احمد العاقد: تحصين الخطاب الديني يتم عبر تجديد مضامينه

يشي الخطاب الديني عن عمق علاقة مائزة بين الإنسان ومعتقده عبر إشارات تعكس البعد العلائقي الذي تنبني فيه تمثلاته الدينية وفق مقاربة اختيارية تروم التسويغ الإيماني دون إكراه؛ إذ لا إكراه في الدين. وبما أن الخطاب الديني هو جزء من الهوية والتكوين الروحي والنفسي والاجتماعي، وجب على جميع الفاعلين من علماء ومثقفين النهوض بهذا الخطاب وتجديد مضامينه وتحديث أشكاله عبر تجاوز المذهبية الضيقة والحزبية البغيضة التي يدعي فيها أصحابها أنهم على حق، وما سواهم على باطل، وأصبحت نزعة "أنا خير منك" أكثر رواجا في خطاباتهم؛ قال تعالى: "فَتَقَطَّعُوا أَمْرَهُمْ بَيْنَهُمْ زُبُراً كُلُّ حِزْبٍ بِمَا لَدَيْهِمْ فَرِحُونَ" المؤمنون/53.

ويتطلب الخطاب الديني تجاوز الأسلوب الانغلاقي القائم على التكرار والاجترار، سيما ما تعلق بفتاوى التحليل والتحريم والأوامر والنواهي والعقائد والغيبيات، والبعيد عن تحديات العصر وقضايا الساعة ومسايرتها، ما جعل الخطاب بهذا المعنى يسقط في العشوائية، لأنه لا يركن إلى معايير وقواعد محكمة تفيد الإنسان في حياته اليومية وتوجه سلوكه نحو الانضباط والالتزام المنفتح، وتفعّل المشترك بين الأديان والمذاهب قصد تحصين المجتمع الإنساني من التطرف وثقافة العنف.

لذلك، يستدعي الأمر ضرورة النهوض بالخطاب الديني، حتى يكون خطابا إنسانيا يستجيب للحظة الراهنة غاية في بناء إنسانية إيجابية تعمق الحس الديني، وتحمي من أخطار التطرف، وتسهم في التنمية والتحول.

فوق ما تقدم، ولملامسة الفعل الديني وتجديد خطابه وتطوير آليات الفهم والتأويل عبر مقاومة الاستراتيجية السكونية الحامية للفكر المتحجر والمتطرف، يرافقنا في هذا الحوار الدكتور أحمد العاقد، وهو باحث مغربي متخصص في التواصل وتحليل الخطاب، وعضو المكتب التنفيذي لمؤسسة "المشروع للتفكير والتكوين"، وعضو اتحاد كتاب المغرب. حصل على شهادة الدراسات العليا في التواصل السمعي البصري من المعهد العالي للصحافة بالرباط – 1996، وعلى الدكتوراه في الآداب من كلية الآداب والعلوم الإنسانية، جامعة محمد الخامس بالرباط – 2005، ومن إسهاماته: "تحليل الخطاب الصحافي: من اللغة إلى السلطة" دار الثقافة – 2003، و"المعرفة والتواصل: عن آليات النسق الاستعاري" دار أبي رقراق – 2006، و"آليات التواصل: دراسات في تنوع أشكال الخطاب" دار أبي رقراق - 2016.

* بصفتكم متخصصين في تحليل الخطاب، كيف ترون الخطاب الديني اليوم؟

للإجابة عن هذا السؤال، تجدر الإشارة إلى أن مفهوم الخطاب يرتبط، في الأدبيات المعرفية الرائدة، بمفهوم السياق، حيث تتحدد الملامح الكبرى للخطابات في ما تمنحه الملابسات المحيطة والظروف العامة من مؤشرات قوية في إدراك وفهم معاني النص والكلام في مختلف المجالات. ولذلك، يقتضي وصف وتحليل الخطاب الديني الأخذ بعين الاعتبار سياقه الخاص المتمثل في وضعية المعتقد داخل الفضاء العمومي وفي تمثلات الإنسان المعاصر عن الدين وأدواره الممكنة في الحياة والمجتمع. ومن ثمة، تختلف بشكل كبير قراءة الخطاب الديني في السياقات الغربية أو الآسيوية عن قراءته في السياق العربي والإسلامي، نتيجة التباين الجوهري في منظومة القيم ومسالك التربية وأنساق التفكير. وبما أن سؤالكم، كما فهمت، يقصد رصد الخطاب الديني الراهن في العالم العربي، فإن القراءة السياقية التي نذهب إليها تحتم تأمل المؤشرات الدالة الصادرة عن المعطيات الدولية والعربية من أجل ضبط الآليات الذهنية المتحكمة في طرفي المعادلة الخطابية؛ أي قواعد توليد الخطاب الديني ومبادئ تأويله.

وينبغي التأكيد، في بداية الأمر، أن السياق المعاصر يشهد تحولات مجتمعية ومعرفية كبرى على المستوى الدولي، لم يستطع العالم العربي مواكبتها بالشكل المطلوب، مما أدى إلى بروز اختلالات أساسية عرقلت تطور التفكير العربي ومعالجته للقضايا الفلسفية والفكرية ذات البعد الاستراتيجي؛ ويندرج الخطاب الديني الراهن ضمن هذا الوضع العام، حيث لم يتمكن بدوره، من مسايرة المستجدات العلمية والمعرفية بالإيقاع المناسب، إما بشكل متعمد ناتج عن التعصب والانغلاق أو بسبب العجز وعدم القدرة على التفاعل المعرفي. ولذلك، لم يتمكن الفاعل الديني في العالم العربي من بلورة تصور منسجم ومتماسك يمكنه من تشكيل خطاب توافقي ومؤثر. والأكثر من ذلك، أن المعطيات المعاصرة تفيد، من الناحية المنهجية، استحالة الحديث عن خطاب ديني واحد وموحد، ما دامت المجتمعات العربية تعيش تحت وطأة خطابات متعددة متضاربة أحيانا، ومتباعدة أحيانا أخرى، يستحيل التقريب أو التوفيق بينها. ويعود هذا التعدد السلبي في الخطابات المتضاربة أو المتباينة إلى إذكاء نوع من الصراع المذهبي ذي البعد السياسي المهيمن وادعاء الفاعل الديني امتلاك الحقيقة الدينية، وإعمال أدوات تقليدية في فهم النصوص الدينية بالاستناد إلى التفسيرات الوقفية مع تجنب التأويلات المحتملة. إنها خطابات جماعية تشكل من جهة تمثيلات ذهنية عن ماهية المعتقد الديني والبنيات العلائقية لمختلف المعتقدات الدينية الإنسانية، وتشكل من جهة أخرى، اختيارات استراتيجية تختلف في المنطلق: من المؤتلف أو من المختلف، من المشترك الإنساني أو من التباينات المذهبية.

وبالطبع، أمام هذه المساحات الشاسعة للخطابات الدينية الممتدة ما بين الشكل الخطابي "المتمرد" والشكل الخطابي "الرسمي"، يتعين على الفقهاء المؤهلين والمثقفين المهتمين المبادرة إلى تحصين الخطاب الديني عبر تجديد مضامينه وتحديث أشكاله بما يجعله خطابا إنسانيا منصتا للحظة الراهنة ومستشرفا للأفق المستقبلي.

* نلاحظ اليوم، العديد من الفتاوى التي تصدر عن فقهاء في الدين، وهي فتاوى تناقش العديد من القضايا، فهل هذا يدل على أن ثمة تجديدا في الخطاب الديني؟ أم إن هذه الفتاوى ما هي إلا امتداد واجترار لما أفتى به الفقهاء القدامى؟

ينبغي التأكيد في البداية، على أن الفتوى الدينية فعل اجتهادي يروم الاستجابة لحالة خاصة لا يعالجها النص الديني بشكل صريح، مما يقتضي اللجوء إلى بلورة فهم نوعي وإعمال آليات التأويل في هذا الاتجاه أو ذاك. وبناء على هذا المعطى النظري، لا يمكن للفتاوى أن تكون هي نفسها في فترات زمنية مختلفة، ما دامت تجيب عن قضايا مخصوصة، وما دام أن القضايا تختلف باختلاف أحوال الناس وأوضاعهم واختلاف أولويات أزمانهم. غير أن الوقائع في عالمنا العربي الإسلامي تبرز، للأسف الشديد، أن الفتاوى الدينية تتجاذبها استراتيجيتان فكريتان متعارضتان: استراتيجية سكونية تريد للزمن الإسلامي أن يتوقف، وأن يجعل نمطا مغلقا من فهم الدين ينطبق على جميع الفترات التاريخية، ويتعالى على كل الأوقات، واستراتيجية دينامية تسعى إلى تجديد الفهم الديني وانفتاح القراءة الدينية عبر ملاءمة مقتضيات النصوص الدينية لمستجدات المجتمع ومتغيرات الحياة. وأعتقد أن الأزمات التي يعيشها العالم العربي الإسلامي على الأصعدة السياسية والاقتصادية والاجتماعية، تُسهم بشكل كبير في هيمنة الاستراتيجية السكونية المنتجة لأحكام دينية متطرفة ومندفعة لا تتوسل بالعقل والتحليل الرصين. وهكذا، تأتي الفتاوى الدينية في مجتمعنا المعاصر، إما غريبة عن اللحظة الراهنة، أو مهتمة بقضية شاذة لا موقع لها داخل النقاش العمومي بشكل عام، وداخل النقاش الديني الحديث على وجه الخصوص.

ومن هذا المنطلق، لن يتجه الفعل الديني نحو تجديد الخطاب وتطوير آليات الفهم والتأويل إلا بمقاومة الاستراتيجية السكونية الحامية للفكر المتحجر والمتطرف، وبالتالي تبني الاستراتيجية الدينامية الهادفة إلى إيجاد أجوبة ناجعة ومقنعة للأسئلة التي تؤرق المواطن المتدين في عالم متغير باستمرار، وفضاء معرفي متحول على الدوام. ولذلك، يتعين الأخذ بعين الاعتبار التحولات الجوهرية بين السياقات القديمة والسياقات الحديثة، وأهمها التحول من الاشتغال الفقهي الفردي المتمحور حول الذات المحتكرة للمعرفة الدينية إلى الاشتغال الفقهي الجماعي القائم على المؤسسات المحتضنة للعلماء والفقهاء والمرسخة لمنهجية الاجتهاد الجمعي والتأويل التوافقي. ولذلك، فالفتاوى الصادرة عن المؤسسات الدينية تحول دون السقوط في مزاجية الفرد بوصفه مصدرا لإنتاج الأحكام الدينية وامتلاك المعرفة اليقينية، مع ما يفرزه ذلك من تضارب بين أفراد مختلفين من حيث الهوية الفقهية والمنطلق الديني. كما أن التأطير المؤسساتي للاجتهاد الفقهي يتيح مساحات مهمة من النقاش الديني بين الفاعلين الدينيين المؤهلين، إذ لا تهم النتيجة الاجتهادية في حد ذاتها، وإنما يهم البناء الاستدلالي الذي تفرزه المناقشات الدينية. وأعتقد أن التداول الجماعي بين فقهاء الدين يعد مدخلا أساسيا من المداخل الممكنة للعمل على تجديد الخطاب الديني، وتأهيله وضمان تأثيره الإيجابي في الإنسان والمجتمع الراهن.

* ما دور المؤسسة الدينية الرسمية في ضبط مثل هذه الفتاوى؟

إن ضبط الانحرافات والتجاوزات الصادرة عن الفتاوى المتعصبة ينبغي أن يخضع للقانون، من أجل تكريس ثقافة المسؤولية في ممارسة التفكير الديني، بينما تستطيع المؤسسات الدينية الرسمية أن تضطلع بدور حيوي ومحوري في تأطير المواطنين في المجال الديني، وإشاعة قيم الاعتدال والتسامح والحوار. بالطبع، تتطلب الظرفية الحالية من المؤسسات الدينية الرسمية أن تتبنى مقاربة استباقية في مواجهة التطرف الديني والتعصب الفكري، وأن تؤطر النقاش المجتمعي في قضايا الدين والمعتقد. ويتعين على المؤسسات الدينية ألاّ تظل رهينة صفتها الرسمية بالمعنى السلبي بما يفيد تبعيتها واشتغالها تحت الطلب، بل يمكنها قيادة مبادرات رائدة في مجال الإصلاح الديني، إن على الصعيد التربوي أو الفكري، من أجل مواجهة المد المتطرف وصيانة البعد الإنساني للدين الإسلامي.

إن المطلوب اليوم، في مجتمعاتنا العربية بلورة مشروع مجتمعي يحس الجميع بالانتماء إليه، على الرغم من تباين وجهات النظر واختلاف الرؤى والآراء، وهو ما يستلزم وقف الاستغلال السياسي للدين والتداعيات السلبية الناتجة عنه، وخاصة ظاهرة الاندفاعات المذهبية ولغة الحقيقة المطلقة والاعتقاد في أفضلية الذات على الآخر. إنه المشروع المجتمعي الذي يجب على المؤسسات الدينية الرسمية أن تبادر إلى تصوره، وتثبيت مرتكزاته ومبادئه، وأن تحرص، إلى جانب الفاعلين الدينيين والمثقفين ومكونات المجتمع المدني، على تداوله في مختلف الفضاءات العمومية والمجتمعية. وبالإضافة إلى ذلك، يتحتم إعمال القانون لمعالجة التسيب الذي تشهده مجتمعاتنا في إصدار الفتاوى دون وجه حق لنشر الرعب وتكفير المخالفين وضرب الحقوق الفردية والجماعية بدعوى الدفاع عن الدين.

* ما دور الفقيه اليوم في التعاطي مع قضايا الدين؟ هل هو دور محصور فيما أخذه عن شيوخه وأساتذته أم أن الأمر يستدعي اجتهادا يقضي بالتعاطي مع التغيرات والتحولات التي يشهدها المجتمع؟

كما أشرت إلى ذلك سابقا، ينبغي تكريس نوع من التفاعل بين الفكر الإنساني والسياق المجتمعي، وهو ما يعني ضرورة ربط الإنتاجات الفقهية بالقضايا الملحة الراهنة للمجتمع العربي. ومن الطبيعي، في نظري، الاستناد إلى الاجتهادات السابقة في معالجة الأسئلة الحالية شريطة الأخذ بعين الاعتبار المتغيرات المعرفية التي تتطلب مقاربة خاصة تسهم بشكل فعال في ضمان حضور قوي للقيم الدينية المنفتحة وذات البعد الإنساني.

من المستحيل أن نسند أدوارا طلائعية لفقهاء النموذج التقليدي الذين يعيدون إنتاج تفسيرات دينية جامدة، ويجترون المقولات الدينية المتعسفة

أما دور الفقيه، فيرتبط بطبيعة الفقيه نفسه؛ فمن المستحيل أن نسند أدوارا طلائعية لفقهاء النموذج التقليدي الذين يعيدون إنتاج تفسيرات دينية جامدة، ويجترون المقولات الدينية المتعسفة. والأكثر من ذلك لم نعثر في ثقافتنا الدينية، إلا نادرا، على "العالم الموسوعي" الذي شكل في التراث العربي الإسلامي منبعا حقيقيا للمعرفة التكاملية الداعمة للفكر الديني، إذ كان الفقيه عارفا بأمور الدين وأحكامه، وفي نفس الوقت، ملما بتفاصيل مجالات علمية ومعرفية متنوعة من قبيل المنطق والرياضيات واللغة والفلسفة وعلم الكلام والطب وغيرها. وعلى خلاف ذلك، نلاحظ في الحاضر أن "الفقيه التقليدي" سجين لما ورد في المتون العريقة كما هي بلا زيادة أو نقصان، حيث لا يمتلك الآليات الضرورية التي تؤهله للإسهام في تطوير التفكير في الدين وحول الدين. وعلى الرغم من بعض الحالات المعدودة لعلماء وفقهاء خبروا القضايا الدينية، وتمرسوا على القراءة الإسلامية المنفتحة على ميادين علمية متعددة، تظل الحاجة ماسة لتكوين الأطر الفكرية، ليس فقط في حدود المعرفة الفقهية الخالصة، وإنما في المهارات والمعارف المتصلة بتحليل الخطاب ومفاهيم المنطق التداولي والسيميائيات واللغات والفلسفة والعلوم المعرفية وغيرها. فلا غرابة، أمام غياب تأهيل حقيقي للفاعل الديني، أن نعيش في عالمنا العربي نقصا حادا في الإنتاج الفكري المتمحور حول الدين مقارنة بما تنتجه الجامعات والمؤسسات الأكاديمية الغربية (على الأقل باللغتين الإنجليزية والفرنسية) من مؤلفات ومصنفات تقارب جوانب مهمة من الدين الإسلامي.

* ثمة من يحاول فصل الدين عن بقية العلوم الأخرى، ويجعل منه مصدرا لجميع هذه العلوم، وهناك من يرى أن الدين لا يؤدي دوره إلا من خلال انفتاحه على بقية هذه العلوم، كيف تقيمون هذه المقاربة؟

من وجهة نظري، لا يمكن المقارنة بين المعرفة الدينية والمعرفة العلمية نظرا للتمايزات الموجودة بينهما، إن على مستوى المنطلقات أو على مستوى الغايات، وإن كانت الاستعانة بالعلوم مفيدة لفهم المعطيات الدينية وتأويل معانيها وتنسيق مقتضياتها. ومن ثمة، ينبغي التأكيد على أن الدين خطاب مطلق يعمد إلى تأصيل تصورات ممتدة زمانيا ومكانيا، بينما العلم خطاب نسبي يقوم على تشييد نماذج معرفية تخضع باستمرار لإعادة التشييد والمراجعة النقدية الصارمة. غير أن اللجوء إلى العلوم المختلفة في مقاربة الدين يشكل مدخلا مهما لإدراك التصورات الدينية وكيفية اشتغال بنياتها العميقة، حيث إن المفاهيم المعرفية والآليات العلمية المتوسل بها في معالجة الإشكالات الدينية تسعف في استيعاب التفكير الديني، خاصة على صعيد الأنساق والكليات والمبادئ الكبرى.

وخارج هذا الإطار النظري، لن تفيد المحاولات الإسقاطية المدعية لوجود سبق ديني للمستجدات العلمية في تطوير منظومة التفكير الديني في عالمنا العربي، وفتح آفاق جديدة أمام البحث الديني الرصين. وأعتقد أن إشارتي السابقة إلى المطلق والنسبي تبين أن بعض الأشخاص المتخصصين في التصريحات الإعلامية حول الدين يتعمدون هدر زمن التفكير الديني في مسائل لا طائل من ورائها.

* ما حدود الخطابين الإعلامي والديني؟ أو بصيغة أخرى ما دور الإعلام في تجديد الخطاب الديني؟

تعد العلاقات الكائنة والممكنة بين الخطابين الإعلامي والديني أمرا حاسما في المجتمعات المعاصرة؛ لأنها تؤشر على نمط معين للتفكير الجماعي وأسلوب محدد في التدبير السياسي والاقتصادي والاجتماعي والثقافي. وينظر في كثير من الأحيان إلى الخطاب الإعلامي بوصفه قناة لنشر ثقافة دينية معينة، حيث يلجأ الفاعل الديني إلى وسائط التواصل للتداول في قضايا الدين وتعميم القيم الأخلاقية. ووفق هذا التصور القاصر، لا يكتسي الخطاب الإعلامي أهمية كبرى، مقارنة برهانات وغايات الخطابات الدينية، إذ يكرس منطقا غريبا يهيمن فيه "الفقيه العارف بأمر الدين" على "الصحافي الجاهل بأمور الدين" الذي يظل تابعا ومنفعلا. وخلافا لذلك، يحتل الخطاب الإعلامي موقعا حيويا في التفاعل مع مختلف المعطيات والمعارف، بما فيها المعرفة الدينية، بحكم إعماله للقواعد الاحترافية والضوابط المهنية في تحويل المعرفة التقنية المخصوصة إلى معرفة جماهيرية عامة وميسرة. وهنا تبرز الحاجة إلى إعلام متخصص في قضايا الدين، ليس بالمعنى الوظيفي الذي يفيد ضرورة إنشاء وسائط إعلامية دينية، وإنما بالمعنى المعرفي القاضي بتكوين صحافيين مؤهلين ومدركين لمفاهيم وتصورات الدين وكيفية استثمارها بصيغ مهنية وعقلانية.

إن اللجوء إلى العلوم المختلفة في مقاربة الدين يشكل مدخلا مهما لإدراك التصورات الدينية وكيفية اشتغال بنياتها العميقة

للأسف الشديد، هناك غياب تام لهذا المنطق في عالمنا التواصلي العربي الإسلامي، مما يفتح المجال واسعا أمام نوع من الفوضى الإعلامية المجسدة في كثرة الوسائط ذات المضمون الارتجالي الخطير (قنوات تلفزية، قنوات إذاعية، صحف، مطبوعات، ...) وفي كثرة المصادر الإعلامية المتحدثة في كل المجالات الدينية وبالصفة التي تريد (علماء الدين، فقهاء، خطباء، مفسرون، ...). وما يزيد من تعقد المشكل الإعلامي في الميدان الديني عدم الاكتفاء بالوسائط التواصلية التقليدية، بل اللجوء إلى استغلال الوسائط الجديدة، وخاصة التواصل الرقمي والافتراضي. وعلى هذا الأساس، يصبح الخطاب الإعلامي عاملا مساعدا على تأزيم الخطاب الديني وبالأخص في ما يتعلق بإشاعة أفكار مغلوطة باسم الدين الإسلامي من قبيل الحث على الكراهية والدعوة إلى العنف والتفكير بالتكفير. ولعل ما نشهده اليوم من تداول خطابات إعلامية سطحية ومذهبية حول تصور خاطئ للإسلام يدل دلالة واضحة على أن المساحات الإعلامية تعيش تحت وطأة توجهات دينية متعصبة ومتطرفة. وهذا الوضع المتفاقم يدعو الجميع (صناع القرار، فاعلون إعلاميون، جمعيات مهنية، مؤسسات أكاديمية، ...) إلى إعادة النظر في علاقة الخطابين الإعلامي والديني، لإقامة التوازن المطلوب بينهما من أجل التأسيس لخطاب موحد مؤثر. ويتمثل الهدف من توحيد الخطاب عقلنة الاختلافات والتعددية الدينية لدعم البعد الإنساني للدين الإسلامي والتركيز على قيمه المنفتحة والمعتدلة والبناءة.

(نشر بإذن خاص من مؤسسة مؤمنون بلا حدود للدراسات والأبحاث mominoun.com ).

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 17 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.