أين ذهب المثقون؟.. غياب مقلق

كان المثقفون الفرنسيون، يحتلّون في العقود التي أعقبت نهاية الحرب العالمية الثانية، مكانة مرموقة في المشهد الثقافي الأوروبي، بل والعالمي، ذاك بوجود أسماء مثل: ريمون آرون وجان بول سارتر والبير كامو وكثير غيرهم. لكن، غابت الأسماء الفرنسية الكبيرة من المشهد في العقود الأخيرة.. فـ «أين ذهب المثقفون ؟».. هكذا يتساءل أستاذ العلوم السياسية في جامعة بيكاردي، انزو ترافيرسو، كما يقول عنوان كتابه الأخير.يتألف الكتاب من ثلاثة أقسام، تحمل العناوين التالية: «من ولادة المثقفين حتى تواريهم من المشهد» ثمّ «صعود المحافظين الجدد». ويحمل القسم الثالث عنوان: «ما هي البدائل بالنسبة للغد؟».
يناقش المؤلف في مجمل صفحات الكتاب، المعاني المعطاة عادة، للمثقّف. وآلية الانتقال من المثقف كصفة الى المثقّف كاسم. ويشرح الفرق بين فلاسفة القصر وفلاسفة عصر التنوير وصورة المثقف «الحديث». ويعرف المؤلف المثقف، أنه من «يسائل السلطة ويحتج على الخطاب السائد. ويبحث في جميع الأمور بذهنية نقدية». ومن خلال المقارنة بين عدّة حالات، يتحدث الباحث، عن آثار الستالينية والفاشية والنازية على المثقفين الأوروبيين عموما. وخاصة عن الستالينية التي شاعت في الأحزاب الشيوعية. إذ يكتب المؤلف:
«مارست الستالينية ضغطا كبيرا على فكر المثقفين». والمثقفون الذين يقصدهم المؤلف بالدرجة الأولى، هم أولئك الذين يطلقون عليهم توصيف، الملتزمين في قضايا الدفاع عن الحريّة، كل منهم من وجهة نظره. ويشير بداية الى أن هؤلاء المثقفين الملتزمين، تركوا الساحة لشخصيات إعلامية، أو لخبراء قريبين من السلطة القائمة.
هؤلاء المثقفون «الإعلاميون» يختلفون كثيرا، كما يشرح المؤلف، تحديدا من حيث ارتباطهم بالسلطة السياسية، عن مثقفي العقود المنصرمة الذين كانوا يتمتعون باستقلالية مالية، ويعلنون مواقفهم بمواجهة السلطة القائمة، عندما يرون أنها تجاوزت سلطاتها المشروعة والمنصوص عليها في الدساتير ولا يترددون في الدفاع عن المضطهَدين.
ويذكر في هذا السياق بالموقف الذي اتخذه المثقفون الفرنسيون، دفاعا عن الضابط الفريد دريفوس في نهاية القرن التاسع عشر، عندما اتهموه ظلما، بالتعامل مع الألمان. فيومها انقسمت فرنسا كلّها بين مؤيد لدريفوس ومطالب بإنزال أقسى العقوبات فيه.
وذلك الانقسام بدأ مع الرسالة الشهيرة التي وجهها الروائي إميل زولا، إلى رئيس الجمهورية الفرنسية، في جريدة «أورور» أو «الفجر». ويحدد المؤلف فترة صعود المثقف الملتزم، بالتقريب، اعتبارا من قضية «دريفوس» وحتى وفاة جان بول سارتر عام 1980.
ويسأل انزو ترافيرسو: هل سيؤدي القرن العشرين الذي انتهى عمليا مع انهيار جدار برلين وتفكك الاتحاد السوفييتي، إلى «نهاية المثقفين» أيضا ؟. ويبدو بوضوح في محاولته الإجابة على مثل هذا السؤال، أنه يفضّل الحديث عن ما يسميه تواري المثقفين أو خسوف نجمهم. والإشارة الى أن مثقفين قلة هم الذين حافظوا على حسّهم النقدي، ويثابرون على الاهتمام بالقضايا العامّة ويتخذون مواقف مبدئية منها، مثل الفيلسوف آلان باديو. ولكن يجهلهم الجمهور العريض.
ويتساءل: لماذا؟
ونجد أن الفكرة الأساسية التي يفسّر انزو ترافيرسو من خلالها تقهقر دور المثقف، تتمثل في القول ان غياب النقاش النقدي في المجال العام السياسي أو الاجتماعي منه، يمكن تفسيره ببنية وسائل الإعلام الخاضعة لقوانين السوق والقريبة من دوائر القرار. النتيجة هي حالة تهميش للمثقفين، الذين وجدوا أنفسهم على الهامش في بدايات القرن الحادي والعشرين. ويؤكد أنه سيكون بمقدورهم الانتفاض من جديد، وتثبيت دورهم في الحياة العامّة لبلدانهم.
إن المؤلف ينكبّ على دراسة تطوّر مكانة المثقف خلال القرن العشرين، وصولا إلى «حالة من الغموض»، تلفّ مفهوم المثقّف نفسه، في حقبة ما بعد الحداثة.
المؤلف في سطور
يعمل انزو ترافيرسو، مؤلف الكتاب، أستاذاً للعلوم السياسية في جامعة بيكاردي الفرنسية. وهو مؤرّخ إيطالي متخصص في التاريخ الثقافي الأوروبي المعاصر، وفي جرائم النظام النازي. من مؤلفاته: التاريخ الممزّق، التاريخ كميدان معركة.
الكتاب: أين ذهب المثقفون؟
تأليف: انزو ترافيرسو
الناشر: تكستويل، باريس ــ 2013
الصفحات: 371 صفحة

إضافة تعليق