أنواع الكتب

كل كتاب جديد أقرأه لا يضيف إلى معرفتي بموضوعه فحسب، وإنما يثير في ذهني ـ طوال القراءة وبعدها ـ العديد من الأفكار الجديدة، سواء أكانت تتصل بموضوع الكتاب أو خارج موضوعه، فالافكار عندما تتداعى على ذهن الأنسان لا تتوقف عن إثارة الأسئلة فى كل اتجاه. وبقدر حيوية هذه الأسئلة وقدرتها على توليد غيرها من الأسئلة التي لا حد لها تكون قيمة الكتاب. وهنا لابد من التمييز بين نوعين من الكتب: نوع معلوماتي، عادة ما تكون عملية تلقيه سلبية، فالقارئ يكتفي فيه بالتعلم ومعرفة ما لم يكن يعرف، والنوع الثاني هو الكتاب المحفز للفكر على الاستثارة. وأنت مع هذا الكتاب لا تكتفي بما تحصله من معلومات في تلق سلبي، وإنما تدخل مع الكتاب في حال من التفاعل أو الاستجابة الفعالة، فكل فكرة توحي بفكرة أخرى في مجالها، وكل فكرة موحى بها لو مضيت معها، تولدّت منها أفكار وأسئلة بلا نهاية، وذلك على نحو يجعل القارئ متلقيا فاعلا، تتدفق أفكاره الخاصة الموازية لأفكار الكتاب والنابعة منه في آن.
وتتفاوت قيمة الكتب على هذا الأساس، فالفارق يتدرج في القيمة على حسب ما يثيره الكتاب من أفكار موازية كميا وكيفيا. ويبدو أن كل الكتب تخضع لهذا المقياس الذي يتوقف بالطبع على نوعية القارئ وثقافته.
ويظل رأيي في قيمة الكتاب تتحدد بقدرته على إفادتي وإمتاعي وإثارتي في آن. وتأتي الإفادة من المعارف الجديدة التي أحصّلها وأعرف بها ومن خلالها ما لم أكن أعرف. وتأتي المتعة من طرائق عرض الأفكار في الكتاب في أسلوب جذاب يدفعك إلى متابعة القراءة، ويشدك شدا إلى الكتاب. وهنا يظهر فارق مهم بين مؤلف يطرح أعقد الأفكار بأسلوب سلس، ينم عن فهمها وتعمقها، ومؤلف تلاحظ منذ الصفحات الأولى معاظلة الأسلوب وغموض الفكرة، ولا يخلو الأمر من الادعاء بأن ما يقال موثق لا نظير له، مع أنه يمكن أن يكون أمرا بسيطا لا يستحق كل هذا التعقيد الذي مرده إلى طريقة الكاتب في الكتابة التي تغدو صورة لعقله.
وما أكثر الأفكار المعقدة التي قرأتها في كتب زكي نجيب محمود، مثلا، فوجدتها أفكارا واضحة جذابة. وهي ميزة لا يتمتع بها إلا كبار الكتاب الذين تتعلم منهم أن الفهم تملك للمفهوم، وأن من أحسن فهم فكرة من الأفكار أحسن التعبير عنها والإبانة حتى عن حوافها ولوازمها. لكن هناك ما يجاوز الإفادة. وهو ما يقترن بالفهم ويجاوزه، خصوصا من الزاوية التي توحي لك بها كل فكرة تقرأها في الكتاب بفكرة غيرها، فتدفعك دفعا كي تدخل هذا العالم الجميل من الأسئلة التي تثير الأجوبة، والأجوبة التي لا تكتمل إلا بطرح المزيد من الأسئلة التي لا نهاية لمتعة صياغتها ومتعة اختيار إجابة لا تكتمل إلا بالجديد من الأسئلة، فالمعرفة حالة اكتشاف لكل ما يظل في حاجة إلى المزيد من الكشف.
جريدة الاتحاد

إضافة تعليق