أسسها الفينيقيون قبل الميلاد بألف عام .. طرابلس الفيحاء مدينة الحضارات والثقافات

طرابلس المدينة الساحرة أسسها الفينيقيون قبل الميلاد بنحو ألف عام.. تكنى بالفيحاء الصغرى، وتاريخياً نسب إليها اسم طرابلس الشام وطرابلس الشرق لتمييزها عن مدينة طرابلس الليبية.. تضم المدينة اللبنانية أكثر من (160) معلماً تاريخياً وهي الثانية بآثارها المملوكية بعد القاهرة.

لقبت طرابلس عاصمة لبنان الشمالي بعدة ألقاب.. الفيحاء الصغرى، طرابلس الشام، طرابلس الشرق.. مدينة الحضارات والثقافات، مدينة المساجد والعلم والتاريخ، وفي العصور القديمة عرفت طرابلس بألقاب كثيرة منها (متروبول فينيقيا)، (دار الذروة)، (دار الشورى) عندما أصبحت مقراً للاتحاد الفينيقي الذي ضم المدن الثلاث الممثلة لمدن فينيقيا الكبرى: صيدا، وصور، وأرواد.

وطرابلس هي تعريب لكلمة (تريبوليس) اليونانية والتي تعنى المدن الثلاث، ويعود الاسم إلى تأسيس أول اتحاد لثلاث مدن من فينيقيا القديمة هي: صور، وصيدا، وأرواد، حيث نشأت عنه مدينة فينيقية بثلاثة أحياء عمرانية وهي: مايسا، ومحلاتا، وكايسا، وشكلت تلك المدينة فيما بعد بأحيائها العمرانية الثلاثة النواة الأساسية التي قامت عليها طرابلس اليوم.

أصبحت طرابلس بين المدن الفينيقية في القرنين السادس والرابع قبل الميلاد، حيث كانت عاصمة للاتحاد الفينيقي فأصبح اسمها (أثر) في السنة الأولى من عصر الملك أرتخشتا الثالث (338ق م - 359ق م)، وورد اسمها في تل العمارنة (دربلي)، وفي آثار أخرى سميت (حليا).

تقع طرابلس على الساحل الشرقي للبحر المتوسط، وهي ثاني أكبر مدن لبنان بعد العاصمة بيروت، وتبلغ مساحتها (20.4كم2)، وعدد سكانها يقارب الـ(900) ألف نسمة وهي تبعد عن بيروت إلى الشمال قرابة (85) كيلومتراً، كما تبعد عن الحدود السورية نحو (40) كيلومتراً، وكانت المدينة تابعة لما سمي بسوريا الكبرى ما قبل عام (1948م)، وعرفت منذ القدم بموقعها الجغرافي المميز، لأنها صلة الوصل ما بين الشاطئ الشرقي للبحر المتوسط والداخل السوري والغربي، ما جعلها مركزاً تجارياً مهماً على مستوى لبنان والمنطقة.

تنقسم المدينة إدارياً الى سبعة أقضية وهي (طرابلس - البترون - الكورة - بشري - الزاوية - الضنية - المنية - عكار)، ويعتمد اقتصاد طرابلس على الصناعات الحرفية وبعض الصناعات التحويلية الصغيرة والسياحة، وتنقسم المدينة الى قسمين.. القسم الأول هو الميناء، والقسم الثاني هو المدينة نفسها وتقع أمام ساحلها مجموعة جزر صغيرة أهمها الرامكين - النخل - سنتي، وقد أعلنت جميعها عام (1993م) محمية طبيعية بحرية تعرف باسم محمية جزر النخل 

تعاقبت على طرابلس الأمم والعهود، من الفينيقيين والعرب والفرنجة والمماليك والعثمانيين، ووصفت بأرض الرباط في عصر صدر الإسلام لأنها تشرفت باستقبال أعيان الصحابة والتابعين، الذين رابطوا فيها وفي محيطها، وفي العصر الأموي استحقت طرابلس لقب الفيحاء الصغرى، لأنها كانت تحاكى بجمال موقعها وتقاليد أهلها مدينة دمشق، ولأنها كانت محل رعاية الحكام وعناية الولاة، حيث كانت آنذاك قاعدة بحرية ودار صناعة لتوافر أخشاب الأرز اللبناني، وفيها بنى معاوية أسطوله العظيم الذي انتصر فيه على البيزنطيين في معركة (ذات الصواري)، ولقبت في العصر الفاطمي بدار العلم، لأنها احتلت مركز الصدارة العلمية في بلاد الشام في عهد بني عمار، فقد كان فيها كثير من كتب العرب والعجم واليونان، ويرى المؤرخ العربي (ابن أبي طي) أن عدد هذه الكتب كان أكثر من ثلاثة ملايين كتاب وصاحب هذه المكتبة أبو الحسن طالب، قاضي طرابلس أو واليها.

يخترق المدينة نهر يتدفق من مغارة قاديشا في أعلى جبل المكمل، ويجري في واد عميق يعتبر من أشد أودية لبنان وعورة وعمقاً، ومن أكثرها روعة وجمالاً ويعرف محلياً بنهر (أبو علي) نسبة إلى أبو علي بن عمار أحد ولاتها من أسرة بني عمار الذين حكموا طرابلس في نهاية القرن الحادي عشر الميلادي، وكانت طرابلس في كل عهود التاريخ تتميز بغنى طبيعتها وجمالها وازدهارها، وكانت حاصلاتها غزيرة جداً بفضل المياه التي تتدفق عليها من نهر (رشعين)، ونهر (أبو علي) الذي يشطر طرابلس إلى شطرين شرقي وغربي، وقد اشتهرت بزراعة البرتقال والحمضيات والفاكهة بكل أنواعها والحبوب والزيتون وقصب السكر، والوارد والصادر إليها كثير، والبحر محدق بها من ثلاثة أوجه، وهى معقل من معاقل الشام، وتضاف إليها عدة قلاع وحصون داخلة في أعمالها، وقال عنها المؤرخ ابن الأثير في كتابه (الكامل في التاريخ)، (وكانت طرابلس في عصر بني عمار من أعظم بلاد الإسلام وأكثرها تجملاً وثروة).

ووصفها ابن بطوطة بقوله (هي إحدى قواعد الشام وبلدانها الضخام، تخترقها الأنهار وتحفها البساتين والأشجار، ويكنفها البحر بمرافقه العميقة، والبر بخيراته المقيمة، ولها الأسواق العجيبة والمسارح الخصيبة، أما طرابلس القديمة فكانت على ضفة لبحر وتملكها الروم، وبهذه المدينة حمامات حسان)، ووصفها الشريف الإدريسي بقوله (طرابلس مدينة الشام عظيمة عليها أسوار صخر منيع ولها رساتيق (قرى ومقاطعات) وأكوار (جمع كورة) وضياع جليلة، وبها من شجر الزيتون والكروم وقصب السكر وأنواع الفواكه وضروب الغلات الشيء الكثير).

تضم طرابلس أكثر من (160) معلماً تاريخياً بين قلعة ومدرسة وجامع وخان وحمام وسبيل وسوق، وغيرها من المعالم التاريخية والفنية، وهي تمثل متحفاً حياً يجمع بين الآثار الرومانية والبيزنطية، والآثار الفاطمية والصليبية والعمارة المملوكية والعثمانية.

من أهم المساجد في مدينة طرابلس مسجد (المنصوري الكبير) الذي يعد أكبر جوامع طرابلس ولبنان، أمر ببنائه السلطان الأشرف خليل بن قلاوون في (693هـ - 1293م) وجامع (العطار) الذي بناه بدرالدين بن العطار أحد عطاري طرابلس الأثرياء عام (716هـ - 1316م) على نفقته الخاصة بإشراف كبير المهندسين في عصره أبي بكر البصيص البعلبكي، ومن أجمل مساجد ومدارس طرابلس المملوكية جامع ومدرسة (البرطاس) وبناه الأمير عيسى بن عمر البرطاس نحو (710هـ - 1310م) ليكون مدرسة لطلبة العلم ومسجداً، ومن أجمل وأفخم الجوامع في طرابلس ولبنان (جامع طينال) بناه الأمير سيف الدين طينال الأشرف الحاجب عام (736هـ - 1336م). وهناك جامع التوبة، وجامع سيدي عبدالواحد، وجامع أرغون شاه، ومسجد القلعة، وجامع البدراوي، ومسجد البهاء، وجامع الطحام المملوكي، ومسجد الحجيجية، وجامع الحميدي، وجامع الأويسية.

ومن أهم المدارس في طرابلس المدرسة النورية، والمدرسة الماردانية، والمدرسة الشمسية التي تعد أقدم مدارس المماليك بطرابلس، بناها القاضى شمس الدين أحمد بن عطية الإسكندري، والمدرسة السقوقية والمدرسة القادرية، وهي الأكبر بين مدارس طرابلس المملوكية بعد القرطاوية، ويعود بناؤها الى القرن الثامن الهجري، ومدرسة ست الحسن، والمدرسة العجمية، والمدرسية الناصرية، والمدرسة الخاتونية، والمدرسة السنجقية الملحقة بجامع الأويسية، ومدرسة الشيخ الهندي المعروفة بالمشهد، ومدرسة الرفاعي ومدرسة الأمير سنجر الحمصي، ومدرسة القاضي أوغلو العثماني، والمدرسة الرجبية، والمدرسة البشناتية، والمدرسة الأحمدية الملحقة بجامع التوبة.

وتضم طرابلس عدداً من الأسواق القديمة التي يرجع تاريخها الى عصر المماليك مثل سوق النحاسين، وسوق الصياغين، وسوق البازركان وغيرها. كما تضم عدة خانات أشهرها خان العسكر، وخان الخياطين، وخان الصابون، وخان المصريين، ومن قصور طرابلس الشهيرة قصر نوفل العثماني، وقصر الأمير المملوكي سنجر الحمصي، وقصر الأمير المملوكي سيف الدين الطنطاش، وقصر الأمير عزالدين أيبك الموصلي.

تضم طرابلس أيضاً الأبراج والقلاع الحربية، التي أقيمت على امتداد ساحلها للمرابطة فيها والدفاع عنها، ومن أهمها قلعة طرابلس، وبرج الأمير أيتمش، وبرج الأمير جلبان، والأمير الأحمدي، والأمير برسباي، وبرج السلطان قايتباي، وقلعة طرابلس المعروفة باسم قلعة سان جيل كبرى القلاع الحربية في لبنان وأقدمها.

كما تضم طرابلس ساحات شهيرة اهمها ساحة التل، وساحة الكورة، وساحة الحمص، وبها أيضاً عشرات البرك وسبل المياه المنتشرة في أسواق المدينة القديمة الساحرة.

 

إضافة تعليق

9 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.