أولوية الربيع العربي الاقتصادي في ضوء كتابات مالك بن نبي

تنطلق هذه الدراسة من منظور حضاري شامل في التعاطي مع سؤال التنمية الاقتصادية والإقلاع الحضاري للعرب والمسلمين، من خلال استعراض نموذج تفكير مالك بن نبي النسقي، وتحليلاته لأزمة التخلف الحضاري والاقتصادي والسياسي، كما حاول الكاتب بسط معالم النظرية الاقتصادية المميزة بطابع الخصوصية والمرتكزة على الإنسان/الفاعل، والإمكان الاجتماعي وصولا لتحقيق التنمية الذاتية والتكامل الاقتصادي والتحرر من الاستعمار والقابلية للاستعمار.

ينطلق الباحث من مقاربة تنحاز لفكرة التفسير السنني؛ أي لسنة تغليب لغة القيام بالواجبات على لغة المطالبة بالحقوق لانتفاء إمكانية الإيعاز الخارجي لتغيير الأوضاع الاقتصادية إلى الأحسن وتحقيق الأمن الغذائي والرفاه المجتمعي للشعوب العربية والمسلمة، معتبرا بأن الشعوب المتحررة من الاستعمار التقليدي رهينة استعمار جديد في حلّة منمقة، إذ حاول النظام الاقتصادي الدولي إيهامها أنها مسايرة لما يدور في العالم المتقدم، بينما هي صورة لا تعدو أن تكون إحلالا لطريقة جديدة استبدلت فيها السيطرة العسكرية على تلك المجتمعات بسيطرة اقتصادية تخول للمستعمر البقاء في مناطق نفوذه، بل منحته نفوذًا جديدا لا يقابل بالرفض بل الترحيب والقبول والتعاون.

تسعى الدراسة إلى التركيز على البعدين الاقتصادي والاجتماعي من منظور حضاري شامل، بدل الاهتمام بأفكار مالك بن نبي السياسية فقط كمفهوم "القابلية للاستعمار" أو "إرادة التغيير". ولذلك تحاول الدراسة المزاوجة بين إمكان استغلال البدائل المتاحة في موارد البلدان العربية وبين فرص التكامل الاقتصادي بين مختلف الأقطار العربية والإسلامية، لتجاوز الظاهرة الاستعمارية الجديدة.

تقدم الدراسة في محور أول الإطار المفاهيمي المستخدم في تحليل طبيعة النظام الاقتصادي من خلال تعريف المفاهيم الآتية:

النظام الاقتصادي: هو الصيغة التفاعلية بين الإنسان والتراب( بما فيه من ثروة) وفقا لقانون أخلاقي إنساني يوجه عمل الأفراد وينظم علاقته الاقتصادية بغيره من أبناء مجتمعه. وهذا النظام جزء من نسق شامل يستمد مدخلاته من بيئته المحيطة به الداخلية منها والخارجية، حيث ينتج منه نظاما اجتماعيا مثلما يساعد على إنتاجه، فينعكس تأثيره على تنمية المجتمع ورفاهيته. ومن ثم فالنظام الاقتصادي لكي يلبي حاجة المجتمع لا بد له من ملامسة الحقيقة الثقافية للمجتمع وأفكار ضميره الشعبي ويوافق القيم السائدة ضمن شبكة العلاقات الاجتماعية.

الاستعمار الناعم: إنه يشكل مرحلة ما بعد الاستعمار العسكري المباشر، وهو يشكل نوعًا من العبودية الاقتصادية التي ترزح تحت وطأتها الشعوب العربية والإسلامية، فهو نوع من التعويض عن التدخل الاستعماري المادي المباشر بسيطرة اقتصادية تخولها البقاء في مناطق نفوذها السابقة بدون مقاومة.

القابلية للاستعمار الاقتصادي: ركز مالك بن نبي على مفهوم الاستعمار باعتباره متغيرا تابعا، فهو مجرد بذرة صغيرة حقيرة ما كان لها أن تنبت وتؤتي أكلها لو لم تهيأ لها التربة الخصبة في العقول والأنفس، إذ يدخل في تركيبة شخصية الإنسان الإطار الثقافي الذي تلقى تربيته ضمنها باعتباره عمود بناء أي خطة اقتصادية ونجاح تنفيذها.

انتقلت الدراسة في المحور الثاني من الدراسة المعنون بـ: "التخبط في الخيارات الاقتصادية غداة الاستقلال"، حيث أرجعت التخبط في التطوير الاقتصادي بعد الحصول على الاستقلال إلى حالة تخبط العالم الداخلي للإنسان الذي تحول إلى فوضى اجتماعية وارتجال في تحديد الخطط والأهداف، فالتخطيط الاقتصادي ليس قضية إنشاء بنك وتشييد مصانع فحسب، بل هو قبل ذلك تشييد الإنسان وإنشاء سلوكه الجديد أمام كل المشكلات. لكن معظم دول العالم الثالث لجأت إلى استيراد كل شيء من العالم المتقدم بما في ذلك النظريات والأطروحات واختارت النموذج الغربي للاستهلاك منبهرة بمستوى الرفاه التقني لتلك الدول، فرغم محاولات الاستنهاض والتقدم التي استخدمت فيها الدول العربية والإسلامية أفكارا مستوردة من الشرق أو الغرب، لم تقو تلك المحاولات على شد الإنسان المسلم والعربي للعمل من خلالها، لأنها لم تعبر عن تطلعاته ولم تراع قيمه وخصوصياته.

تناولت الدراسة في المحور الثالث فلسفة التغيير عند بن نبي، إذ اعتبر مالك بن نبي التخلف مرتبطًا ارتباطًا وثيقًا بالقابلية لذلك الاستعمار ومواصلة الخنوع لتأثيراته الفكرية والثقافية والنفسية والاجتماعية والسياسية والاقتصادية والحضارية، فلا يقاس غنى المجتمع بما يملك من أشياء بل بمقدار ما فيه من أفكار، فالوطن المتخلف لابد له من استثمار كافة عقوله وسواعده وساعاته ودقائقه وكل شبر من ترابه، فتلك حسب بن نبي هي العجلة الضخمة التي يجب دفعها لإنشاء حركة اجتماعية واستمرار حركيتها.

فقد نجح غاندي يوم حرّر العامل الهندي من أسر البدلة البريطانية المستوردة، بإحلال المغزل البدائي اليدوي لإنتاج ألبسته، وكانت دعوته للمواطنين لإحراق الثياب المصنوعة في بريطانيا في الساحات العمومية أمام مرأى الجند البريطانيين بمنزلة الامتحان الأول لجاهزية الفرد الهندي للثورة، واختبارا لقوة إرادته في التغيير ونذير شؤم للاستعمار ومؤشرا لانطلاق مسيرة التحرر والتقدم.

يرى مالك بن نبي أن ما تحتاج إليه الشعوب هو صدمة ثقافية تحرمها من حرية التصرف في أكثر من ميدان، ففي الميدان الاقتصادي يجب عليها أن تكتشف قدرتها الحقيقية التي لا توجد على محور القدرة المالية ولكن على محور القدرة الاجتماعية، وطالما لم تقم البلدان المعنية بهذه الخطوة من أجل تحررها النفسي-الثقافي فإن تحررها الاقتصادي يصعب أو يستحيل، ومن ثم تبرز الحاجة إلى ثورة ثقافية تذلل مصاعبها وتكسر عقدها وتزيح العراقيل ولا سيما النفسية التي تعترض طريق نهضتها حيث تتمتع مجتمعاتها بسلطان اجتماعي يمثله الإنسان والأرض والزمان وهي العناصر المتاحة له دائما، على خلاف سلطان المال الذي لا يملكه دائما، والذي هو سبب تكبيل تحركاته، فالتغيير والنهضة عملة لها وجهان هما السياسة والاقتصاد، وتقوم المعادلة الإسلامية حيث تحوّل الأخلاق عنصري السياسة والاقتصاد إلى وظيفة اجتماعية، فالعلم والتقنية المتجردان من الأخلاق مصيرهما حتما وضع اقتصادي مناقض للأخلاق، تحوّل الرفاه الحاصل جراءه إلى مجرد نزوات عابرة ولذات مشبعة بطريقة باهتة لا تتوافق حتما مع متطلبات سعادة البشر وراحتهم.

إن محاولات الاستنهاض والتقدم بالنسبة إلى العالم الإسلامي، ليست قضية إمكان مالي، بقدر ما هي تعبئة للطاقات الاجتماعية أي الإنسان والتراب والوقت، في مشروعه تحركه إرادة حضارية لا تحجم أمام الصعوبات، فالإمكان الاجتماعي هو من يقرر مصير الشعوب والمجتمعات والدول.

إن العالم الإسلامي والعربي يملك من القدرات ما يؤهله ليس لإنقاذ وضعه الخاص فحسب، بل لإنقاذ البشرية كلها، إن هو أدرك ما يضم من طاقات وشحذ هممه، وعقد عزائمه لتحسين أوضاعه وتخلص من واقعه المتخلف القائم على المقاومة المستمرة للقابلية للاستعمار.

وحول "النظرية الاقتصادية ذات الخصوصية عند بن نبي"، استعرضت الدراسة طبيعة التصور الاقتصادي عند مالك بن نبي، التي تراعي خصوصياته وحاجاته الفعلية مثلما حدث في المجتمع الغربي، يظهر فيها الاقتصاد كفنٍ قرينا بمدلوله كعلم، ذلك أن الفن يعتمد على قيمته الذاتية وعلى مقدرته في التأثير في ظروف معينة، دون إغفال إمكان الاستفادة من النظريات السابقة التي لا تتناقض مع روح حاجاتنا.

تنقسم معالم التفكير الاقتصادي عند مالك بن نبي إلى ثلاث مستويات أساسية، وهي:

ثنائية واجبات /حقوق: وهذه النظرة منوطة بالأفراد والحكومات على السواء، كما أن شرط الحركية الاقتصادية مقرون بهذه الثنائية؛ الحق في لقمة العيش لكل فم، وواجب العمل على كل ساعد.

الاستغلال الرشيد للموارد: ركز مالك على المورد البشري باعتباره القيمة الأولى لنجاح أي مشروع اقتصادي، فالاستثمار المالي وحده غير كفيل بحل مشكلات البلدان المتخلفة، لا كما ولا كيفا، فهو لا يحلها كمًا لعدم تناسب الحاجات الحقيقية مع التقديرات مهما تواضعت، ولا كيفًا باعتباره مشروطا بالتزامات يرتبها المانحونـ خدمة لأغراض استراتيجية تناقض حاجات تلك المجتمعات أو لتصنيع صورتهم لديها. ومن هنا فالتركيز على المورد البشري يولد القدرة على العطاء والاستمرار بينما يتسم التركيز على المورد المالي بالندرة والقابلية للنفاد.

التكامل الاقتصادي: إنه ذلك المجال الحيوي الذي يحول العرب والمسلمين إلى حالة من العمل المشترك من أجل اقتصاد متحرر لا يخضع لضغط خارجي، يوحد الإمكانيات والحاجات والعقول والأيدي والأموال لتحقيق شروط الاكتفاء الذاتي.

تخلص الدراسة بناء على أفكار مالك بن نبي بأن الهوة الحاصلة بين عالم الفكر وعالم التطبيق هي السبب الأساسي في التخلف الحاصل في العالم الإسلامي، ما يوجد نقل الأفكار إلى حيز التطبيق العملي لتكمل عجلة البناء دورتها، وتتحول الأفكار إلى وظيفة اجتماعية ثورية الآفاق تقدمية الأبعاد.

إضافة تعليق

9 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.