ألواح ودسر

قراءة منحازة لرواية خارج التصنيف

 د. هيفاء الحمصي

عندما منحني الدكتور العمري شرف الاطلاع على مخطوطته "ألواح ودسر" – فيما أسماه وقتها بجس نبض مبكر للقراء – شعرت أني أمام اختبار صعب ، ذلك أني منحازة أصلا ًلكل ما يخطه العمري منذ أن اطلعت على كتابه الأول "البوصلة القرآنية" ؛ يومها تخيلته شيخاً يتعكز على خبرته وتجاربه ويكتب ذلك الكتاب الرائع الفريد ، فوجئت به بعدها بسنتين في الشام شاباً في ريعان الشباب لا يكبر أولادي إلا ببضع سنين . قيل يومها في الصالونات الأدبية : إنه ليس الكاتب ، إنه لا يمكن أن يكون الكاتب ، وكانت تلك الفرية الظريفة يومها أكبر دليل على جودة الكتاب : لم يتخيل أحد أن يكون كاتبه في الثلاثين لا يزال ! وأدركت يومها أن العمالقة لا يولدون صغاراً ويكبرون ، بل يولدون عمالقة منذ نتاجهم الأول .

ذلك الشاب استمر بالإنتاج  المبدع ، واتضح أن "البوصلة" لن يكون "بيضة ديك لن تتكرر" ، بل جاء بعدها  "ليلة سقوط بغداد" ، و"الفردوس" ، و"ضوء في المجرة" ؛ وكل واحدة منها تستحق تنهيدة ووقفة . كنت ما أزال تحت تأثير "كيمياء الصلاة" عندما جاءني الدكتور العمري وبيده المخطوط ، قال لي : اتركي "الكيمياء" الآن وأعطني رأيك في الألواح والدسر ، قال لي أنه يريد رأيي بالرواية بمعزل عن كل ما قرأت له سابقاً . ك

ان ذلك هو التحدي الأول : حاولت أن أخرج من تأثير "كيمياء الصلاة"، وهو تأثير طاغ لمن قرأ الكتاب وعاش في عوالمه ، وكان ذلك تحدياً سلبياً بالنسبة إلى لمخطوط الجديد،  سألت نفسي:  ما الذي سيستطيع العمري – بل أي أحد – أن يفعله بعدما كتب "كيمياء الصلاة" ؟ كيف سيستطيع أن يتحدى نفسه لينتج شيئاً أقوى ؟؟؟سألته يومها ذلك وفي ذهني أن أرد له المخطوط قبل قراءته لكي لا تشوب قراءتي مجاملة فتضره ، ولا تشوبه صراحة فتحبطه ، يومها قال لي إن الكتاب موجه لفئة أخرى وإنه ليس قلقاً من ذلك . بدأت بقراءة المخطوط وفي ذهني ما قاله العمري ، ولكني مع الصفحات الأولى اكتشفت أنه خدعني بتلك الجملة واستدرجني إلى فخ متقن : الأمر أكبر بكثير مما قال ، بل إنه يرتبط بإصرار العمري على ولوج كل فن وكل مجال يتمكن فيه من إيصال فكرته : سيفعل كل شيء ، يكتب كتاباً دسماً ، يكتب مقالاً سريعاً ، يكتب رسالة أدبية ، يكتب رواية !! ربما يكتب سيناريو ؛ كل شيء . قبل "ألواح ودسر" ، لم أكن متاكدة من إمكانية وجود أدب إسلامي حقيقي ، وأعني هنا أن خلطة الأدب بالإسلام لم تكن واضحة جداً ، دوماً كانت هناك كتابات تجمع بين الاثنين ، لكن الأمر كان غالباً ما ينتهي بوجود شخصيات تلقي مواعظ بشكل آلي وينتهي الأمر ، وقد يكون ذلك أدباً توجيهياً ، لكنه لم يكن يمتلك مقومات الإبداع الأدبي الحقيقي .

 كانت تجربة العمري السابقة في الرواية – وأعني بها رواية "أبي اسمه إبراهيم" – تحمل بذرة للأمر ، لكنها كانت رواية للناشئة ، أو هكذا كان تصنيفها، مع أني استمتعت بها جداً – ، ولسبب ما تصورت أن العمري يكرر التجربة في "ألواح ودسر" ؛ صفحة بعد أخرى ، أدركت أني كنت مخطئة . 

"ألواح ودسر" عمل مبدع ومختلف ، والعمري يحلق فيها إلى عالم جديد من عوالم الإبداع ، إنها للوهلة الأولى رواية معاصرة لقصة سيدنا نوح ، بطلها طفل صغير يراقب ما يجري ، لكن فجأة ستكتشف أنك داخل حلم ، وفجأة لن تعود واثقاً إن كان ذلك حلم العمري بشكل رواية أو أن العمري تمكن من الدخول إلى أحلامك وسرقتها وصياغتها بهذا الشكل المبدع ؛ فجأة ستجد نفسك في هذا الطفل الصغير وهو يحلم بعالم مختلف ، وهو يراقب العالم من حوله ، ستجده وهو يتلمس الإيمان ، بين الشك واليقين ، بين النور والظلام ، وستجد نفسك مبهوراً حتماً عندما ينطق هذا الطفل كلمة التوحيد للمرة الأولى ، حيث يقدم العمري شهادة أن لا إله إلا الله في سيمفونية من الضوء بالكلمات ، وتكاد تشعر أنك تسمع بهذه الكلمات للمرة الأولى في حياتك . 

الرواية ، عكس الروايات الحديثة السائدة  حالياً ، فيها حبكة ، وفيها تشويق وإثارة ، والعمري يمتلك فيها حرفة "الرواية" بالمعنى التقليدي للرواية الذي نفتقده ، وهو أمر مفقود في الأدب الحديث كما هو معلوم ، فأنت تجد في الرواية كل شيء : علم نفس ، وسياسة ، وعلم اجتماع ، إلخ ، لكن لا تجد فيها رواية . والعمري لا يقدم رواية مثيرة فقط  ، بل يقدم أيضاً كل ما يشغل باله من أمور ، مثل العولمة والغزو الفكري وسيادة قيم الاستهلاك ، حتى يمكن أن نقول أن "ألواح ودسر" هي نسخة روائية من كتابه "الفردوس المستعار والفردوس المستعاد" ؛ قد تجد أنه تجاوز الأمر أحياناً وأنه انحاز إلى المباشرة التي لا  تنسجم مع المواصفات الأدبية ، ولكن ستفاجأ به وقد ضبطك مع هذا الهاجس وقال شيئاً ليقنعك أن الأمر ليس كذلك . 

شخصيات "ألواح ودسر" تملك مفاتيحها في أسمائها ، ولكنك ستجدها شخصيات متماثلة مع ما نراه من شخصيات حولنا : سنضحك على السيدة تفاهة والسيدة نميمة والسيدة غلاظة ، ثم سنتوقف لنجد أن هذه الشخصيات موجودة فعلا ًحولنا في أسماء أخرى ، ستجد ربما معاني سياسية لشخصيات مثل السيدة حيزبونة أو السيد إمّعة أو السيد سلاّب النهاب ، ستبحث عن الطفل ( نور ) في أعماقك ، وقد تفاجأ – كما حدث معي – أن هذا الطفل موجوداً فعلاً ولا يزال حياً يرزق .

 يمتلك العمري خاصية "غير بريئة" فيما يكتبه : إنه يسخر كل ما أوتي من أسلوب ليكون في خدمة أفكاره وآرائه ، لا يعرف الحياد تجاه شيء ، له موقف واضح من كل شيء حوله ، وهذا يجعله مستفزاً للبعض ممن يختارون الحياد واللامبالاة بوصفه موقفاً أكثر أماناً . للعمري أيضا خاصية نادرة : إنه يجعلك تقهقه ضاحكاً في صفحة ، ثم يجعلك تمسح دمعتك في صفحة تالية ، وفي الحالتين يكون قد توغل في أعماقك وتمكن منك . في "ألواح ودسر" تمكن العمري من تجاوز الثغرات التي كانت موجودة في "أبي اسمه إبراهيم" والتي جعلت الكثيرون ينتقدون أنه قدم شخصية سيدنا إبراهيم عليه السلام وهو طفل كبقية الأطفال ؛ في "ألواح ودسر" سيدنا نوح يظهر كالضوء من بعيد ، يأتي ويذهب ، نراه في عيون الطفل "نور" ، كما لو أن الأطفال ببراءتهم هم الأحق من غيرهم بفهم الأنبياء والرواية عنهم . 

"ألواح ودسر" رواية ملحمية رائعة ، لا تشبه سواها من الروايات ، كما لا تشبه سواها من أعمال العمري ، وهي "غير قابلة للتصنيف" : هل هي فانتازيا ؟ هل هي من الأدب الواقعي – العجائبي ؟ هل هي رواية تأريخية ؟ هل هي من قصص الأنبياء ؟ ربما هي كل ذلك ، وربما هي خارج كل التصنيف ، مثل كاتبها الذي أعتقد أن من مشاكله الحالية : كونه خارج التصنيفات السائدة : هل هو مفكر أم هو أديب ؟ أم هو الاثنان معا ؟ يكتب فكراً جديداً ثاقباً  بأسلوب أدبي ؟ أم إنه يكتب أدباً يحمل فكراً جديداً ؟ أقول : إن ذلك من مشاكله لأن الكتابة "خارج التصنيف" تجعل نتاج الكاتب مهملاً من قبل النقاد وأهل الاختصاص ، ولو إلى حين ، أي إلى أن يصبح هذا الكاتب مصنفاً ضمن خانة قد لا تضم سواه ؛ الشيء ذاته ينسحب على حقيقة  أن العمري ليس محسوباً حتى الآن على تيار معين من التيارات السائدة على الساحة الإعلامية والثقافية ، وهذا يجعله خارج منطقة الدعم والتحزب والدفاع التي يحصل عليها الكتاب المحسوبون على تيار معين ، وإن كان يجعله أيضا مستقلاً عنها وقادراً على التعبير عن آرائه بحرية أكبر . 

للعمري نقاط قوة متعددة بلا شك : فكر جديد ملتزم بثوابت، مع أسلوب أدبي خلاب ، لكن نقطة ضعفه الأساسية في رأيي تكمن في تقصيره في مجال الإعلام : نحن نعيش في عصر لم يعد الكتاب الجيد قادراً على الانتشار لمجرد أنه جيد ، بل صرنا نعيش في عصر شهد انحساراً أكيداً للكتاب لمصلحة الصورة المرئية ، وإذا كان العمري يريد لفكره أن يحدث تأثيراً فلا بد له أن يعد نفسه لولوج عالم الصورة مهما تطلب منه ذلك من تضحيات . 

أتمنى للجميع قراءة ممتعة وركوباً مثمراً في الألواح والدسر . 

إضافة تعليق

14 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.