستطيع الشاعر المحرر- أي المحرر الذي هو في الوقت نفسه شاعر - أن ينقل المشهد الأدبي الشعري بدقة وحرفية. ‏

اهتمت دور نشر عالمية مثل فيبر, بيكادور, جوناثان كيب, كاركانيت وبلوداكس بموضوع «تحرير الشعر». فالشعر باعتباره واحداً من أهم الأشكال الأدبية غموضاً, مدين وبشكل مدهش إلى محررين مبدعين حقيقيين, إلا أنهم غير معروفين. و الذي يحدد مدى نجاح أي من هذه الدور, هو الشاعر الذي تعتمده, ويكون مسؤولاً عن تحرير شعر غيره من الشعراء. ‏

وهنا يمكن طرح السؤال المهم الآتي: «ماهي التأثيرات والمخاطر المترتبة على مثل هذا العمل الأدبي غير المفهوم, الذي دعوناه تحرير الشعر على أي من آداب الأمم؟». ‏

ماثيو هوليز, من دار فيبر للنشر, وهو أحد أهم خلفاء تي.اس.إليوت, كما أنه من أهم الشعراء الذين اهتموا بكتابة السير الذاتية للشعراء, كان الأوفر حظاً بالفوز بجائزة «كوستا» عن عمله الإبداعي «الآن كل الطرق تؤدي إلى فرنسا», يقول: هناك أحياناً شعور قوي بأنك يجب أن تكون شاعراً لتتمكن من تحرير الشعر, تماماً كما يحدث عندما تكسر ساقك. فأنت عندها لا تأخذ آراء الآخرين, وإنما تزور الطبيب فوراً للحصول على رأي خبير في هذا المجال.

حسب ماثيو هوليز, فإن دون باترسون هو واحد من أهم الشعراء الناجحين, وقد فاز ديوانه الأخير بعنوان «المطر» عام 2009 بجائزة فوروورد, إضافة الى فوزه مرتين بجائزة تي.اس.إليوت, كما انه مارس عمل التحرير الشعري في دار(بيكادور) للنشر. ‏

يقول باترسون معبراً عن رأيه بـ هوليز: «إنه شاعر جيد, ولكنه يملك نظرة دقيقة ويائسة. فهو دائماً يخفف من وقع الأخبار السيئة عن طريق المديح والثناء المبالغ فيه». ‏

ويؤكد باترسون أن التحرير الشعري يختلف تماماً عن التحرير النثري الذي يعتمد على التحولات العاطفية, والأسلوب الموجود ضمن سياق الكلام, والارتباط الوثيق بينهما دون ضرورة ليكون المحرر هنا أديباً. في حين أن القصيدة تغذيها العواطف القوية, أو على الأقل يمكن القول إنها عبارة عن نقل الإلهام والوحي, الذي يتمتع به الشاعر الأصلي دوناً عن غيره من الأدباء. وعليه فيجب ان يكون المحرر الشعري شاعراً ليتمكن بدوره من نقل هذه المشاعر بشكل دقيق ومنطقي. ‏

 إضافة إلى ذلك فإن مهمة المحرر الشعري أيضاً التشجيع بدلاً من الكبت. يقول باترسون عن زميله سكوت روبن روبرتسون أحد الفائزين بالجائزة الشعرية على قائمة البيكادور عام 2006: «إنه وبالرغم من تجربته الطويلة, يستطيع أن يكون قاسياً في أعماله, مع حفاظه على لمسته الشخصية في هذه الأعمال. فهناك شيء في الأدب يسمى خصوصية الكاتب». ‏

 كان روبرتسون غالباً ما يقوم باختيار أعمال مختلفة تخص أحد الشعراء, ولاسيما الشعراء الجدد, وكان يعمل على تحريرها ونشرها لفترة طويلة, مع الأخذ في الحسبان إعادة صياغتها وكتابتها. ويعترف قائلاً: «أستطيع أن أقول عن نفسي إنني مصدر إزعاج للعديد من الشعراء, وبكل صراحة فأنا أستغرب جداً أن هناك بعض الشعراء بحاجة لأن أكتب قصائدهم عوضاً عنهم». ‏

 من الواضح جداً أن روبرتسون وباترسون هم أصدقاء حقيقيون, ولكن هذا لايعني انه يجب على المشاركين في أي من المنافسات الأدبية أن يعرفوا بعضهم جيداً, فأغلبهم بالتأكيد يأتون من خلفيات ثقافية مختلفة. إلا أن المشكلة الأساسية في هذا العالم المعقد, هي القدرة على المنافسة بين مجموعات قليلة من الشعراء الذين يتنافسون على جوائز ومكافآت قليلة. فمثلاً ماذا سيحصل لو أن الشاعر المحرر ‏ أصبح أكثر شهرة وتميزاً من الشاعر نفسه؟. ‏

 لحسن الحظ لم يكن يوجد في قائمة الشعراء المرشحين لنيل جائزة تي.اس.إليوت منافسة بين شاعر وشاعر محرر. لهذا كان باترسون مرتاحاً جداً عندما سئل عن هذا فأجاب: «إنها حقاً المرة الأولى التي تستطيع أن تعبر عن نفسك بجرأة, عندما تجدهم يتنافسون على الجوائز, أكون أنا أكثر عصبية منهم». ‏

 

عن صحيفة: التلغراف ‏

 

إضافة تعليق

4 + 10 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.