إصلاح التعليم الديني من منظور ابن خلدون "ج1"

 من كان مرباه بالعسف و القهر من المتعلمين أو المماليك أو الخدم سطا به القهر، وضَيَّقَ عن النفس في انبساطها و ذهب بنشاطها و دعاه إلى الكسل وحَمَل على الكذب والخبث وهو التظاهر بغير ما في ضميره خوفاً من انبساط الأيدي بالقهر عليه، وعلَّمه المكر والخديعة لذلك وصارت له هذه عادة وخلقاً وفسدت معاني الإنسانية التي له من حيث الاجتماع والتمرن وهي الحَمِيَّة والمدافعة عن نفسه ومنزله، وصار عيالاً على غيره في ذلك بل وكسلت النفس عن اكتساب الفضائل والخلق الجميل فانقبضت عن غايتها ومدى إنسانيتها فارتكس و عاد في أسفل السافلين، وهكذا وقع لكل أمة حصلت في قبضة القهر و نال منها العسف”

ابن خلدون

تمهيد: (1)

تبدو قضية التعليم عموماً والديني خصوصاً من أهم عناوين الإصلاح التي طرحت محلياً وعالمياً، لاسيما بعد أحداث العنف التي افتتح بها هذا القرن الجديد، وأصبح تغيير المناهج من الخطط الاستراتيجية للقوى المهيمنة في العالم، وبالخصوص من خلال مشروع (الشرق الأوسط الكبير)، لكن هذا الطرح العالمي للموضوع لا يضيف جديداً غير كشف حقيقة ما يعانيه التعليم في العالم العربي والإسلامي، فالتأمل فيما آل إليه التعليم الديني بالخصوص من نتائج عملية على صعيد الواقع يجعل الحديث عنه يحتل صدر الأولويات، فهو في معظمه إما مغرق في نمطية تاريخية بعيدة عن الواقع شكلاً ومضموناً، أو يؤدي بشكل مباشر أو غير مباشر إلى تطرف فكري أو تسطيح لفظي لا يمس العمق أو عزلة عن حركة الحياة المعاصرة دون فاعلية فيها.

فذكريات الطالب حول مقرر التربية الإسلامية هي الأسوأ بين المقررات الأخرى فهو الأقل أهمية واعتباراً ومدرسوه هم الأقل كفاءة واحتراماً، نظراً لطبيعة العلاقة بين الطالب والأستاذ القائمة على التسلط والأمرية، فضلاً عن المكانة الثانوية التي تحتلها المادة بين مختلف المقررات، وذاكرة الطالب عن حصص ذلك المقرر قلَّما تحمل معلومة بقدر ما تحمل طرفاً يتندر بها الطلاب، فهو مقرر ممتهن رسمياً في معظم الدول العربية، ولا ينتظر والحال هذه أن يتخرج طالب من المدارس وهو يحمل حصانة علمية ضد أي تيار يمكن أن يجرفه إلى ممارسة العنف ضد الآخرين (الإرهاب) باسم الجهاد، أو ضد نفسه (الرهبنة) باسم التصوف.

لذلك يكاد يجمع المعنيون بالتعليم الديني على وجود أزمة فيه، مع اختلاف في طبيعتها وتشخيصها وطرق معالجتها، فإصلاح مناهج التعليم عموماً والديني خصوصاً هو ضرورة ذاتية قبل أن يكون مطلباً عولمياً، وإصلاح التعليم هو واحد من بين ملفات كثيرة فتحت للنقاش في العالم العربي والإسلامي، وصادفت خللاً حقيقياً يستحق المعالجة، ومما أجج الجدل حول الموضوع ما اتخذ من قرارات بهذا الشأن في وزارات التربية في دول عديدة لاسيما في مغرب الوطن العربي وخليجه، فتم تقليص ساعات مقرر التربية الدينية أو إلغاؤها في بعض المراحل أو دمجها بمواد أخرى،  أو غيرت مضامينها لاسيما تلك التي تتصل بمفاهيم الجهاد وغيره.

ما يستحق التنبيه في هذا المجال أن رجال الإصلاح كانوا هم أول من تنبه إلى تردي التعليم الديني من جميع نواحيه، وقدموا مشاريع لإصلاحه، نجد ذلك لدى محمد عبده وراغب الطباخ والطاهر بن عاشور وغيرهم، هذا في العصر الحديث أما في العصور الماضية فكان دعاة الاجتهاد يركزون بالخصوص على مراجعة مناهج النظر والبحث الفقهي، وكان ابن خلدون من أبرز من طرح مشكلات التعليم الديني صراحة وصفاً وتشخيصاً، ومقترحات علاج، وراهنية الحديث عن إصلاح التعليم تستدعي استحضار منظور ابن خلدون للموضوع كونه أبرز مفكر في التاريخ الإسلامي عالج القضايا الحضارية من منظور شامل، فقد أعطى للعلم والتعليم الدور الوظيفي الذي يؤديه في العمران, وربط بين التعليم والممارسة، وقدم في مقدمته رؤية حول العلم والتعليم مشخصاً مشكلاته ومقترحاً عناصر للعلاج، وسنعرض رؤيته من خلال ثلاثة عناصر تتناول:

أولاً- التعليم والعمران:

ثانياً- تشخيص مشكلات التعليم في عصره:

ثالثاً- مقترحات ابن خلدون في علاج مشكلات التعليم

أولاً- التعليم والعمران:

يعتبر ابن خلدون أن تعليم العلم صنعة من جملة الصنائع لا بد لحصولها من ملكة في الإحاطة بمبادئ العلم وقواعده والوقوف على مسائله واستنباط فروعه من أصوله، وهذه الملكة هي غير الفهم و الوعي الذي يشترك فيه الجميع، ويستدل على ذلك باختلاف الاصطلاحات في العلم، فلكل إمام من الأئمة المشاهير اصطلاح في التعليم يختص به شأن الصنائع كلها فدل على أن ذلك الاصطلاح ليس من العلم، و إذ لو كان من العلم لكان واحداً عند جميعهم (2).

فنظريته تقتضي أن العلوم إنما تكثر حيث يكثر العمران و تعظم الحضارة، فـ “الصنائع إنما تكثر في الأمصار. و على نسبة عمرانها في الكثرة والقلة والحضارة والترف تكون نسبة الصنائع في الجودة والكثرة لأنه أمر زائد على المعاش. فمتى فضلت أعمال أهل العمران عن معاشهم انصرفت إلى ما وراء المعاش من التصرف في خاصية الإنسان و هي العلوم و الصنائع. و من تشوف بفطرته إلى العلم ممن نشأ في القرى و الأمصار غير المتمدنة فلا يجد فيها التعليم الذي هو صناعي لفقدان الصنائع في أهل البدو” (3).

فثمة علاقة عضوية بين ازدهار العلوم والعناية بها وبين استمرار العمران وازدهاره واتصال سند التعليم في البلاد. (يستشهد لذلك بحال الأندلس والمشرق)
ويصنف العلوم الواقعة في العمران مقيداً هذا التصنيف بعهده تحصيلاً و تعليماً إلى صنفين: الأول: صنف طبيعي للإنسان يهتدي إليه بفكره، هي العلوم الحكمية الفلسفية والتي يمكن أن يقف عليها الإنسان بطبيعة فكره ويهتدي بمداركه البشرية إلى موضوعاتها ومسائلها وأنحاء براهينها ووجوه تعليمها حتى يقفه نظره ويحثه على الصواب من الخطأ فيها من حيث هو إنسان ذو فكر، والصنف الثاني: نقلي يأخذه عمن وضعه، وهي العلوم النقلية وهي كلها مستندة إلى الخبر عن الواضع الشرعي، ولا مجال فيها للعقل إلا في إلحاق الفروع من مسائلها بالأصول لأن الجزئيات الحادثة المتعاقبة لا تندرج تحت النقل الكلي بمجرد وضعه فتحتاج إلى الإلحاق بوجه قياسي، ثم يستتبع ذلك علوم اللسان العربي الذي هو لسان الملة و به نزل القرآن، وأصناف هذه العلوم النقلية كثيرة لأن المكلف يجب عليه أن يعرف أحكام الله تعالى المفروضة عليه وعلى أبناء جنسه، وهذه العلوم النقلية كلها مختصة بالملة الإسلامية وأهلها (4).

ثانياً- تشخيص مشكلات التعليم في عصره:

يحاول ابن خلدون في تحليله لوضع التعليم الديني في عصره التركيز على الأسباب التي تحول دون تحول التعليم إلى ملكة لدى المتعلم بحيث تسهم في العمران، ويمكن تلخيص تلك الأسباب التي يراها أضرت بالناس في تحصيل العلم والوقوف على غاياته فيما يلي:

أولاً: طول مدة التعليم، ويعزو طولها إلى قلة الجودة في التعليم خاصة، لاسيما وأن تلك المدة التي يقضيها الطالب إنما تتم دون نقاش وحركة فيها، فبعد ذهاب الكثير من أعماره الطلاب في ملازمة المجالس العلمية تجدهم سكوتاً لا ينطقون و لا يفاوضون، وبالتالي لا يحصلون ملكة (5).

ثانياً: الخلط بين الملكة العلمية والحفظ: فالعناية بالحفظ أكثر من الحاجة، و ظنهم أن الحفظ هو المقصود من الملكة العلمية و ليس كذلك(6).

ثالثاً: كثرة التآليف في العلوم: وذلك لأن كثرة التآليف تشكل عائقاً عن التحصيل، وذلك من زاوية مطالبة الطالب بتحصيلها والوقوف عليها فيحتاج المتعلم إلى حفظها كلها أو أكثرها ومراعاة طرقها، ولا يفي عمره بما كتب في صناعة واحدة إذا تجرد لها فيقع القصور ولابد دون رتبة التحصيل (7).

رابعاً:اختلاف الاصطلاحات في التعاليم و تعدد طرقها، ومطالبة المتعلم باستحضارها (8).

خامساً: كثرة الاختصارات المؤلفة في العلوم: فقد ذهب كثير من المتأخرين إلى اختصار الطرق والأنحاء في العلوم يولعون بها ويدونون منها برنامجاً مختصراً في كل علم يشتمل على حصر مسائله وأدلتها باختصار في الألفاظ وحشو القليل منها بالمعاني الكثيرة من ذلك الفن، و ربما عمدوا إلى الكتب الأمهات المطولة في الفنون للتفسير والبيان فاختصروها تقريبا للحفظ، وصار ذلك مخلا بالبلاغة وعسِراً على الفهم. وهو فساد في التعليم وفيه إخلال بالتحصيل، وذلك لأن فيه تخليطاً على المبتدئ بإلقاء الغايات من العلم عليه وهو لم يستعد لقبولها بعد و هو من سوء التعليم، ثم فيه مع ذلك شغل كبير على المتعلم بتتبع ألفاظ الاختصار العويصة للفهم، لأن ألفاظ المختصرات تجدها لأجل ذلك صعبة عويصة فينقطع في فهمها حظ صالح عن الوقت. ثم بعد ذلك فالملكة الحاصلة من التعليم في تلك المختصرات إذا تم على سداده ولم تعقبه آفة فهي ملكة قاصرة عن الملكات التي تحصل من الموضوعات البسيطة المطولة لكثرة ما يقع في تلك من التكرار و الإحالة المفيدين لحصول الملكة التامة (9).

إضافة تعليق

15 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.