أهوال العالم العربي ومحنة العقل العربي

هناك مدرسة في العالم العربي ترى أن مشكلة العالم العربي الأساسية هي عدم وجود عقل نقدي، فإذا توافر هذا العقل أمكن - بلا شك- أن تنهض هذه المنطقة بالعقل النقدي. وهذا يمثل وجهاً للحقيقة، أما الوجه الآخر فهو سؤالنا لماذا يعاني هذا العقل في زمن العولمة؟
أظن أن جوهر الأزمة في العقل العربي وأحد التفسيرات الهامة هو إلحاح الثقل الصهيوني على هذا العقل، فكل الأحداث التي أفقدته قدرته على التماسك تعود إلى مضاعفات الصراع العربي الصهيوني، ولذلك فإن أفدح آثار هذا الصراع وضحيته الأولى هي العقل العربي؛ ذلك أن النظم السلطوية العربية أثر من آثار هذا الصراع. كان أستاذنا حامد ربيع قد نبه في بداية ثمانينيات القرن الماضي إلى أن أخطر هدف لاتفاقية السلام المصري الإسرائيلي ليس إشاعة السلام حقيقة، وإنما هو استهداف العقل المصري والعربي .وما حدث من أحداث دامية بعدها يؤكد هذه الحقيقة. فقد انشق العقل العربي بغزو العراق للكويت بشعارات قومية، ثم عجز عن فهم ملهاة الحرب العراقية الإيرانية ثم كانت أوسلو، واستكانت المنطقة إلى الحمل الكاذب لأوهام السلام هرباً من المواجهة مع المشروع الصهيوني ومخططاته وتحالفاته التي ظهر أنه لا حدود لها وأن مرحلة تفتيت العالم العربي هي الحصاد المر لعملية سلام واهمة، تقدم تحت ستارها هذا المشروع .
وهناك أمور كثيرة تدفع العقل العربي إلى الفتور والاستكانة والتسليم حتى لا يتصادم بعنف مع واقع مرير.
الأمر الأول هو أن خصائص العقل العربي غير النقدي التي تدفعه إلى التسليم دون تمحيص أو مناقشة هي حالة لها أسبابها في تعليمنا وثقافتنا، وأن ذلك لا يعني أن العقل العربي مصمم جينياً على أنه غير نقدي.
الأمر الثاني، أن هذا العقل نفسه عندما يعمل في بيئة نقدية كالغرب فإنه يبدع في جميع المجالات، ولذلك فالعيب في البيئة التي نشأ فيها ولم يتمرد عليها. وإذا تمرد عليها تم عزله اتقاء لشره وخطره،بل تم استهجانه اجتماعياً وربما مهاجمته دينياً.
الأمر الثالث أن غياب العقل النقدي عند الجميع بشكل عام له أسبابه، وأهم هذه الأسباب هو الحكم العربي الذي لا يمكن لعقل طبيعي أن يستوعب سلوكه وقراراته، ولذلك كان أمامه إما أن يستكين إلى خمول العقل في كل شيء، وهو مطلوب بشدة لاستقرار النظم السياسية وسلامة الأوطان وسلامة القيادة الشرعية، وإما النقد؛ مما يؤدي إلى اضطهاده وزجره والحكم عليه بالإبعاد من الدنيا والآخرة.
وكنت أود- ولا أزال- أن تتناول الدراسات أثر النظم السياسية في حالة الخبل التي أصابت العقل العربي. ولعلنا لاحظنا كيف أن احتلال العراق للكويت أدى إلى انقسام غريب في العقل العربي، فقد أيده البعض على اعتبار أنه أهون من الغزو الأمريكي للمنطقة، متجاهلاً أن هذا الأخير سببه سياسات العراق التي انتهت بهذا الغزو، وعلى النقيض رأى البعض أن غزو العراق تم بدعم خارجي حتى يستكين النظام العربي فيصبح من السهل الغزو الخارجي في منظومة عربية تم إسقاطها، كما يسهل إسقاط القضية الفلسطينية من الحساب خاصة بعد تأييد عرفات لهذا الغزو. كذلك ثار الجدل حول تحرير الكويت، فرأى البعض في التحالف أنه خطأ ضد دولة عربية رئيسية ووقيعة بين الدول العربية، ورأى البعض الآخر أنه عملية تعويضية بدعم خارجي لتعزيز النظام العربي، في حين رأى بعض ثالث أن غزو العراق، والتصدي له، وإن أسفر عن إحقاق الحق وهو تحرير الكويت، وإن لم يكن هو الهدف الأمريكي، فإن ذلك كان فتنة أصابت جميعها الجسد العربي ومن قبله العقل العربي. كانت النتيجة أن الغزو سمح للأجندة الأمريكية والصهيونية للنيل مما تبقى من النظام العربي، وخلق عداء خليجياً وانقساماً عربياً، حتى إذا جاء الغزو الأمريكي للعراق وجد عالماً عربياً ضعيفاً، وبعضه سعيداً بالغزو الأمريكي لإنهاء نظام تجاسر يوماً على التهام الكويت. وعندما تم الاحتلال الأمريكي للعراق انقسم العقل العربي مرة أخرى، فأيده البعض وعارضه البعض الآخر، وعارض القسم الأول الانسحاب الأمريكي ورثى لحال الولايات المتحدة وتمنى أن تنهض من عثرتها، في حين وقف الفريق الثاني، ومنهم كاتب هذه السطور، ضد الغزو العراقي والغزو الأمريكي، ورأى أن كل ذلك ينال من الوضع العربي.
وأرجو أن تركز الدراسات اللاحقة على ثلاثة موضوعات تثقيفاً وتهذيباً للعقل العربي وتدريباً له على النقد. الموضوع الأول هو دراسة الأسباب التاريخية والتراكمية التي أدت بهذا العقل إلى مرحلة الاستسلام والخمول .
الموضوع الثاني هو طرائق حصر العقل العربي صوب الطابع النقدي في المنزل والشارع والمدرسة و في الحياة السياسية.
الموضوع الثالث هو كيف يتحول المصري من مستسلم لأقداره عاجز عن نقدها وتغييرها على كل المستويات دون أن يتهم بأنه يفتح عين المواطن على عورات النظام، أو أنه يسعى إلى تحريره من أغلاله، أو أنه يساعده على الشعور بواقعه المريض ويبين طريق الخلاص منه.

إضافة تعليق