إبداع الكفاءات

تعاونت المتخصصة الأميركية في حقل الفلسفة القديمة والقانون والأخلاق، مارتا نيوسباوم، طوال عقد الثمانينيات من القرن الفائت، مع الاقتصادي ذي الأصل الهندي، أمارتيا سن، الحائز جائزة نوبل للاقتصاد في عام 1998. وكان تعاونها بالتحديد، حول رهانات التنمية الاقتصادية والأخلاق. وقدمت مارتا نيوسباوم كتابا تحت عنوان "ليس من أجل الربح"، شرحت فيه فضائل دراسة العلوم الإنسانية، من أجل مقاربة أفضل لمصير الإنسانية خلال القرن العشرين.
ثم كرّست عملها الأخير، الذي يحمل عنوان "إبداع الكفاءات"، للبحث في الشروط التي يمكنها أن تنمّي الكفاءات لدى البشر؛ وذلك في منظور خلق عالم أكثر عدالة.

والنقطة الأساسية التي تنطلق منها المؤلفة في تحليلاتها، التأكيد على "الحرية والكرامة" بالنسبة لكل إنسان، مبينة أن الفروق بين البشر لا ينبغي اعتبارها وفهمها، سوى على أساس "تباين الكفاءات". وهي تعتمد في هذه المقولات أساساً على نظرية العدالة لدى الفيلسوف جون باول.

 وتشير إلى أن باول حدد مفهومه السياسي بالتزام جميع المواطنين في الاعتراف المتبادل بأنهم أشخاص أحرار ومتساوون، في إطار منظومة اجتماعية، على غرار نموذج الولايات المتحدة. وأما هي فتؤكد في هذا الكتاب، أنها تحدد العدالة بتحقيق الشروط نفسها، ولكن على المستوى الإنساني كله.

 وتتساءل المؤلفة عن أنه إذا حقق بلد ما زيادة في إجمالي إنتاجه الداخلي، فهل هذا يترافق مع زيادة نسبة أبنائه الذين يستفيدون بالنسبة ذاتها، من التربية الأساسية والعناية الصحية وغيرها من الخدمات الأساسية؟ وسؤال آخر: إذا اعتمدنا على المؤشرات الاقتصادية التقليدية، فكيف يمكننا أن نفهم واقع أن مليارات البشر يعانون حالة عامة سيئة، على مختلف المستويات؟

 وتوضح المؤلفة أن النظريات السائدة للتنمية، تنتج سياسات تتجاهل الاحتياجات الأكثر أساسية وجوهرية بالنسبة للكرامة الذاتية ولاحترامها. وهنا تؤكد ضرورة "إبداع الكفاءات" من أجل الشروع ببناء نموذج آخر. وتشرح أن مقولة "إبداع الكفاءات"، التي كان قد تبنّاها الاقتصادي امارتيا سن، تؤكد أن سياسات التنمية لا ترمي فقط إلى زيادة الثروة العامة، ولا ترمي إلى التوزيع العادل للثروات الأساسية فحسب، بل عليها أن تأخذ باعتبارها التنوع "البيولوجي" والاجتماعي للأفراد.

 وتبين المؤلفة في تحليلاتها، دور العواطف والانفعالات في الحياة الأخلاقية والسياسية، في توجيه سلوكيات البشر. وهي ترى أنه من المهم جدا، في مجال العمل على زيادة الكفاءات الإنسانية، تبني نموذج تربية يفتح الطريق أمام القبول الحقيقي لدى الجسد الاجتماعي كلّه للتنوع الثقافي.

 وتؤكد بالوقت ذاته، أهمية الليبرالية السياسية كمنظومة تنظّم عمل المجتمع، فهي التي يمكنها أن تسمح بتشجيع تنمية مختلف الكفاءات والقدرات، من خلال تأمين المساواة المفترضة بين البشر، في الكرامة والقيمة الإنسانية. وأيضاً من خلال تشجيع حرية الخيارات.

 ومن الأفكار التي يشدد عليها الكتاب، القول ان مسألة تنمية الكفاءات ليست مجرّدة، بل هي خاضعة للمحددات الاجتماعية التي تحيط بها.. وبالنظر إلى تعدد الأمم، فإنه لا يمكن تطبيق المعايير ذاتها في مختلف المفاهيم، بل ينبغي الاعتراف بتنوّع هذه الأمم، وعدم إلغاء هذا التنوع باسم دولة عالمية مفترضة، في إطار العولمة الراهنة. ولكن بالمقابل، يستلزم مطلب العدالة، وجود "جرعة" من مشاركة جميع الأمم بعدد من المعايير، الأخلاقية والإنسانية. وفي المحصلة، تطالب المؤلفة بنموذج ينمّي الكفاءات الإنسانية، يتجاوز حدود مفهوم "إجمالي الإنتاج الداخلي".

  وتؤكد أنه يكفي النظر إلى نموذج جنوب إفريقيا في عهد التمييز العنصري، وإلى الصين حالياً، لمعرفة أن النمو الاقتصادي وحده، يشكل معيارا خادعا للتقدم الإنساني. والقول ان هناك مؤشرات أخرى للثروة، يتمثّل أهمها في تحقيق البشر لمسيرة تقدمهم، مع احترام الاختلاف الثقافي، وشرط أن يخدم الازدهار الاقتصادي، حياة الناس العاديين.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
3 + 7 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.