أعمال تفتح طريق الجنة

أمرنا الحق سبحانه في العديد من الآيات القرآنية، بالالتزام بالعبادات والحرص على الطاعات، ورغبنا في كل عمل يقربنا من الجنة، وأوضح لنا أن الطريق إلى الجنة ليس مملوءاً بالأشواك، كما يتوهم بعض اليائسين من رحمة الله، بل هو مفروش بالورد، ذلك أن كثيراً من الأعمال البسيطة تقربنا من جنة الخلد، وكثير من السلوكيات الخاطئة تحرمنا من رضا الله وعفوه وجنته، ولذلك واجبنا أن نعلم كل ما يباعد بيننا وبين الجنة، وكل ما يحقق لنا رضا الله وعفوه ويجلب لنا رحمته .

وقد أخبرنا القرآن الكريم أن الله عز وجل أعد الجنة ونعيمها لعباده الطائعين، لتكون خير جزاء لهم في الآخرة، ونعيم الجنة فوق الوصف ولا يحيط به العقل، ولهذه الجنة أوصاف وأسماء جاءت في القرآن الكريم قد نسمع عنها في هذه الدنيا ونلمسها ولكن الحقائق والمسميات في الآخرة غير ما تعارف عليه البشر، فالله سبحانه وتعالى يقول: “وبشر الذين آمنوا وعملوا الصالحات أن لهم جنات تجري من تحتها الأنهار كلما رزقوا منها من ثمرة رزقاً قالوا هذا الذي رزقنا من قبل وأتوا به متشابهاً ولهم فيها أزواج مطهرة وهم فيها خالدون” .

نعيم لا تحيط به العقول

والحياة في الجنة، كما يقول الأستاذ بكلية أصول الدين بالأزهر، د .حذيفة المسير، لها نواميس أخرى غير المتعارف عليها في الحياة الدنيا، وقد قال رسول الله صلى الله عليه وسلم في الحديث الصحيح: “يأكل أهل الجنة فيها ويشربون، ولا يتغوطون ولا يمتخطون ولا يبولون ولكن طعامهم ذلك جشاء كرشح المسك يلهمون التسبيح والحمد كما تلهمون النفس”، وفي حديث آخر صحيح يقول عليه أفضل الصلاة والسلام: “ينادي منادٍ إن لكم فيها أن تصحوا فلا تسقموا أبداً وإن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وإن لكم أن تشبوا فلا تهرموا أبدا، وإن لكم أن تنعموا فلا تبتئسوا أبدا”، فذلك قوله عز وجل: “ونودوا أن تلكم الجنة أورثتموها بما كنت تعملون” .

كل هذا النعيم هو الذي نعلمه من النصوص الشرعية الصحيحة، وهو لا يساوي شيئاً بجوار ما لا نعلم من هذا النعيم، فإن ربنا سبحانه وتعالى يقول في حديثه القدسي: “أعددت لعبادي الصالحين مالا عين رأت ولا أذن سمعت ولا خطر على قلب بشر” فهناك وفقاً لهذا الحديث القدسي ألوان وأشكال من النعيم وأصناف من الخيرات لم ترها عين من قبل ولم تسمع بها أذن ولا تخيلها إنسان ولا طرأت على بال أحد أبداً، وهذا ما يجعلنا نخشع وندرك عظيم قدرة الله، وجميل صنعه، وكريم فضله، وسابغ رحمته وواسع عطائه، ومصداق ذلك كله من كتاب الله عز وجل: “فلا تعلم نفس ما أُخْفِيَ لهم من قرة أعين جزاء بما كانوا يعلمون” .

أصحاب النفوس الطيبة

وقد أخبرنا القرآن الكريم أن الجنة يدخلها أصحاب النفوس الطيبة الذين يؤدون ما عليهم من واجبات دينية ودنيوية، الذين يؤمنون بالله حق الإيمان ويحرصون على الفضائل ويجتنبون الرذائل، الذين يتصفون بخصال كريمة تعدد ذكرها في القرآن الكريم، ومنها قوله تعالى في سورة الرعد: “الذين يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق، والذين يصلون ما أمر الله به أن يوصل ويخشون ربهم ويخافون سوء الحساب، والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم وأقاموا الصلاة وأنفقوا مما رزقناهم سراً وعلانيةً ويدرؤون بالحسنة السيئة أولئك لهم عقبى الدار . جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم والملائكة يدخلون عليهم من كل باب . سلام عليكم بما صبرتم فنعم عقبى الدار” .

هذه الآيات الكريمة ترشدنا كما يقول الداعية الأزهري الشيخ خالد الجندي إلى أن الفوز بالجنة يحتاج إلى عمل وجهد وإخلاص وطاعة وعبادة، والجنة التي وعد الله عباده الصالحين الحريصين على الفضائل البعيدين عن كل ما يغضبه ويخالف منهجه، تستحق أن يجد الإنسان ويجتهد من أجلها .

وأولى صفات أهل الجنة، كما وردت في هذه الآيات أنهم “يوفون بعهد الله ولا ينقضون الميثاق”، أي: يؤدون فرائض الله ويلتزمون بأوامره وينتهون عن نواهيه ويتجنبون كل ما نهى عنه من الأفعال والأقوال والخصال، وهذه الصفة (الوفاء بعهد الله) تدل على كمال الإيمان وصدق العزيمة وصفاء النفس .

وصلة الرحم، كما ورد في العديد من الآيات القرآنية والأحاديث النبوية الصحيحة، من أفضل الأعمال التي تذهب بصاحبها إلى دار الجزاء الأولى . . وفي الآيات السابقة، يوضح لنا الحق سبحانه وتعالى أن من صفات أولي الألباب الذين يفوزون بالجنة، أنهم يصلون كل ما أمر الله تعالى بوصله، كصلة الأرحام وإفشاء السلام وإعانة المحتاج والإحسان إلى الجار “ويخشون ربهم”، خشية تحملهم على امتثال أمره واجتناب نهيه “ويخافون سوء الحساب” أي: ويخافون أهوال يوم القيامة، وما فيه من حساب دقيق فيحملهم ذلك على أن يحاسبوا أنفسهم قبل أن يحاسبوا .

وإلى جانب هذه الصفات الكريمة هناك صفات أخرى لأولي الألباب الذين يكافئهم خالقهم بالجنة، ومنها كما ورد في الآيات السابقة “والذين صبروا ابتغاء وجه ربهم”، أي من صفاتهم أنهم صبروا على طاعة الله، وصبروا على اجتناب معصيته، وصبروا على المصائب وآلامها، صبراً غايته رضا ربهم وخالقهم، لا رضا أحد سواه، أي أن صبر هؤلاء في كل مجال يحمد فيه الصبر لم يكن من أجل الرياء أو المباهاة أو المجاملة أو غير ذلك، وإنما كان صبرهم من أجل رضا الله تعالى وطلب ثوابه .

وجنة الله لا يدخلها مهمل لعباداته وفرائضه، ولذلك جعل الحق من صفات أولي الألباب الذين يفوزون بالجنة أنهم يقيمون الصلاة ويؤتون الزكاة، وهاتان الفريضتان هما أساس كل الفرائض، وقد يدخل الإنسان الجنة من دون أن يصوم إذا كان مريضاً ومن دون أن يحج إذا كان غير مستطيع . . لكنه لا يمكن أن يعرف طريق الجنة، إذا ما أهمل الصلاة والزكاة، فلا شيء يعفي المسلم من هاتين الفريضتين .

وليست كل صلاة تقود صاحبها إلى الجنة، بل الصلاة التي تحقق له هذا الهدف أو تساعد على تحقيقه هي الصلاة التي تؤدى بشروطها وأركانها وضوابطها، ولذلك قال عز وجل “وأقاموا الصلاة” أي: أدوها في أوقاتها كاملة الأركان والسنن والأذكار بخشوع وإخلاص، وإلى جانب هذه الصلاة “أنفقوا” بسخاء وطيب نفس مما رزقهم الله ومما أعطاهم من عطائه الواسع العميم “سراً وعلانية” أي من شأن أصحاب الجنة أنهم ينفقون سراً، حيث يحسن السر كإعطاء من لم يتعود الأخذ من غيره، وينفقون “علانية”، حيث تحسن العلانية كأن ينفقوا بسخاء في مجال التنافس في الخير، ليقتدي بهم غيرهم .

درء السيئة بالحسنة

ومن خصال أهل الجنة كما أرشدنا القرآن الكريم أنهم في حياتهم الدنيوية يكفرون عن المعاصي بالحسنات، وهذا ما أخبرنا به الحق سبحانه في قوله: “ويدرؤون بالحسنة السيئة” .

والمعنى أن من صفات أولي الألباب الذين يكافئهم خالقهم في الآخرة بالجنة، أنهم يدفعون بالعمل الصالح العمل السيئ، كما في قول رسول الله صلى الله عليه وسلم “واتبع السيئة الحسنة تمحها”، أو أنهم يدفعون سيئة من أساء إليهم بالإحسان إليه أو بالعفو عنه متى كان هذا الإحسان أو العفو لا يؤدي إلى مفسدة .

هؤلاء الذين ورد ذكر خصالهم وأعمالهم الصالحة لهم المكافأة التي يستحقونها، والتي ورد ذكرها في قول الحق سبحانه: “أولئك لهم عقبى الدار”، هنا يكون الجزاء الحسن الذي أعده الله لهؤلاء الأخيار، والمعنى الذي تؤكده لنا هذه الآية الكريمة أن أولئك الموصوفين بتلك الصفات الكريمة لهم العاقبة الحسنة، وهي الجنة . وقوله سبحانه “جنات عدن يدخلونها ومن صلح من آبائهم وأزواجهم وذرياتهم”، تفصيل للمنزلة العالية التي أعدها الله سبحانه وتعالى لهم .

إضافة تعليق

2 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.