من المشاريع الأساسية التي أراد الرئيس الأميركي الحالي باراك اوباما، أن تطبع فترته الرئاسية، وكما كان قد حدد في برنامجه الانتخابي، هناك مشروع الإصلاح الصحّي ومشروع إصلاح المنظومة التربوية
وهذا المشروع الثاني يشكل صلب كتاب الصحافي الأميركي ستيفن بريل، والذي يحمل عنوان "حرب التعليم "، ويبحث فيه الرهانات الحقيقية والخفايا الكامنة للمعركة الدائرة حول الصيغة التي سيتم على أساسها رسم ملامح ثابتة للمنظومة التعليمية الأميركية.
إن المؤلف يقدّم في هذا العمل، مضمون أكثر من مائتي محادثة كان قد أجراها مع عاملين وأخصائيين في الحقل التربوي ورجال سياسة ورجال أعمال وغيرهم، إضافة إلى العديد من الشهادات. وهذا كلّه في منظور تطوير خطة إصلاحية للنظام التربوي والتعليمي الأميركي.
ومثل هذا الإصلاح لا يزال يراوح في مكانه عملياً، منذ قرنين من الزمن، إذ لم تعرف المنظومة التعليمية الأميركية خلالهما سوى بعض الإصلاحات الطفيفة. ويقوم المؤلف بداية، بتوصيف النظام التربوي والتعليمي الأميركي، على أنه يتسم قبل كل شيء، بالمركزية وبتبني برنامج واحد وتتمتع المدارس بمكانة قانونية واحدة.
وتقوم كل ولاية من الولايات المتحدة الأميركية بتمويل منظومتها المدرسية وتحدد على أساس منظومة من الاختبارات المحلية والقومية مستوى الطلبة فيها، حسب قوانين مطبّقة منذ عام 2002، كانت قررتها إدارة جورج وولكر بوش، وعززتها الإدارة الأميركية الحالية.
والمؤسسات التعليمية ـ المدارس، وغيرها، إذ تحقق مثل هذه الجهات الخاصة بها، درجة عالية من التفوّق لطلبتها في تلك الاختبارات حول المعارف العامّة تستفيد من مساعدات إضافية اتحادية- فدرالية. وتبقى المناطق الفقيرة، الأكثر تأثراً من حيث ان أبناءها هم الأقل نجاحا في الاختبارات المدرسية العامّة، وبالتالي الأقل استفادة من المساعدات الأميركية العامّة.
وتتم الإشارة الى أن الرئيس الأميركي الأسبق بيل كلنتون، كان قد سمح لواشنطن بتمويل تعليم الطلبة من ذوي الدخل المحدود، الذين كانوا يترددون إلى المدارس في الولايات التي اعتمدت إصلاحات في منظومتها التعليمية. وهذا ما زايد عليه لاحقا الرئيس جورج وولكر بوش، برفع شعار :" لن يترك طفل دون تعليم". بل وفرض غرامات على المدارس التي لا تستجيب للمعايير الوطنية الأميركية الخاصّة بمستويات التعليم.
ومن أهم الإصلاحات التي يتم التعرّض لها، تلك التي تخص "المدارس القائمة على أساس عقد". ويتم إنشاؤها في أغلب الأحيان من قبل مدرّسين أو من قبل أولياء الطلبة، وهي مجانية، ومثالها المدارس العامّة.ويوجد في الولايات المتحدة اليوم، حوالي 5000 مدرسة تعمل بعقد.
ويتردد إليها حوالي 1.3 مليون طالب، وتوجد نسبة مهمّة منها، في ولايتي كاليفورنيا ومينوزيتا. وهذه النسبة لا تمثل سوى 2 بالمائة من مجموع المدارس الأميركية. وهذه المدارس تابعة إذاً للقطاع العام التعليمي، ولكنها تتمتّع بقدر كبير من الاستقلال الذاتي.
وفي كل الحالات يتم النظر إلى هذا النوع من المدارس على أنه نموذج "طليعي" في السياق الأميركي. والميثاق المقصود هو وثيقة تحدد هدف المدرسة المعنية وأهدافها. وأمّا تمويل هذه المدارس فهو مناط بشكل كامل بالسلطات العامّة المسؤولة. وهذا يترتب عليه عدم امتلاك المدرسة حق اختيار طلبتها، وعدم تدريس دروس تتعلّق بالمعتقدات الدينية، بمعنى أنها مدارس علمانية، وعدم تقاضي رسوم تسجيل.
ولا يتردد مؤلف الكتاب في توجيه الكثير من النقد للمنظومة التربوية الأميركية. وأيضاً في التأكيد أن الهمّ الأكبر للغالبية العظمى من المدرّسين تتسم بالميل إلى الكسل، وأن المدرسين من هذه الفئة يحمّلون مسؤولية الفشل عامّة للأحوال المادية للسواد الأعظم من الطلبة. كما يطال النقد، النقابات العاملة في حقل التعليم العام، التي "تهمل" إلى حد كبير، البعد التعليمي، وتركز على المكاسب الماديّة.
وهذا في الوقت الذي نجحت فيه بعض المدارس "القائمة على عقود خاصّة"، في توظيف مدرسين مجدّين، ساعدوا الطلبة على "تجاوز فقرهم". والمثال المضروب على ذلك، مدرسة حي هارلم "التعاقدية" التي تعمل في ظروف المدارس العامّة نفسها، ولكنها تحقق نتائج مدرسية أفضل منها في جميع الامتحانات العامّة التي يخوضها الطلبة. وهذا "رغم أنهم ينتمون إلى الوسط الاجتماعي نفسه، ويتلقون التأهيل ذاته"، كما يكتب المؤلف.
والحلّ الأساسي الذي يقترحه المؤلف، محاولة التصدّي للأسباب الجوهرية الكامنة وراء تدني المستوى التعليمي للقسم الأكبر من الطلبة الأميركيين، بسبب الحالة الاجتماعية للأهل.
ثمّ إن الباحثين في علوم الاجتماع يتفقون على القول إن "فقر الأهل يشكل عاملاً أكثر أهمية من نوعية المدرسين، فيما يتعلّق بالمستوى التعليمي للأبناء".
جريدة البيان
إضافة تعليق