إخراج المسلمين من التيه أهم من السيطرة على الذرة!! قراءة في كتاب "في فكر مالك بن نبي"(الجزء الثالث)

شبكة العلاقات الاجتماعية:يعود اهتمام مالك البالغ بالثقافة إلى أنها الوجه الداخلي للحضارة، فكل ما نراه من مظاهر الحضارة يعود إلى التركيب الثقافي الذي يمنحه المجتمع لأفراده، أما حينما تنتقل أشياء الحضارة إلى جزء آخر من العالم فإنها لا تنشئ حضارة، فالعالم الإسلامي صار لديه الكثير من أشياء الحضارة، ولكن مشكلات التخلف بقيت راسخة القدم داخله.
وحينما نتحدث عن بناء الفرد من وجهة نظر مالك فيجب أن نضيف بعداً آخر إلى بنائه، وهو علاقة الفرد مع بقية المجتمع، فمالك يفرق هنا بين الفرد والشخص، فالإنسان هو مبدئياً فرد له طاقات محددة، ولكن بعد أن توظف هذه الطاقات في نطاق عمل المجتمع يصبح هذا الفرد شخصاً.
فكل ما هو مرغوب لنا جميعاً من نجاح اقتصادي أو صناعي أو غيره يرجع إلى العلاقات. إن كل عمل حسي نشاهده في المجتمع هو مظهر خارجي، ولا معنى لهذا المظهر الخارجي إلا بحسب العلاقات التي توحد العلاقات الاجتماعية وتنظمها. هذه العلاقات التي تصنع التاريخ، يذكر مالك مثلاً كيف أن ألمانية بعد أن خسرت الحرب خطط لها اقتصادي هو الدكتور شاخت كيف تعود إلى فعاليتها، وفعلاً نجحت خطته في فترة وجيزة. ولكن نفس تخطيط الدكتور شاخت فشل في إندونيسية لأنه لم يأخذ في الحسبان السياق الثقافي المناسب. وهذا السياق الثقافي هو الذي يتحول إلى رأس مال رمزي وفكري قابل للنماء والازدهار.
يستشهد مالك بن نبي هنا بالحديث الشريف: (المؤمن للمؤمن كالبنيان يشد بعضه بعضاً) فهذا الحديث يصور المجتمع عندما تكون شبكة علاقاته في أقصى نموها ففي مجتمع عدد أفراده مئة يكون للفرد علاقات بتسعة وتسعين شخصاً، يهتم أن ينال الخير كلاً منهم وأن يدفع الضر عن كل منهم، وأما الحالة المقابلة، حينما تبلى شبكة العلاقات الاجتماعية تماماً، فإن المجموع الكلي للعلاقات بين الأفراد يكون مساوياً للصفر.
وتكون العلاقات الاجتماعية فاسدة عندما تصاب الندوات بالتضخم، فيصبح العمل الجماعي المشترك صعباً أو مستحيلاً، إذ يدور النقاش حينئذ لا لإيجاد الحلول للمشكلات، بل للعثور على أدلة وبراهين.
إن تحصيل الإنجازات الحضارية مرتبط مباشرة بمقدار فعالية العلاقات الاجتماعية وبمقدار سلامة بناء الأفراد، فإذا عدنا الآن إلى معادلة بناء الحضارة:
الحضارة = إنسان + تراب + وقت
فإن العنصرين الثاني والثالث، أي الجانب المادي والزمن، يكتسبان الأهمية حينما يصبح الفرد مؤهلاً للقيام بالرحلة الحضارية، يقارن مالك مثلاً بين تصرف جمعية مسلمة في الجزائر بمواردها المالية وبين جمعية يهودية، فالجمعية المسلمة أنفقت أكثر المال على المظاهر، والجمعية اليهودية أنفقت المال على بناء قدرات الأفراد، ففي هذه الحال لا يحق للجمعية المسلمة أن تشكو من قلة الموارد المالية، وإنما هناك خطأ في إدراك المكونات الحقيقية للعمل الناجح.

وحدة الأصل الإنساني:
كانت نظرة مالك إلى صنع التاريخ أنه حركة جمعية تشارك الأمم في صنعه. ولذلك فإن حل مشكلة الجزائر ينبغي أن ينظر إلها ضمن نطاق أوسع من نطاق الجزائر، إن الجزائر جزء من العالم الإسلامي، والعالم الإسلامي جزء من آسية وإفريقية، في نطاق يسميه مالك محور طنجة –جاكرتا، ومحور طنجة – جاكرتا جزء من العالم. وكل هذه الإطارات لا بد منها لكل من أراد التغيير.
ابتكر مالك في حديثه عن تقسيم العالم مثالاً أورده في كتاب فكرة الإفريقية الآسيوية، واستخدمه فيما بعد كذلك. يتخيل مالك أن زائراً من كوكب آخر طار فوق الأرض مرتين. في المرة الأولى طار فوق الجزء الشمالي من الكرة الأرضية، من واشنطن إلى طوكيو، في المرة الثاني طار فوق الجزء الممتد من طنجة إلى جاكرتا، هذا الزائر الغريب لا يرى إلا ظواهر الأشياء، لا يعرف لغات الناس ولا عقائدهم ولا تقسيماتهم العرقية.
إن هذا الزائر سيرى المشهد متشابهاً في رحلته الأولى من واشنطن إلى طوكيو، إن تنظيم الوقت، وحركة الناس، والمصانع، وحركة المقاهي في الليل، متشابهة، وفرقة الباليه القادمة من موسكو تجد جمهوراً مشابهاً للجمهور في باريس، إن المشهد يعكس نموذجاً من البشر متشابهاً، وفي رحلته الثانية من طنجة إلى جاكرتا، وهو المحور الذي يغلب عليه العالم الإسلامي، سيرى الزائر الغريب مدن الأكواخ في ضواحي الدار البيضاء مشابهة لمدن الأكواخ في ضواحي بومباي، ويرى الوقت لا شكل له، والجماهير لا تشعر بالساعات الضائعة، فالإنسان لم يفرض إرادته هنا إنه يجد نموذجاً آخر من الإنسان متشابهاً ومختلفاً عن النموذج على محور واشنطن – طوكيو.
إن على أهل محور طنجة - جاكرتا أن يكون لهم عمل مشترك. كانت شعوب هذا المحور قد بدأت العمل على أساس معاداة الاستعمار، ولكن مالك بن نبي يرى أن هذا الهدف يجب أن يتغير الآن. فوثبة الشعب لا يمكن أن تنطلق من الحقد، على الاستعمار، إذ أن الحرمان والحقد يشلان كل جهد خلاق، إن فترة معاداة أوروبة لا ينبغي أن تطول، وإنما على شعوب المنطقة أن تتجه إلى البناء الاجتماعي. أن نتحدث عن الواجبات بدل الحديث عن الحقوق، صحيح أن الاستعمار مدان أخلاقياً، ولكن سوطه المؤلم أخرج الشعوب من رقادها وبدائيتها.
لقد نظر الأوروبي خلال الفترة السابقة إلى بقية العالم لا على أنهم بشر حقاً، ولكن على أنهم أبناء مستعمرات، وكذلك نظر أبناء هذه الشعوب إلى أنفسهم أنهم متخلفون. فالاستعمار لا عمل له إلا بوجود القابلية للاستعمار لدى الطرف الآخر فهذه ثنائية لا نزال نعيشها مقابل الغرب.. وحين يتخلص الإنسان على محور طنجة – جاركتا من هذه المشكلة فإنه يجبر الأوروبي على الارتفاع بضميره إلى مستوى الإنسانية.
وإذا لم تكن معاداة الاستعمار هدفاً مناسباً يوجه تحرك دول إفريقية وآسية فما المبدأ الذي يجب أن تتحرك صوبه؟ إن اليابان قد اختارت النموذج الغربي عن قصد منذ عام 1868م. ولكن دول آسية وإفريقية لا تتحرك وفق نظرية، وهذه مشكلتها، ويقترح مالك مبدأ السلام لتتجه صوبه دول هذا المحور، إن هذا المبدأ أرقى من السلام القسري الذي رضخ له الغرب حيث كان سلاماً فرضه خوف الأطراف بعضها من بعض بينما مبدأ السلام هو أرسخ من ذلك ويعتقد مالك أن القرآن الكريم كان يهدف إلى ذلك المبدأ حين قرر: (لا إكراه في الدين) (البقرة 256)
ويريد مالك أن ينفي المسلم من ذهنه فكرة السيطرة التي ورثناها من فترة التوسع الإسلامي، إن مبدأ السيطرة ينافي الآية القرآنية: (تلك الدار الآخرة نجعلها للذين لا يريدون علواً في الأرض ولا فساداً والعاقبة للمتقين) (القصص 83).
وهكذا فإن علينا حسبما نفهم من مالك أن نرى أنفسنا على ثلاثة مستويات، على مستوى العالم الإسلامي، ثم أن نفكر على مستوى دول آسية وإفريقية لأن نموذج الإنسان متشابه على هذا المحور، ثم أن نفكر على مستوى الإنسانية لأن كل العالم الآن هم ركاب في قطار واحد بحيث يرتبط مصير بعضهم ببعض.

أخيراً: مالك والفعالية!
لقد كان من أهمّ ما توجهت إليه بحوث مالك بن نبي أن يزيل من وجه المسلم ما يمنعه من الفعالية، وهو يتحدث في هذا السياق، إن المستشرقين يريدون منا أن تدور بحوثنا في نطاق بعيدة عن مشكلاتنا الحقيقية، فكتاب (زيغريد هونكه) (شمس الله تسطع على الغرب) قد يفرح المسلم كثيراً لأنه يمدح الإسلام، ولكنه في نظر مالك مخدر يصرف المسلم عن البحث الجاد في مشكلاته، وحتى عمل طنطاوي جوهري في التفسير هو في نظر مالك بن نبي جهد جبار لا جدوى منه، إنه تكديس للمعلومات وعلمانية عقيمة، إنه عملية تعويض يفر بها المفسر من معالجة تحدي الحضارة الغربية والغرب نفسه لم يصل إلى حضارة الذي نراه من خلال جهود أفراد كدسوا المعلومات، ولكن من خلال جهود أفراد طرحوا طرقاً جديدة للسير من أمثال كالفن وديكارت.
هنا نرى كيف أن مالك بن نبي كان حاداً في نقده للإنتاج النظري الذي لا يتصل بعمل ما ولا يزيد قدرة المسلم على أخذ زمام المبادرة وفرض إرادته على صنع التاريخ، فالبحث النظري الذي لا يهدف إلى شيء عملي هو جهد مدان عند مالك. بينما هو أصبر الناس على البحث الجاد الهادف إلى كشف ما يعيق المسلم عن أخذ مكانه في العالم، إن مالكاً في هذا يشبه الطبيب المتقن الذي يتصف بالصبر في بحثه عن التشخيص الصحيح. بعكس المريض أو أهل المريض الذين يتصفون بقلة البحث النظري، فإننا يجب أن نعرف ماذا ندين، فالبحث في النظرية النسبية ونظرية (الكوانتوم) بدأ أولاً وكأنه بحث نظري لا جدوى منه، ولكن هاتين النظريتين أثمرتا السيطرة على الذرة وثورة الإلكترونيات وأظن أن إخراج المسلمين من التيه أهم من السيطرة على الذرة وأهم من ثورة الإلكترونيات وهذا ما يجعل فكر مالك حياً اليوم.

إضافة تعليق

4 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.