أوهام العالمية الأدبية المُصنَّعة؟

نخطئ إذ نظن أن الترجمة تصنع النص العالمي، وَهْمٌ عربي كبير، فالترجمة مهمة وتفتح النص على أمم أخرى لكنها لا تصنع عالميته، ولو كان الأمر كذلك لانتقلنا إلى العالمية منذ زمن بعيد.
كثير من النصوص العربية كان لها حظ الترجمة إلى لغات متعددة، ولقد ترجم المستشرقون النصوص العربية الأكثر صعوبة، منها ما قام به لويس ماسينيون الذي اختص في الحلاج، وجاك بيرك الذي ترجم المعلقات ومختصر كتاب الأغاني وترجم القرآن الكريم، ودانيا ريغ الذي علمني النحو والصرف العربيين. وتُرجمت الفتوحات المكية وفصوص الحكم لابن عربي، وتُرجم للجاحظ جزئيا، كما ترجم للمحدثين أيضا، مثل: طه حسين، وتوفيق الحكيم، ونجيب محفوظ، والطيب صالح، وحنا مينة، وجمال الغيطاني، وكذا مئات النصوص من الأجيال التي أعقبت جيل الرواد، ولكن هل جعل هذا كله من النص الأدبي العربي مرجعا إنسانيا بالمعنى الثقافي مثل الآداب الآسيوية والزنجية الإفريقية وآداب أمريكا اللاتينية وآداب الدول الإسكندنافية، بالخصوص الرواية البوليسية؟
إن ما تنقله هذه الآداب للقيم الإنسانية كبير، أليس النص الأدبي العالمي-في نهاية المطاف-هو النص الذي يخترق الحدود والحيطان الوهمية ويصنع مجتمعا إنسانيا مشتركا؟ أي أن الكاتب في جهده الأدبي يرتبط حتما بالمحلية بمعناها الإنساني الأوسع، لكن في الوقت نفسه لا ينفصل ذلك مطلقا عما يشغل الإنسانية.
الإنسانية هي المشترك الوجودي والثقافي.. كيف ينقل الكاتب قرية حقيقية أو افتراضية من شبق الحدود إلى عالم أوسع يشمل معضلات البشرية، ومشكلة الأسطورة في الوجدان الشعبي، والفقر، والعطش، والظلم، والخوف، والطغيان، والحروب.. بحيث إن أي قارئ عبر العالم يشعر بنفسه معنيا بما ينجزه كاتب ما عن وضع ما، فالعالمية حلم ومسار أيضا في حياة أي محترف للكتابة.
أنتجب العبقرية العربية نصوصا مهمة تستحق صف العالمية، لكنها لا تكفي. لنأخذ مثالا على ذلك، ألف ليلة وليلة.
لقد اخترق هذا النص الوجدان الجمعي الإنساني وترك آثاره الكبيرة ليصبح نصا عابرا للحدود والقارات ليشتبك في رحلته مع ثقافات أخرى ويؤثر فيها ويتأثر بها. كم من كاتب عظيم قرأ هذا النص واستأثر هذا النص بداخله؟ جيمس جويس، ومارسيل بروست، وجورج أمادو، وغابرييل غارسيا ماركيز، وتيوفيل غوتييه في الليلة الثانية بعد الألف، وغيرهم. هذا نموذج ثقافي عربي وشرقي وإنساني، استطاع أن يحقق عالميته التي أخرجته من دائرة المجتمع العربي أو الشرقي، نحو عالمية بلا حدود، عالمية غير محسوبة. من هنا يصبح النص العالمي هو النص الذي حقق شيئا من الاتساع وأصبح جزءا من الذاكرة الإنسانية، فاخترق الحدود بوسائطه الفنية الخاصة، واستقر نهائيا في عمق التفكير الإنساني ليصبح جزءا من ثقافته العالمة أو الشعبية. ألف ليلة وليلة واحد من النصوص التي للعبقرية العربية نصيب فيها، بعد أن ساهمت في تحويله في العمق، فتخطت الحدود وأصبحت جزءا من الذاكرة الإنسانية الحية. نص ألف ليلة وليلة دخل بسلاسة كما تفعل النصوص الإنسانية العظيمة، فحرر الذاكرة الجمعية من ظلامها وذعرها ووضعها أمام جبروت الزمن، واحترم حرياتها الجسدية، واللغوية، وأعاد لها ألق الشوق الإنساني. هذا النص العربي حقق عالميته من خلال شبكة علاقاته التي نسجها مع الفعل الإنساني الحيوي والديناميكي. قد يكون العامل الزمني مهما جدا في تحقيق هذه الغاية أو هذه النقلة باتجاه رحابة لا حدود لها.
من هنا يتبدى بوضوح أن العالمية في هذا السياق لا تصنعها دائما اللحظة الراهنة والحاضر المتغير باستمرار، ولكنها ديمومة في الزمان والمكان وتستجيب لحاجة إنسانية حساسة، تراكم لا حدود له، ومن ثم فهو الذي يحمي المعرفة والثقافة والإنسان أيضا.
هذا وحده كاف لأن يجعلنا نتأمل ما يحدث أمامنا من حركة وتموجات ترفع نصوصا إلى مصاف النصوص العالية، وتنزل نصوصا عالية القيمة إلى حضيض التغاضي والنسيان. يجب أن يدفعنا ذلك إلى الكثير من التأمل والتريث، فكل شيء يحمل في عمقه صيغة المؤقت والهش. العالمية مدار تاريخي وليست إطارا زمنيا ولا إرادة للبشر فيه مهما حاولوا، وإلا لكانوا خلدوا كُتّاب الحواشي الضعيفة التي لا شيء يفرضها إلا قوة السلطان. إن ألف ليلة صارت جزءا من الذاكرة العالمية بفعل تأثير سحرها في الذاكرة الجمعـــية بالمعنى الإنســــاني الواسع عبر امتداد التاريخ وعبر فعل تلاقحي شرقي غربي معقد، إذ لا أحد عاقلا ومتبصرا يهمل ملمس أنطوان غالان Antoine Galland على الليالي.
يبدو أننا اليوم بصدد عالمية مبتورة تحتاج بالفعل إلى تأمل حقيقي، والكثير من عناصرها محكوم بشروط غير ثقافية وغير علمية، ولكنها تستجيب لشرطية سياسية مرتبطة بوضع محدد يراد تبريره بوسائط فنية وإبداعية. جانب العالمية الظالم لا يمكن نكرانه أبدا، ولكنه من المؤكد ظلم مؤقت في الزمان والمكان. هناك عالمية الـ (بيست سيلر) المصطنعة التي تعبر عن حاجة سياسية أكثر منها حاجة ثقافية وإنسانية. فليس كل ما تصنعه هذه العالمية صالحا لأن يكون تاريخيا مهما ولا زمنيا. الذاكرة قاسية ويمكن أن تنسى ما افتُرض عالميا بقوة الآلة الإعلامية، بسرعة كبيرة، لأنه في النهاية صناعة مفروضة وليس عالمية أدبية أو فنية تعتمد على وسائلها الداخلية الخاصة. هذه العالمية المصطنعة تتحكم اليوم في جزء من الوجدان الإنساني والعربي، وكثير مما يمر عبرها لا يساوي الشيء الكثير كقيمة فنية وأدبية، ولكنه يفرض بواسطة قوة وإرادة رجل الظل الذي يجيز ما يريد ويهمل ما لا يريد.
أكاد أقول إن الغرب الاستعماري دخل في عمق اللعبة وأصبح يتحكم في الظواهر الأدبــــــية، وهو الذي يحــــدد الغث من السمين والـ (بيست سيلر)، ونركض نحو خيارات تحددها القنوات الخارجية التي ليست أحكامها موضوعية دائما.

إضافة تعليق