إسرائيل الغيتو

منذ البدء وعندما تم التفكير بإنشاء الكيان الصهيوني في فلسطين، أدركت بعض القيادات الصهيونية التي جاءت إلى فلسطين، واطلعت على المعطيات الديموغرافية فيها، أن أكذوبة كبيرة يتم الترويج لها "أرض بلا شعب لشعب بلا أرض" إذ إنهم وجدوا شعبا يكدح ويعيش على أرضه، ويصنع حياة متنوعة غنية بالإبداع والعطاء، وموصولة بسلسلة طويلة من الإرث التاريخي الذي تظهر شواهده في كل مجالات الحياة وتجلياتها المتنوعة؛ لذا أطلقوا تحذيراتهم المبكرة، وطالبوا بتوفير وبناء الحصون والقلاع القادرة على حماية ما يتم احتلاله، طبعا بمساعدة قوى أجنبية، لردع وتخويف أصحاب البلاد، ومحاولة التغلب عليهم، وإن أمكن تشريدهم وطردهم من أراضيهم.

وما زال هذا التوجه مستمرا حتى بعد قيام الكيان، أي ما زالت القلاع والحصون والأسيجة تقام على جميع الحدود التي أمكن الوصول إليها، من سيناء وغزة في الجنوب، إلى أقصى الشمال على حدود لبنان، وعلى الحدود السورية والأردنية، إذ إن هناك ورشة كبيرة من البناء والتسييج على طول تلك الحدود، بل إن جدارا (جدار الفصل العنصري) ما زالت ورشته قائمة في الداخل الفلسطيني المحتل، للفصل بين ما تم احتلاله من أراض في العام 1948، وبين ما تم احتلاله في العام 1967، ويجري البناء فيه على أراض يمنع القانون الدولي البناء عليها، لأنها أراض محتلة.

مع ذلك فإن الكيان الصهيوني المحمي والمدعم من قبل الغرب الأوروبي والأميركي، لا يأبه في الكثير من الأحيان لما يرتبه وينص عليه القانون الدولي، ولم يكتف هذا الكيان ببناء الحصون والقلاع والجدران والأسيجة التي تقام وتفصل بين بلدات وقرى ومدن وأراضي الفلسطينيين فقط، بل إنها تبني طرقا خاصة والتفافية، كي تمنع التقاء الصهاينة بغيرهم من الفلسطينيين، وهذا من الشواهد المهمة على العنصرية التي تدمغ تصرفات وخطط وتطبيقات هذا الكيان.. كأن واقع ووقائع "الغيتو" والعزل والإنعزال أصبحت من سمات الأفراد والمجتمع، بفعل عوامل وبواعث وأسباب عديدة، تدل عليها شواهد كثيرة.
من بواكير ما جاء على ألسنة بعض قادة الصهاينة في التأكيد على بناء القلاع والحصون والأسيجة، يمكن تسجيل التالي: في كتاب "الدولة اليهودية" لهرتزل الصادر في العام 1897 جاء ما يلي: "ونقيم هناك في فلسطين جزءا من حائط لحماية أوروبا في آسيا يكون عبارة عن حصن منيع للحضارة في وجه الهمجية، ويتوجب علينا كدولة "محايدة" أن نبقى على اتصال بأوروبا التي ستضمن وجودنا في المقابل".

وذكر الزعيم الصهيوني جابوتنسكي في عام 1925 "إن الاستعمار الصهيوني حتى في أضيق نطاق، يجب إما إنهاؤه وإما تنفيذه على الرغم من إرادة السكان المحليين. لذا لا يمكن للاستعمار أن يستمر إلاّ في ظل حماية مستقلة عن السكان المحليين، أي داخل حائط حديدي لا يمكن للسكان المحليين اختراقه". وجاء في كتاب "موسوعة المفاهيم والمصطلحات الصهيونية" للدكتور عبد الوهاب المسيري في ما يتعلق بالتفكير "الغيتوي" لدى الصهاينة ما يلي: " ويظهر أثر التفكير الغيتوي على الفكر الصهيوني في تقديمه لكل ما هو يهودي، وفي تصوره أن اليهود والدولة الصهيونية هما مركز الدنيا والتاريخ، وفي فصله الحاد بين اليهود والأغيار، ويظهر أثر الغيتو على فكرة الأمن الإسرائيلي المبنية على الشك العميق في الأغيار".
تطبيقا لهذه المقولات وغيرها، ما زال بناء القلاع والحصون والأسيجة والجدران مستمرا حتى يومنا هذا، لكن هل منع كل هذا وغيره عشاق الأرض من التواصل معها، والارتماء في أحضانها، وتجاوز كل المعوقات؟ أنها المعادلة العصية على أفهام بعض الصهاينة: شبان رضعوا حليب التواصل والحنين لأرض لم يروها إلا في الصور، لكنها عششت في تلافيف أدمغتهم وفي حنايا قلوبهم في الشتات والغربة، ما يدفعهم إلى تلبية نداء الواجب، كأنهم أجبروا بالقوة على سلوك درب النكبة في التو، ثم جاءوا لإحقاق الحق، وإعلاء كلمة العدل، واستعادة الأملاك والدور والأرض.

 

إضافة تعليق

12 + 1 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.