إصلاح التعليم الديني من منظور ابن خلدون "ج 2 "

خامساً: تحويل علوم الآلات إلى علوم مقصودة لذاتها: كما فعل المتأخرون في صناعة النحو و صناعة المنطق وأصول الفقه لأنهم أوسعوا دائرة الكلام فيها وأكثروا من التفاريع والاستدلالات بما أخرجها عن كونها آلة وصيرها من المقاصد وربما يقع فيها لذلك أنظار ومسائل لا حاجة بها في العلوم المقصودة فهي من نوع اللغو وهي أيضا مضرة بالمتعلمين على الإطلاق لأن المتعلمين اهتمامهم بالعلوم المقصودة أكثر من اهتمامهم بوسائلها فإذا قطعوا العمر في تحصيل الوسائل فمتى يظفرون بالمقاصد ؟ فكلما خرجت عن ذلك خرجت في المقصود و صار الاشتغال بها لغوا مع ما فيه من صعوبة الحصول على ملكتها بطولها و كثرة فروعها. و ربما يكون ذلك عائقا عن تحصيل العلوم المقصودة بالذات لطول وسائلها مع أن شأنها أهم و العمر يقصر عن تحصيل الجميع (10).
أمثلة يوردها ابن خلدون لما ذكر (11):
1- نموذج الفقه المالكي: يضرب ابن خلدون لما ذكر مثلاً من الفقه في المذهب المالكي والكتب المدونة فيه وما كتب عليها من الشروحات الفقهية لكثيرة، ثم مطالبة المتعلم بتمييز الطريقة القيروانية من القرطبية والبغدادية والمصرية وطرق المتأخرين عنهم والإحاطة بذلك كله وحينئذ يسلم له منصب الفتيا، وهي كلها متكررة والمعنى واحد، والمتعلم مطالب باستحضار جميعها وتمييز ما بينها والعمر ينقضي في واحد منها.
و لو اقتصر المعلمون بالمتعلمين على المسائل المذهبية فقط لكان الأمر دون ذلك بكثير وكان التعليم سهلاً ومأخذه قريباً، ولكنه –كما يصف ابن خلدون- داء لا يرتفع لاستقرار العوائد عليه فصارت كالطبيعة التي لا يمكن نقلها و لا تحويلها.
2- نموذج اللغة العربية: و يمثل أيضاً بعلم العربية من كتاب سيبويه وجميع ما كتب عليه وطرق البصريين والكوفيين والبغداديين والأندلسيين من بعدهم و طرق المتقدمين والمتأخرين مثل ابن الحاجب و ابن مالك وجميع ما كتب في ذلك، فكيف يطالب به المتعلم وينقضي عمره دونه ولا يطمع أحد في الغاية منه إلا في القليل النادر.
فالظاهر أن المتعلم و لو قطع عمره في هذا كله فلا يفي له بتحصيل علم العربية مثلا الذي هو آلة من الآلات ووسيلة فكيف يكون في المقصود الذي هو الثمرة.
ثالثاً- مقترحات ابن خلدون في علاج مشكلات التعليم:
ينطلق ابن خلدون في تصوره لعلاج مشكلات التعليم التي تطرق إليها من تصوره لمكانة التعليم في العمران ودوره كصنعة أساسية لا تحققها الطرق السائدة في عصره، لذلك نجده يقترح في هذا المجال ما يمكن تلخيصه في العناصر التالية:
أولاً: التركيز على تحصيل الملكة، وأهم طرق تحصيلها وأيسرها فتق اللسان بالمحاورة والمناظرة في المسائل العلمية فهو الذي يقرب شأنها ويحصل مرامها، وقد أشار إلى كون طرق التعليم الممتدة تعتمد على الحفظ والتلقين ويغيب فيها الحوار ويقضي الطالب وقتاً طويلاً وهو ساكن لا يتحرك، ويتخرج وهو لا يجيد الكلام والحوار (12).
ثانياً: إتباع وجه الصواب في تعليم العلوم وطريق إفادته: يقترح في هذا المجال إتباع ما يلي:
1- التدريج في التعليم شيئاً فشيئاً وقليلاً قليلاً، فإن قبول العلم والاستعدادات لفهمه تنشأ تدريجاً وذلك بـ:
– البدء أولاً بمسائل من كل باب من الفن هي أصول ذلك الباب.
– ثم شرحها على سبيل الإجمال و يراعى في ذلك قوة عقله واستعداده لقبول ما يرد عليه حتى ينتهي إلى آخر الفن وعند ذلك يحصل له ملكة في ذلك العلم إلا أنها جزئية و ضعيفة، وغايتها أنها هيأته لفهم الفن و تحصيل مسائله.
– ثم يرجع به إلى الفن ثانية فيرفعه في التلقين عن تلك الرتبة إلى أعلى منها ويستوفى الشرح و البيان ويخرج عن الإجمال ويذكر له ما هنالك من الخلاف ووجهه إلى أن ينتهي إلى آخر الفن فتجود ملكته.
-ثم يرجع به و قد شد فلا يترك عويصاً ولا مهماً ولا مغلقاً إلا وضحه وفتح له مقفله فيخلص من الفن وقد استولى على ملكته هذا وجه التعليم المفيد وهو كما رأيت إنما يحصل في ثلاث تكرارات (13).
2- عدم تداخل المسائل ببعضها: فلا ينبغي للمعلم أن يخلط مسائل الكتاب بغيرها حتى يعيه المتعلم من أوله إلى أخره ويحصل أغراضه ويستولي منه على ملكة بها ينفذُ في غيره، لأن المتعلم إذا حصل ملكة ما في علم من العلوم استعد بها لقبول ما بقي وحصل له نشاط في طلب المزيد والنهوض إلى ما فوق حتى يستولي على غايات العلم وإذا خلط عليه الأمر عجز عن الفهم وأدركه الكلال وانطمس فكره ويئس من التحصيل وهجر العلم والتعليم (14).
3- تقصير مدة التعليم: فينبغي لك أن لا تُطوِّل على المتعلم في الفن الواحد بتفريق المجالس وتقطيع ما بينها لأنه ذريعة إلى النسيان وانقطاع مسائل الفن بعضها من بعض فيعسر حصول الملكة بتفريقها، وإذا كانت أوائل العلم وأواخره حاضرة عند الفكرة مجانبة للنسيان كانت الملكة أيسر حصولاً و أحكم ارتباطاً وأقرب صنعة لأن الملكات إنما تحصل بتتابع الفعل وتكراره وإذا تنوسي الفعل تنوسيت الملكة الناشئة عنه (15).
4- عدم خلط العلوم ببعضها: فمن المذاهب الجميلة والطرق الواجبة في التعليم أن لا يخلط على المتعلم علمان معاً فإنه حينئذ قل أن يظفر بواحد منهما لما فيه من تقسيم البال وانصرافه عن كل واحد منهما إلى تفهم الآخر فيستغلقان معاً ويستصعبان و يعود منهما بالخيبة. وإذا تفرغ الفكر لتعليم ما هو بسبيله مقتصراً عليه فربما كان ذلك أجدر لتحصيله (16).
ثالثاً: التوسع في العلوم المقصودة بالذات دون علوم الآلات: كالشرعيات من التفسير والحديث والفقه وعلم الكلام، و كالطبيعيات والإلهيات من الفلسفة، وذلك بتفريع المسائل واستكشاف الأدلة والأنظار فإن ذلك يزيد طالبها تمكناً في ملكته وإيضاحاً لمعانيها المقصودة، والاقتصار في العلوم التي هي وسيلة وآلة لغيرها كالعربية والحساب والمنطق فلا ينبغي أن ينظر فيها إلا من حيث هي آلة لذلك الغير فقط، و لا يوسع فيها الكلام ولا تفرع المسائل لأن ذلك يخرج بها عن المقصود إذ المقصود منها ما هي آلة له لا غير (17).
رابعاً:التحذير من الشدة على المتعلمين لأنها مضرة بهم، لأن الشدة من سوء الملكة، فينبغي للمعلم في متعلمه والوالد في ولده أن لا يستبدا عليهما في التأديب. يقول ابن خلدون شارحاً أثر الشدة في التعليم وما يورثه في العمران عموماً: “ومن كان مرباه بالعسف والقهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضَيَّقَ عن النفس في انبساطها وذهب بنشاطها ودعاه إلى الكسل وحَمَل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحَمِيَّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس و عاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر و نال منها العسف (18).
الخاتمة:
إن ما أورده ابن خلدون في تشخيصه لقضايا التعليم وما اقترحه من علاج لمشكلاته إنما هو جزء من تصوره لمكانة التعليم في العمران كصنعة أساسية من صنائعه، وكأن ابن خلدون فيما نظَّره قبل ستة قرون إنما يتحدث عن سنة حضارية ندرك آثارها اليوم، فالعلاقة بين التعليم والتنمية اليوم وما يطرح في هذا المجال ما هي إلا صياغة حديثة لما أورده ابن خلدون حول العلاقة بين التعليم والعمران، وأهم مشكلات التعليم المعاصر تحوُّله من ملكة وصناعة فاعلة إلى تلقين وحفظ وسنوات طويلة تقضى بالدرس والامتحان بغض النظر عن جدواها، ولا يتم تقييم أثرها في العمران والتنمية، وبالخصوص في مجال التعليم الديني الذي لم يكن منفصلاً عن غيره، حيث ما يزال وصف ابن خلدون لأحوال التعليم الديني والمتعلمين في عصره – والذي نجد للمصلحين وصفاً شبيهاً به لأحوال التعليم في القرن العشرين (19) صالحاً اليوم لاسيما في المعاهد الشرعية التي تخرج حفظة للمتون والمعارف النقلية بغض النظر عن حصول الملكة في التعامل معها وتوظيفها في الحياة، بل وإن المحاورة والجدل الذي اعتبره ابن خلدون هو الذي يفتق الملكة لدى المتعلم يبقى الغائب الأساسي في التعليم اليوم سواء في المدارس أو الجامعات وبجميع الاختصاصات، وما اقترحه ابن خلدون من علاج لهذه الأدواء التي شخصها إنما هي قواعد عامة تمثل سنة حضارية لا تتخلف عبر العصور.
فهل تكون استعادة فكر ابن خلدون بعد ستة قرون على رحيله مؤشراً على بداية جادة للنهوض الحضاري أم تبقى مهرجاناً كسائر المهرجانات الثقافية تفاخر بماضيها وتؤكد عجز التعليم والفكر العربي والإسلامي عن إيجاد شخصية بوزن ابن خلدون.
ورقة قدمها الدكتور عبد الرحمن حللي في ندوة عن ابن خلدون بعنوان “إصلاح التعليم الديني من منظور ابن خلدون” وكانت نشرت حينها في مجلة محلية في حلب وهي غير متوفرة على الانترنت، وقد أكرمنا بها الدكتور لنشرها في “زدني للتعليم”.
هوامش:
(1) ورقة قدمت في: ندوة ” ابن خلدون 600 سنة على وفاته”، والتي عقدت في كلية الآداب بجامعة حلب، يومي 27-28/3/2006.
(2) انظر: ابن خلدون، المقدمة، دار القلم- بيروت ط:11/ 1992، ص:430.
(3) المقدمة، ص:434.
(4) المقدمة، ص:435.
(5) المقدمة، ص:432.
(6) المقدمة، ص:432.
(7) المقدمة، ص:531-532.
(8) المقدمة، ص:531.
(9) المقدمة، ص:532-533.
(10) المقدمة، ص:537.
(11) المقدمة، ص:531-532.
(12) المقدمة، ص:431.
(13) المقدمة، ص:533 وما بعدها.
(14) المقدمة، ص:534.
(15) المقدمة، ص:534.
(16) المقدمة، ص:534.
(17) المقدمة، ص:536-537.
(18) المقدمة، ص:540.
(19) أورد الشيخ راغب الطباخ مثلاً في كتابه “الثقافة الإسلامية” وصفاً لأوضاع المدارس الشرعية هي أشد سوءاً مما وصفه ابن خلدون، وما قام به الشيخ راغب الطباخ من إصلاح لهذه المدارس في الإدارة والمناهج هو أفضل من حالها اليوم

إضافة تعليق