أنقذ نفسك، الحياة تناديك

يرى الملايين من الفرنسيين، في المتخصص العصبي ـ النفساني بوريس سيرولنيك، معلّما فكريا مهما. ذلك من حيث العون الذي قدّمه لهم في مختلف أعماله، من أجل "مكافحة التعاسة" التي تحيط بالإنسان في المجتمعات الاستهلاكية المعاصرة.
وفي كتابه الأخير الذي يحمل عنوان "انقذ نفسك، الحياة تناديك"، يقدّم لقرائه مذكراته وسيرة حياته. يعود المؤلف، بداية، إلى حدث عرفته حياته ولم يبارح ذاكرته أبدا. إذ كان عمره ست سنوات. وكانت نيران الحرب العالمية الثانية في أوج اشتعالها. فيقول: "ذات ليلة أوقفني رجال مسلّحون وجدتهم يحيطون بسريري.. أتوا كي يرسلوني إلى معسكر للموت. قصة حياتي بدأت تلك الليلة". ويروي المؤلف، للمرة الأولى، أنه عاش لسنوات، خلال طفولته، في كنف أحد بيوت رعاية اليتامى، قبل أن تتبنّاه عائلة "فارج" التي أطلقت عليه اسما آخر.

ويضيف: "في سن السادسة لم أكن أعرف القراءة ولا الكتابة، ولم أستمع حتى آنذاك للراديو أبدا، ولا الموسيقى". ويشير إلى أن تسليته الكبرى كانت آنذاك، الدوران حول الطاولة إلى أن يتعب، ومن ثم يستلقي على الأريكة. ويتابع: "في عام 1993، عندما كنت في بودابست برفقة منظمة أطباء العالم، لاحظت السلوك نفسه ـ الدوران حول الطاولة ـ لدى الأطفال المتروكين، المعزولين".

ويروي سيرولينيك، كيف أنه أمضى 40 عاما لم يتفوّه خلالها بكلمة واحدة عن ما جرى له عندما كان في السادسة. وعن تلك الممرضة الجميلة التي ساعدته على الهرب بـسيارة إسعاف كانت تقل مريضا. فكل ما رواه من حكايته تلك، كان عبر إشارات خفيّة في مجمل الأعمال التي قدمها، كما يؤكد.

 ومن ذكريات الطفولة البعيدة، ينقل المؤلف، الشهير حاليا، أن كثرا قالوا له، انه كان ثرثارا، إذ كان يروي القصص ويتحدث إلى من لا يعرفهم في الشارع. ويلفت سيرولنيك إلى أنه، وفي هذه الاوقات، لم يتألم كثيرا من الأحداث التي عاشها. ذلك أنها جعلته في حالة غيبوبة، ومن يعاني الغيبوبة لا يتألم.

 ويعود المؤلف إلى حقبة أخرى من حياته، عندما كان طفلا ثم مراهقا. وذلك عندما استعادته عمته دورا للعيش معها في باريس. إذ كانت تعمل راقصة في الملاهي الليلية في حي بيغال الباريسي الشهير، كأحد أمكنة حياة الليل، وتتقاسم العيش مع ايميل، المولع بالمسائل العلمية.

 وفي مثل ذلك الجو أحبّ المدرسة. وأقبل عليها بشغف كبير، بل وأصبح الأول في صفه باستمرار. هكذا تجاوز صفا للمشاركة في امتحان الدخول إلى المدرسة الثانية. ولا يتردد اليوم في القول: "تلك السرعة في التحوّل الفكري، لا تزال تدهشني حتى اليوم".

 ويؤكد المؤلف في هذا الصدد، أن الجو العاطفي الذي أحيط به، كانت له آثار إيجابية كبيرة في خلق حالة من السعادة لديه. ويبين في السياق ذاته، أهمية العيش في أجواء عائلية ومدرسية سليمة، بالنسبة لجميع الأطفال، بل جميع البشر.

 ويوضح المؤلف، أنه نظّم تفكيره طيلة مسيرة حياته، حول عالم مزدوج. فمن جهة لديه هناك عالم يمكن مشاركة الآخرين فيه، حيث كان يروي الأحاديث التي يطيب للآخرين سماعها. بينما يوجد في المقابل، العالم الآخر: "الأعمق والأكثر كثافة"، والذي يعيشه الإنسان مع ذاته. وهذا طبعا، مع وجود تداخل بين العالمين.

 وعلى قاعدة مثل تلك الثنائية، يميّز سيرولنيك، بين الحقيقة الروائية والأخرى التاريخية. وذلك بمعنى المعاشة في إطار الزمان والمكان من أجل أن تصبح الحياة محتملة، ثم عندما يكون العالم مجنونا، تفعل الذاكرة على عدة مستويات وتسويات، كي تجعل الانسان منسجما.

  وهكذا يتشكل ويتبلور نوع من الإنقاذ. وبهذا المعنى تحديدا، جاء عنوان الكتاب: "انقذ نفسك، الحياة تناديك". أي: دع الذاكرة تنظم ما يخرّبه الواقع على طريقتها.. وهذه الثنائية موجودة في سيرة حياة المؤلف، كما يقول، ذلك أنه ليس هناك موقع حيادي وبريء للإنسان في تعامله مع الآخرين. فالتحدث إلى الآخرين يعني أن يضع الإنسان نفسه في خطر، والصمت يعني أن يعرّض نفسه للعزلة. ويطلعنا المؤلف على أنه أفلح في حلّ هذه المعضلة، عبر التحدث إلى الآخرين، بما لا يعرّضه للخطر، والصمت مع عدم الوقوع في العزلة.

 

المؤلف في سطور

بوريس سيرولنيك، متخصص فرنسي في المجال العصبي ـ النفساني. ومدير للبرامج في جامعة تولون في جنوب فرنسا. صدرت له سلسلة طويلة من الكتب، لاقت، بأغلبيتها، نجاحا كبيرا لدى النقّاد والقراء. ومن مؤلفاته: تعاسة رائعة، عن الجسد والروح.

 

 جريدة البيان

 

الكتاب: أنقذ نفسك، الحياة تناديك

 

تأليف: بوريس سيرولنيك

 

الناشر: اوديل جاكوب ـ باريس ـ 2012

إضافة تعليق

2 + 9 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.