إبراهيم الكوني .. أفنيت عمري كي أمكّن الصحراء أن تقول كلمتها

قال الكاتب والروائي إبراهيم الكوني “الصحراء ليست ثروة مادية بل روحية أيضاً، فترى كل الأديان مثلاً جاءت من الصحراء ولم تبخل علينا لأنها كلمة الحرية في حق العبودية، ولذا هي تحد لأوروبا وللعقلية الأوروبية فالحرية في الصحراء أنك تستطيع زيارة الموت والعودة منه سالماً، فالزمان والمكان ميثولوجيان في الصحراء، وهي بكر دوماً ولذا تفيض على العالم بالحكمة والحقيقة”.
جاء ذلك عندما حلّ مؤخرا ـ ضيفاً على برنامج “كتاب مفتوح” الذي يعدّه ويقدّمه الشاعران عبد الرزاق الربيعي ووسام العاني برعاية مركز حدائق الفكر للثقافة والخدمات، في أمسية افتراضية بُثت على جميع منصات التواصل الاجتماعي، حيث قدم الكاتب الذي رفد المكتبة العربية والعالمية بالعديد من الروايات والكتب والمؤلفات التي تربو على الثمانين القضايا التي تواجه إنسان هذا العصر وجودياً وثقافياً.
وأضاف” هناك كتابات كثيرة عن الصحاري ولكنها سياحية وخارجية وليست نابعة من ميثولوجيا الصحراء ولذلك استقبل الأوروبيون هذا الأدب واعتبروه فتحاً باعتباره قارة جديدة دخلت الأدب العالمي. لذلك أفنيت عمري كي أمكن الصحراء أن تقول كلمتها هي وليس ما أريد لها أن تقول. وهذا مقياس الأصالة ولذا هي كلمة حقيقية وإلا لما نالت هذا الاعتراف في العالم”
وقال الكاتب الحاصل على العديد من الجوائز العالمية المهمة التي لم يفز بها كاتب من قبله، وله طروحاته وأفكاره في كثير من القضايا الفكرية المعاصرة والتحديات”لاحظت مبكراً منذ الستينيات، غياب الرؤية الفلسفية في أدبنا العربي المعاصر، سيما الروائي منه. واكتشفت لاحقاً أن السبب هو غياب الروح الميثولوجية أو غياب استنطاق البعد الميثولوجي في الوجود أو في المكان. ونحن الذين نتعامل بلغة عبقرية وعظيمة وعريقة وثرية كاللغة العربية، أكثر من يجب أن يعنى بهذا البعد لأن التراث العربي كله ميثولوجي، الشعر العربي ميثولوجي، والقرآن ثروة ميثولوجية، والقص العربي القديم ميثولوجي”.
وقدّم الكاتب بداية ملخصاً عن رحلته الممتدة من الصحراء الكبرى حتى أوروبا حيث وجد في عنوان الأمسية (من الصحراء الكبرى إلى جبال الألب) محرضاً لتداعي أفكاره وطروحاته بخصوص هذه الرحلة التي تمتد لخمسة عقود، حيث قال:”يقيناً أن الضياع هو شفرة وجودية ميتافيزيقية ذات أبعاد غيبية وفلسفية في آثارها النهائية، لأننا في الواقع كلنا ضائعون وغرباء في هذا العالم، نبحث عن الفردوس المفقود ونفرّ لمطاردة حلم بغض النظر عن هويته. وانطلاقاً من عنوان الأمسية (من الصحراء الكبرى إلى جبال الألب) وهو إشارة إلى مفارقة المكان أو سؤال المكان ودوره في تكوين الإنسان تكوين المبدع كإنسان. والسؤال المطروح هل المكان هو المهم أم البعد المفقود في المكان؟ وهل ما يستهوينا في هذا الوجود هو الوطن أم الميثولوجيا التي تسكن الوطن.
وعن إصراره دائماً على الكتابة باللغة العربية رغم أنها ليست لغته الأم، أجاب الكوني: “اللغة العربية أصبحت لغتي الأم لأني أحببتها ولأنها استطاعت أن تدلني على هويتي الميثولوجية المنسية ولهذا أنا مدين لها. ورغم أن الكثير نصحني بالكتابة بغيرها، إلا أني بقيت وفياً لها لأن ما يهمني ليس المجد وإنما الحقيقة”. وفي سؤال عن لمن يقرأ من الروائيين العرب أجاب الكوني أنه يقرأ للكلاسيكيين منهم مثل نجيب محفوظ والطيب صالح وغائب طعمة فرمان في كتاباته المبكرة لأنهم ميثولوجيون. ولهذا استطاعوا أن يكتبوا أدباً عالمياً وأصبحوا أكثر حضوراً من كتاب معاصرين. وأشار إلى أن مشكلة الأدب العربي الحداثي هو الهوس بالبعد السياسي والأيديولوجي وهما أكبر عدو للجانب الوجودي. وأقر بصعوبة متابعة بقية الكتاب المعاصرين لظروف تنقله بين البلدان على مدى عقود من الزمن.
وفي سؤال إن كان تحصّل على ذخيرة حية من جبال الألب كما تحصل عليها من الصحراء، أجاب الكوني:”كل الأمكنة ذخائر، والإنسان الذي ترك الحرية المجسدة وهي الصحراء ونزل للواحات، كانت بالنسبة لي فخاً وسجناً ولم أطقه، ثم كانت العتبة التالية إلى عاصمة جنوب ليبيا ثم إلى طرابلس الحاضرة حيث سواحل البحر الأبيض المتوسط، ثم القفزة الخرافية إلى بلاد الديلم ما وراء الستار الحديدي حينما كان الاتحاد السوفيتي في ذروة قوته، وهي التجربة التي لم ولن أندم عليها. وجدت الانسان هناك طبيعياً كما في الصحراء فهم عفويون وودودون، وهذا يعني أنهم مفتوحون على الآخر، ويعني أنهم شعراء بالطبيعة ويبدون لصيقين بالطبيعة رغم قسوتها، ومدين لهم ولبيئتهم أني تعلمت الانضباط الذي كدت أنساه من الصحراء لأنها منضبطة بأعلى الدرجات. قبل أن أتحول إلى بولونيا ثم مرة أخرى إلى روسيا ثم إلى جبال الألب وهي أطول فترة عشتها في أوروبا قبل أن أتحول إلى أيبار الآن.

إضافة تعليق