استراتيجية التأويل وممكنات النص عند أمبرتو إيكو

ليس التأويل بالشيء الجديد على الثقافة العربية والإسلامية، فقد وردت كلمة تأويل في القرآن الكريم (ابتغاء تأويله)، وجاء في الأثر أن النبي (ص) دعا لابن عباس الذي قيل عنه ترجمان القرآن، بقوله: «اللهم فقهه في الدين وعلمه التأويل».
ووسم الطبري تفسيره الكبير بعنوان «جامع البيان عن تأويل القرآن»، ولم يفرق القدماء ابتداءً بين التفسير والتأويل، وظنوهما مترادفين، فالتفسير يأخذ بظاهر النص، والتأويل يأخذ بما وراء النص. وقد أكثر أهل التصوف، والاعتزال، ومذاهب التشيع، لا سيما الإسماعيليون منهم، وأفرطوا، في التأويل، لأغراض مذهبية متعددة. غير أن هؤلاء جميعاً متفقون على أن التأويل، شأنه في ذلك شأن التفسير، لا يتعارض مع الشرع، ولا يخالف القرآن. وقد غالى بعضهم مغالاة شديدة في التأويل حتى اتُّهم بالخروج، والابتعاد عن منطوق التنزيل، وهذا من دواعي الاختلاف في أحد أئمة التصوف، وهو محيي الدين بن عربي الذي اعتمد في تأويله الخيال، والشطحات الصوفية، لذا يرى بعضهم فيه ملحداً، فيما يرى آخرون فيه محيياً للدين.
أما «التأويل» (Hermeneutics) عند الغربيّين فهو في أبسط حدوده تحويل المعنى غير الواضح في كلام معين إلى معنى واضح، فهو -عملياً- توسط -إذا ساغ التعبير وجاز- بين الناصّ، من حيث هو المرسل، والمتلقي، من حيث هو المرسل إليه. وكان التأويل قد ارتبط قديما بالكتابات المقدسة، وقراءة الأناجيل، وتفسير نصوص التوراة.
فالقارئ المتمكن من التأويل، المتمتع بالقدرة على الاستغوار، والاستنطاق، في نظر «شلاير ماخر» يتبادل الدور مع المؤلف، أو الوحي. مما يؤدي إلى تجريد النص إذا كان دينياً من قدسيته، وإذا لم يكن دينياً من ذاتيته. فالمؤوِّل حين يقترح فهماً للنص غير الواضح، يقترح نصاً آخر منبثقاً من النص الأول؛ النص المؤوَّل. ولهذا تنطوي منهجية «شلاير ماخر» على نفي صريح لقدسية النص بسبب إخضاعه للتأويل العقلاني. وعلى يدي «هيدجر»، وتلميذه «جورج غادامير»، انتقل «التأويل» من تأويل النصوص المكتوبة وحدها إلى تأويل النصوص الشفوية، ودعا غادامير في كتابه «فلسفة التأويل» لنقد تصوراتنا المسبقة عن الوجود، فعمليات الفهم، والتأويل، في نظره، لا بد أن تجري على أساس أنطولوجي (وجودي)، فوجود الإنسان مشروط بإطاره التاريخي، والاجتماعي، لهذا لا بد أن يكون التأويل، بسبب ذلك، ذا طابع جدليّ.
وقد تساءل بول ريكور: هل من سبيل ممكن لوضع منهج للتأويل ذي طابع موضوعي؟
وجاءت الإجابة عن طريق الإيغال في تقصّي الرموز، وتأويلها تأويلاً لا يتوقف عند معانيها الحرفية المباشرة، ولكنه يتعدى ذلك للكشف عن المعاني المجازية، المعاني الثواني، غير المباشرة، مؤكداً أنّ ما تذهب إليه البنيوية في زعمها أن اللغة نظام مغلق من علامات يحيل لذاته، ولا يحيل لغيره، زعمٌ باطلٌ، وضرب بعيد من الظنّ. فالتفسير، والتأويل، كلاهما ينبغي لهما أن يغوصا عميقاً في النص لالتماس المستويات المختلفة المتعددة للمعنى، الذي هو أولى بالتحليل من البنية. وهذا يعني أن «بول ريكور» يسعى للتوفيق بين اللسانيات والاهتمام بالمعنى من منظور تفكيكي غايته الكشف عن المعاني والدلالات المخبوءة تحت قشرة النص.
وقد تردّدَت آراء «بول ريكور» عند التأويليين من أمثال «هيرتش» (Hirsh( في كتابه «صحة التفكير»، فغاية القارئ المؤوِّل هي البحث عن معنى مختلف، لا في وعي المؤلف وحده، بل في وعيه هو أيضاً. لأن مقياس الصواب لدى «هيرتش» هو تضافر وعي القارئ، ووعي المؤلف نفسه في الكشف عن المعاني الخفيّة المُضْمرة.
وفي كتابه «النص المفتوح» (1965) فرّق «أمبرتو إيكو» (Eco) بين مقاصد النص، أو الناصّ، بكلمة أدق، ومقاصد المتلقي (القارئ)، متخذاً من استجابة النص لتأويلات متعددة دليلاً على ما فيه من الأثر الجمالي، وهذا الأثر هو الذي يتيح للقارئ المؤوِّل استخراج كنوز المعاني التي لم يصرح بها تصريحاً مباشراً. والكتاب المذكور -فيما يشير د.وحيد بن بو عزيز مؤلف هذا الكتاب- توْسعَة نظرية لورقة كان «إيكو» قد أدلى بها في الملتقى الفلسفي الدولي (1958) بعنوان «إشكالية الأثر المفتوح». فهو المصدر الأول، والمنبع الرئيس، لآراء «أمبرتو إيكو» في التأويل.
فقد عارض ما ذهب إليه الشكليون الروس، والبنيويون الفرنسيون -بصفة عامة- من أن النص عالم مغلق، مكتفٍ بذاته، لا يحيل إلى غيره. بدليل أن هناك أعمالاً تتمتع بديناميكية قابلة لإضفاء إمكانات تأويلية عليها، كالتي نجدها في مشروع «مالارميه» المعروف باسم «الكتاب» (Le Livre). ومثل هذه الأعمال التي تتسم بالغموض تارة، وبالأفق المفتوح تارة، وباللاتحديد تاراتٍ أخر، تتضمن رسائل جمالية مليئة بالعناصر المثيرة التي تجعل الغايات المرجأة منها هي اختزان الشفرات السائدة، والأنساق المرجعية الجاهزة. وقد اتخذ «إيكو» من بعض الأعمال الموسيقية، والفنية، المنتقاة نماذج يؤكد من خلالها هاتيك الإمكانات. وفي العام 1979 نشر كتاباً جديداً، وهو كتاب «القارئ في الحكاية» الذي تمثلت فيه نقلة نوعية جديدة على مستوى نظرية التأويل، والتأويل المضاعف.
ويؤكد د.بن بوعزيز أنَّ هذا الكتاب، كالذي سبقه، لا يخلو من مرجعيات استقاها «إيكو» من التداولية، ومن نظرية الاستقبال، أو التلقي، لدي مدرسة «كونستانس» الألمانية، وقطبيها «ياوس» و»إيزر» (Issur)، علاوة على سيميائية «غريماس» (Grimas) وطريقة «تشارلز بيرس» في التحليل السيميائي، وموقع الدالول من نظرية التأويل اللانهائي.
وفي هذا المقام يحدثنا بن بوعزيز حديثاً غير مقتضب عن فكرة «بيرس» المعروفة بـ «السميوزيس»، وهي عماد نظريته في التأويل، على أساس أن النص لا يحتوى في ثناياه معنى واحداً هو المعنى الحقيقي، وإنما هو كيان سيميائي يحتاج سبره، والوقوف الدقيق على مراميه، ودلالاتهِ، لإطار مرجعي موسوعي، تمتزج فيه، وتتضافر، تخصصات متعددة، إحداها اللغة. وسرعان ما يكتشف بن بوعزيز أن لدى «ألبرتو إيكو» مشروعاً آخر جديداً هو الذي بسطه وشرحه في كتابه القيم «حدود التأويل». ففيه يكتشف القارئ ما رمى إليه «إيكو» بحديثه غير المقتضب عن العوالم الممكنة التي يتضمنها بصفة خاصة النصّ السردي. وهذه العوالم تحتاج إلى مُؤوِّل نموذجي لا إلى قارئ، وهذا المؤوِّل النموذجي يتحرى في التفاصيل السردية الصغرى المتناثرة في ثنايا الخطاب الروائي تجليات هاتيك العوالم، أما القارئ فإنه يستمتع بالحكاية في الحدود الدنيا التي يرسمها له الملفوظ السردي، وإنْ لم يلتزم بذلك، سيكون كالمُؤوِّل النموذجي مفتونا بالبحث الموسوعي السردي.
وفي الفصل الموسوم بعنوان «حدود التأويل» يقفنا المؤلف بن بو عزيز على المرجعيات السيميائية التي استند إليها «إيكو» في نظريته، منطلقاً من إشارات «سوسير» (Saussure) المبكرة (1916)، و»تشارلز بيرس»، متقصياً بأناة يُحسد عليها أشكال الشيفرات السردية عند «إيكو». ولا ريب في أن «إيكو» أفاد كثيراً من مبحث الدليل، والدالول، عند «بيرس». ولهذا حظيَتْ آراء هذا الفيلسوف الأميركي بنصيب الأسد في نظرية «إيكو»، ولا سيما تلك التي تختص بالمؤوّل المباشر، وبالمؤوِّل الديناميكي (السميوزيس) والمؤول النهائي.
وذلك أن الأول ينفتح على دلالة ما، ثم تنفتح هذه الدلالة على دلالة أخرى عن طريق التأويل الدينامي. وهذه الدلالة تنفتح هي الأخرى على دلالة جديدة إلى أن يتوقف مسلسل الدلالات عند نهاية هي التي يصفها «بيرس» بالمؤوِّل النهائي.
ويضيف المؤلف بن بو عزيز مؤكداً أن لدى «إيكو» مصدراً آخر من مصادر التأويل التي أفاد منها، فهو يتكئ على ما تراكم من تاريخ التأويل بدءاً من القديس «أوغسطين»، وابن رشد الظاهري، والقبالاه العبرية، مروراً بـ»كروتشي» الإيطالي الذي أولى الرسائل الجمالية التي يتغياها النص كبير اهتمام، جاعلاً من الشيفرة في النصوص وسيطاً تتداخل فيه فاعليات عدة لا واحدة، بعضها نابع من مقاصد الناص، وبعضها من مقاصد المتلقي. علاوة على مرجعيات تأويلية أخرى عند كل من «سيزار سيجر»، و»روسي لاندي»، و»إيميليو كارلوني»، و»آلدوروسي»، و»باولو فابري».. فالبعد التداولي للنصوص يعتمد عندهم جميعاً على نشاط سيميائي معقد جداً، يسهم في فتح مغاليق الرسائل المشفرة انطلاقاً من قاعدة ثقافية ذات طاقة دلالية تحويلية تجعل من عملية الفهم بديلاً مغايراً، وجديداً، للنص الأصلي.
وتوضيحاً لهذا يقف بنا المؤلف د.وحيد إزاء موضوع الاستراتيجيات النصية، ونظرية القراءة عند «إيكو». ومن يقرأ الكتاب يلاحظ الجهد الكبير الذي بذله المؤلف في تتبع الأصول التي تنحدر منها فلسفة «إيكو»، وجذورها الممتدة في فلسفة الظواهر (الفينومنولوجيا) عند «هوسرل»، و»شلاير ماخر»، و»هيدجر»، وتلميذه «جورج غادامير». إلى جانب مدرسة «كونستانس» الألمانية، بما تنطوي عليه آراؤها من ثنائية الداخلي والخارجي؛ أي الجمع بين التأويل الشكلاني والتأويل السوسيو-تارخي. فشعرية «ياوس»، و»إيزر»، وغيرهما، لا تهمل التأمل الشكلاني للأثر، مثلما لا تهمل البعد التاريخي، والاجتماعي. ومن هنا فإن التأويل عند «إيكو» و»آيزر» يستند إلى هاتين الركيزتين بدلاً من السير متعكزاً على عصا واحدة.
لقد صاغ «إيكو» مصطلحات جديدة تسهم في عملياته التأويلية، فـ»القارئ المعاصر» اصطلاح يصف القارئ الذي يلم بتاريخ النص وبما قيل في قراءته من آراء، و»القارئ المثالي» مصطلح يعني به القارئ الذي يبحث في كل جزء من النص عن شيفرة جمالية جديدة تنفتح على ممكنات تأويلية جديدة، تُقوّلُ النص ما لم يقله بصفة مباشرة. وثمة مصطلحات أخرى مثل «القارئ الضمني»، و»القارئ المخبَر»، و»القارئ المستهدَف»، أي الذي يتوجه إليه الناص بالخطاب، اي أنه قارئ افتراضي، وهو لا يختلف كثيراً عن القارئ الضمني. أما عن الاستراتيجية النصية، فيتلخص موقف «ألبرتو إيكو» منها بضرورة الانطلاق أولاً من مستوى البنية الداخلية لأيّ نص، وثانياً الانطلاق من البنية في تداخلها مع القاموس، أي: إخراج التأويل من المعاني الحرفية إلى إيحاءات نصّيّة غيْر محددة.
وفي الفصل الثالث من كتابه، يسلط المؤلف الضوءَ على موقف «إيكو» المبني على أساس أن التأويل ينبغي له أن يكون مشروطاً بشروط، ومحدداً بحدود، أحد هذه الحدود ألّا يتجاوز المؤوِّلُ ممكنات النص، فكل تأويل ينبغي أن يتكئ على شيء في نسيج النصّ يسمح بذلك. وألّا يغدو التأويل عشوائياً فيؤدي إلى قتل النص عن طريق الإفراط. وشيء آخر يؤكده المؤلف بن بو عزيز وهو أن «إيكو» يأبى على المؤوِّل أن يتحرر بصفة نهائية من تبعات النص، فكل تأويل لأي جزء من أجزائه ينبغي أن يتوافق مع تأويلات الأجزاء الأخرى. أيّ أن التأويل رهنُ الانسجام الذي يجعل تنقلات المؤوِّل من موقع لآخر لا يتعارض بعضها مع بعضها الآخر. وبهذا اختلف موقف «إيكو» عن موقف «جاك ديريدا» صاحب فكرة المعنى المرجأ، وميتافيزيقيا الحضور. ذلك الموقف الذي ينطوي على الاستخدام غير الدقيق لمنهجية «بيرس» في «السميوزيس»، فهو استخدام يتسم بالمغالاة التي تترك العنان طليقاً لذلك النشاط التأويلي المبالغ فيه حد الانفلات من مقولات النص، مما يؤدي قطعاً لضروب من الذُّهان التأويلي الذي يبلغ حدّ التحريف. وبهذه الروح الانتقادية تتبَّع «إيكو» ما كتبه «ريتشارد رورتي»، و»جوناثان كوللر».
لقد خرجَ من ذلك التتبع الدقيق برأيٍ فيما يختص بانفتاح النص، وتعدد المفاتيح التي يستطيع بها المؤوِّل القراءة مؤكداً أن القارئ المؤوِّل في حاجة لثقافة موسوعية ليتمكن من تفكيك شيفرات النصّ المعقدة. وقد أطلق على هذه القراءة تعبيراً جديداً هو «التعضيد النصّي». ويتجلى التعضيد في مقاربات القارئ النموذجي لمستويات النص من أصغر «فونيم» فيه، إلى ما هو خارجي، وتناصّي، ضمن الحدود التي تسمح بها ضوابط التأويل، وقواعده.
وفي الفصل الرابع والأخير، وهو أكبر فصول الكتاب، يقف بنا بن بو عزيز إزاء ممارسات «إيكو» التأويلية بقراءة عدد من الروايات يجمعها قاسم مشترك وهو الصحراء. فالأولى هي رواية «صحراء» لـ»لوكليزو»، والثانية رواية «الصحراء» لـ»ألبير ميمي»، والثالثة رواية «الخالد» لـ»جورج لوي بورخيس»، والرابعة رواية «الخيميائي» لـ»باولو كويلو»، وفيلم «صحارى» الذي أخرجه «بريك إيزنر».
ومن هذا التطبيق يتضح للقارئ أن «إيكو» لا يكتفي بالنظر في النص السردي بوصفه جِرْماً مستقلاً يسبح في فلك من النصوص، ولكنه يتخذ من النصوص المتقاربة كتلة واحدة تحتاج لقراءة ذات مُدخلات منهجية متعدّدة هي التي توصف بالموسوعية. فالروايات المذكورة جميعاً تتصف بصراع الهويات، إلا أن رواية «صحراء» للفرنسي «لوكليزو» تمثل نمطا متفرداً هو ثنائية عالم الصغار وعالم الكبار، أو طفولة-يفاعة. وعلى هذا الأساس يقوم التأويل لدى «أمبرتو إيكو» على مسح نموذجي للمخططات السردية لاكتناه العناصر المُحفزَة، وملء الفجوات، بما يفصح عن المسكوت عنه، والتصريح بما لا تصرح النصوص به في أكثر الأحيان.
ولا يكتفي كتاب «حدود التأويل» بتقديم قراءة أفقية لمشروع «إيكو» النقدي، ولكنه يقدم لنا بفصوله الثلاثة الأولى مسحاً موسعاً لمشروعات أخرى بعضها لـ»تشارلز بيرس»، وبعضها لـ»جاك ديريدا»، ويعود بنا بعضها إلى الغنوصية، والقديس «سانت أوغسطين»، والظاهرية لدى ابن رشد، والقبالاه العبرية، وفلسفة الظواهر لدى كل من «هوسرل» و»هيدجر» و»غادامير». ومسحاً نموذجياً لمواقف «إيكو» من هذا كله، معززاً بمراجعة كاشفة تسلط الأضواء على ممارساته التأويلية مما يضيف لقيمة الكتاب قيمة أخرى هي الجمع بين النظر والتطبيق

إضافة تعليق