اختلاف الألسنة وتبايُن الألفاظ

بقلم : د. أحمد راتب حمّوش
كان من آيات الله ، سبحانه ، في الأمم والشعوب أن يجعلهم مُخْتَلِفي الألْسِنَةِ والألوان ، قال تعالى : { ومِنْ آياته خَلْقُ السماوات والأرض ، واختلاف ألسنتكم وألوانكم ، إنَّ في ذلك لآيات للعالمين } ، ( الروم 30/ 22 ) .
وكان من اختلاط الشعوب بعضها ببعض ، وانتشار الحضارات واتساع الثقافات ، وجدال الديانات ، وتبادل السلعات ، أن تسربت إلى كل لغةٍ ، بل إلى كل لهجةٍ ، من الأخرى ، ألفاظ وتراكيب ووسائل تعبير ، دخلت في حياتها واستعمالاتها ، وغدا التَأَثرُ والتَأْثيرُ المُتبادَلِ بين اللغات قانوناً اجتماعياً إنسانياً ، وصار اقتراض بعض اللغات من بعض ظاهرةً إنسانيةً ، أقامَ عليها فقهاءُ اللغة المُحْدَثون أدلةً لا تُحصى ، لا يملكُ مُدافعتها إلاّ جاهلٌ أو مُكابرٌ .. وصارتْ كلُ لُغةٍ تنقُلُ إليها ما تقترضهُ من اللغات الأخرى ، مع تبايُن ألفاظها ،وفق مقاييسها ومعاييرها الخاصةِ بها ، وكل محاولةٍ لتوحيدِ تلكَ الألفاظ بين اللغات ، مخالَفةٌ لطبيعةِ اللُغات وقانون الخَلْق .
وقد التقت العربيةُ بالفارسيةِ واليونانيةِ والقبْطِيةِ والبَرْبَرِية ، فكانت جميع أسباب القوة والغَلَبَةِ إلى جانبها ، وحَلَّ التعْجيمُ ، وهو نقل بعض الألفاظ العربية إلى غيرها من اللغات ، بل انقرضتْ بعض اللغات ، وحَلَّتْ العربيةُ محلها في البلاد التي تمَّ استعرابها ، وكَمُلَ بعد الإسلام كالعراق والشام ومصر انزواء لغات أخرى كالبربريةِ في شمال إفريقية ، وانحسارُ الفارسيةِ إلى حدودٍ بعيدة .
وكذلك فقد تمثَّلَتِ العربيةُ الدخيلَ من ألفاظ الأُمم الأخرى عن طريق التعريب ، وحال العلماء دون تسربهِ إلى العربية مالَمْ يُطْبَعُ بطابعِ الفُصحى تبعاً لأساليبِ تعريبها ، لأنَّ مثل هذا التسرُّب غير الإرادي ، وغير المقصود ، يُفسد على الباحثين فَهْمَهُمْ أصالةَ اللغةِ وشخصيَّتَها ، فقد يُسْتَنْبَطُ منه خطأً أن من خصائصها أوجهاً لا تَلْزَمُها ، أو صِيَغاً لم تجىء على أبنيتها ، لأنها لم تنبثق عنها ، وإنما انتقلت إليها عن طريق العَدْوى اللغوية بسبب القُربِ والجِوارِ وسرعةِ التداول ، وما أكثرَ صورها وأشدَّ أخطارها .
وإنَّ مقدرةَ العربية على تَمَثُّلِ الكلام الأجنبي تُعَدُّ مِيزةً وخصيصةً لها ، لأنها تصوغه على أوزانها ، وتنزله على أحكامها ، وتجعله جزءاً لا يتجزأ من عناصر التعبير فيها عن طريق التعريب والتزام مبادئهِ وأُسُسِهِ ، فما التعريب ؟
التعريب : يعني دخول بعض المفردات الأعجمية الدالة على مفهوم حضاري مُعَيَّن أو علمي أو فني ، أو أعلام ، ولا سيما إنْ كانت غير مألوفةٍ للعرب ، أو غير شائعةٍ بينهم ، في اللغة العربية ، وصهرها في نظامها ، وإخضاعها لقواعدها ، ولذلك غيَّرتْ معالمها حين قَبِلَتْها بحدود ، وقد بلغت حركة الترجمة في عصر المأمون أوجها حين عرَّبتْ ألفاظ الطب والطبيعة والكيمياء والفلك والرياضيات والفلسفة ، وما يزال كثير من هذه الألفاظ صالحاً للتعبير عن هذه العلوم إلى يومنا هذا .
ولذلك كانت المُغالاة والإكثارُ من الأعجمي في اللغة ، وفسح المجال له من غير قيد مَظْهَراً من مظاهر النزعةِ الشعوبيةِ في الميدان اللغوي قديماً وحديثاً .
وقد التزم العرب حين يُدْخِلون لفظاً أعجمياً في لغتهم ، أن يُحدِثوا فيه غالباً التغيير الذي يجعله مُجانساً لألفاظهم ، جارياً على قواعدهم ، منسجماً مع نظامهم ، ولا يشذّون عن ذلك إلا قليلاً ، وكان لهم طريقتهم الخاصة في ذلك .
طريقة العرب في تعريب الألفاظ الأعجمية :
انتهج العرب في التعريب طرائقَ منها :
1- تحويرُ المعنى اللغوي القديم للكلمة العربية وتضمينها المعنى العلمي الجديد.
2- اشتقاقُ كلماتٍ جديدةٍ من أصولٍ عربيةٍ أو مُعَرَّبة للدلالةِ على المعنى الجديد .
3- ترجمةُ كلماتٍ أعجميةٍ بمعانيها .
4- تعريبُ كلماتٍ أعجميةٍ وعدّها فصيحة .
والتزموا في التعريب مبادئ لا يحيدون عنها ومنها :
1- تغيير حرف اللفظ الدخيل ، وذلك بنقص بعض الحروف ، أو زيادتها ، مثل : كليدا و برنامة و بنفشه و نبهره ونشاستج ، فقد عرّبوها هكذا : إقليد و برنامج و بنفسج وبهرج ونشاء .
2- إبدال الحرف الأعجمي بحرفٍ عربيٍ قريب منه ، مثل : بالوده وبرنده وبرادايس ، فقد جعلوها ( فالوذج وفرند وفردوس ) .. ومثل : شكر وكاووس وجك ، فقد قلبوها إلى ( سُُكَّر وسروال وقابوس وصك ) ، وخارزم بألفٍ مُمالةٍ نحو الضَم ، فقد نقلوها إلى خوارزم .
3- تغيير الوزن والبناء حتى يوافق أوزان العربية ويناسب أبنيتها ، فيزيدون في حروفه ، أو يُنْقِصون ، أو يُغَيرون مدوده وحركاته حتى تتم تلك الموافقة ، ويراعون بذلك سُنَنَ العربية الصوتية كمنع الابتداء بالساكن ، أو الوقوف على متحرّك ، أو توالي ساكنين ، فقد عدلوا عن برازده إلى فرزدق ، وعن نشاسته إلى النشاء ، وعن كليد إلى إقليد .
4- إبقاء الأعجمي على وزنه وأصله ، وهو قليلٌ جداً من الأعلام ، كسجستان ورامهرمز ، ومن غير الأعلام ، كآجر وفرند .
ومع ذلك فقد غيّروا الأعلام أحياناً مثل كسرى وقابوس .
5- الكف عن استعمال اللفظ المُعَرَّب إذا كان له اسم في لغة العرب ،
إحياءً للفصيح وقتلاً للدخيل .
ويتبين لنا مما سبق أنَّ العرب حين يدخلون اللفظ الأعجمي في لغتهم يغيرون بعض أشكاله ومظاهره في حروفه وبنائه حتى يكون شبيهاً بكلامهم ومجانساً لألفاظهم ، وحتى لا يخل بالنظام الصوتي والبنائي الذي تقوم عليه لغتهم .
وقد عاب أستاذنا الجليل سعيد الأفغاني – رحمه الله – على معجم المُنْجِد أخطاء كثيرة ذكرها في تقريره المرفوع إلى رئاسة لجنة التأليف والترجمة والنشر في جامعة دمشق ، وكان منها :
" خطأ في رسم كثير من الأعلام على غير طريقة العرب ، وباكتفائنا بما وقع من ذلك في الصور فقط نجد : أفريقيا ، أستراليا ، أمريكا ، روما ، إيطاليا ، إنجلترا ، غينيا ....إلخ ، وكل ذلك يجب رسمه بالتاء المربوطة على طريقة العرب "
وجاء كل من المعجم الوسيط والمعجم المدرسيّ ، وغيرهما من المعاجم ، فالتزم بهذه القاعدة في إيراده مادة ( أمريكة ) ، ففي المعجم الوسيط : ( أمريكة الشمالية وأمريكة الجنوبية ..والنسبة إليهما أمريكي شمالي ، وأمريكي جنوبي )
وفي المعجم المدرسيّ : ( أمريكة : إحدى قارات الأرض ... وسميت باسم أحد روّاد البحر الإيطاليين ، والنسبة إليها ( أمريكي ) .
وقديماً جاء في تاج العروس شرح القاموس المحيط ألفاظ أعجمية نزلتْ منزلة العربية ومنها مثلاً لفظة برنيل ، قال : " برنيل : وعلى وزن فعليل جاء برنيل ( بالفتح ) قرية شرقي مصر منها أبو زرعة التجيبي البرنيليّ ، قُتِلَ في فتنة القراء بمصر سنة 227 هجرية " .
ولهذا ليس لنا الخروج عن ذلك في تسمية ( أمريكة ) ولفظها ورسمها ومثيلاتها ، التزاماً بالأصول العربية المعتمدة ، المُبَيَّنة آنفاً ، والله أعلم.

إضافة تعليق