اشتهرت بنواعيرها حماة.. مدينة أبي الفداء

لم يبالغ أمير الشعراء أحمد شوقي عندما زار مدينة (حماة) السورية وسط البلاد وقال عنها: (إنها مدينة أندلسية!..) فقيل له: نصف أهلها شعراء، فأجابهم قائلاً: (أعجب أن لا يكون نصفها الآخر شعراء!..) ولم يبالغ الشاعر العراقي أحمد الصافي النجفي عندما زار مدينة(حماة) فسحرته، فارتجل قصيدة فيها مطلعها:

هذي حماة مدينة سحرية

وأنا امرؤ بجمالها مسحور

إنها إذاً مدينة حماة رابعة كبريات المدن السورية، والتي تقع شمال غربي العاصمة دمشق، وتبعد عنها نحو مئتي كيلومتر وثلاث ساعات بالسيارة، حماة مدينة السحر والجمال الريفي البسيط الآسر، مدينة التاريخ العريق، المدينة التي تغنّى بها الشعراء القدماء والمعاصرون، وأسهب في وصفها الرحالة الذين زاروها، ومنهم ابن بطوطة وابن جبير وشيخ الربوة، وبالتأكيد ابنها الرحالة والمؤرخ الشهير ياقوت الحموي وغيرهم.

هي حماة المدينة التي أُطْلِقَت عليها تسميات وألقاب عديدة وهي جديرة بجميعها، قالوا عنها (مدينة النواعير) وكانوا محقين بذلك، فهي تنفرد عن كل مدن العالم بوجود آلات دوران المياه الضخمة، ذات الصوت الرتيب الآسر والمسماة (ناعورة)، ودعوها (مدينة العاصي) ولم يكونوا مخطئين، فها هو نهر العاصي الشهير يعبر المدينة من وسطها فيقسمها إلى نصفين، حيث قامت على ضفتيه حماة بأبنيتها وحدائقها وبساتينها. وبعد عام (1925م)، أصبحت حماة تدعى (مدينة أبي الفداء)، وعُرِفَتْ بهذا الاسم محلياً وعربياً، وكانت مبادرة من أبنائها الأدباء والمثقفين لتكريم عالمها الجغرافي وملكها الأيوبي (عماد الدين إسماعيل أبو الفداء)، الذي حكم حماة حتى وفاته سنة (1331م)، ودفن فيها بجانب جامع بناه ليكون مرقده، فأقيم الاحتفال عام (1925م) بتجديد قبر أبي الفداء، ونظمت بهذه المناسبة تظاهرة ثقافية وطنية، ومنذ ذلك الحين صار الجميع يطلق على حماة (مدينة أبي الفداء).

ولكن يبقى اسمها (حماة) الذي يعني في اللغات الشرقية (قلعة أو حصن حامات ـ) كما تذكر المصادر التاريخية، ويذهب المؤرخ (يوسيفوس) إلى أن حماة سميت باسم بانيها (حمث ابن كنعان)، وهو أحد أبناء كنعان، فيما يذهب العالم الأثري (أنغولت) إلى ان اسمها جاء من اسم أول ملك آرامي لها ويسمى (حماة).

تعدّ حماة من أمهات المدن السورية ومن أقدم مناطق الشرق الأوسط، ويرجع تاريخها إلى عصور موغلة في القدم، فقد دلّت الدراسات والتنقيبات الأثرية في حماة على وجود أدوات صوانية من سويات البليستوسين، ووجود سكن لإنسان يرقى إلى العصر الحجري القديم، عثر فيه على لقى صوانية من العصر الآشوري الأعلى؛ أي منذ نحو (200) ألف سنة، كما أثبتت الحفريات الأثرية وجود أول تجمع سكاني في المدينة في موقعها الحالي في الألف الخامس قبل الميلاد، ثم أخذت النواة بالاتساع، حتى أصبحت في بداية الألف الثالث قبل الميلاد مدينة مسورة كانت تعرف باسم (حماث)، وكان سكانها على دراية بالزراعة والصناعات المحلية البسيطة، وعرفوا الري ووسائل السقاية وتمكنوا من ري حقولهم بمياه نهر العاصي، وفيما بعد ظلت المدينة مزدهرة عمرانياً وزراعياً وصناعياً في الفترات؛ السومرية، والعمورية، والأكادية، وزمن الحوريين والميتانيين وبعدها في فترة الآراميين، وخضعت المدينة لسلطة البابليين، والفرس، واليونانيين، والسلوقيين، ومن ثم دخلت عام 64ق.م في حوزة الرومان، حيث تطورت بشكل كبير وتمت إشادة النواعير فيها في تلك الحقبة. وفي العصر البيزنطي حافظت حماة على ميزات العصر السابق حتى فتحها العرب المسلمون صلحاً عام 17هـ/638م على يد أبي عبيدة بن الجراح، وأصبحت مدينة مزدهرة في مختلف العهود الإسلامية خاصة في العهد الزنكي.

مازالت مدينة حماة تحتضن الكثير من الأوابد التاريخية والأثرية الخالدة، ولعلّ أبرزها النواعير، وهي آلة مائية خشبية ذات حركة دائمة موغلة في القدم، حيث اكتشف أقدم مصدر تاريخي عن الناعورة في مدينة (أفاميا) الأثرية المجاورة لحماة، من خلال لوح فسيفسائي يمثل ناعورة يرقى للقرن الخامس الميلادي، ويصل عددها إلى نحو (100) ناعورة انقرض العديد منها فيما بقيت تعمل حالياً عشرون ناعورة، والتي تحولت إلى مقصد سياحي جمالي بعد أن فقدت وظيفتها في ري البيوت والبساتين بنهاية أربعينيات القرن العشرين المنصرم، وتتوضع النواعير على ضفاف نهر العاصي في وسط المدينة وفي أحيائها المختلفة، وتأخذ تسميات محلية قديمة ومن أكبرها وأضخمها النواعير الأربع (البشريتان والعثمانيتان)، والمحمدية والمأمونية والخضورة والصاهونية والدهشة والوسطى وغيرها.

ومن الأماكن الأثرية والتاريخية في حماة هناك قلعتها التي تتوسط المدينة، والتي بقي منها تلّها المرتفع، حيث تحول إلى متنزه سياحي جميل، تظهر للزائر مدينة حماة من خلالها بجميع مناطقها وأوابدها بمنظر بانورامي رائع خلّاب، وتذكر المصادر التاريخية أن القلعة كانت كاملة وشبيهة ببناء قلعة حلب الشهيرة، وبعد تدميرها وإحراقها في القرن الخامس عشر ميلادي، نقلت حجارتها إلى شرقي نهر العاصي واستعملت في البناء.

ومن الأماكن التاريخية في حماة أيضاً، هناك جوامعها وكنائسها التاريخية وأبرزها: جامع النوري الذي بناه نورالدين زنكي عام (1162م)، ويقع في بقعة غنية بالمباني الأثرية من قصور وحمامات ونواعير كما يجري نهر العاصي من تحته، فيزيد من جمال موقعه فيظهر وكأنه سفينة راسية في وسط المياه، وهناك الجامع الأعلى الكبير ويتوضع قريباً من قلعة المدينة، وقد كان معبداً وثنياً في العهد اليوناني، ثم تحول إلى كاتدرائية في العهد البيزنطي، وبعدها تحول إلى جامع بعد الفتح الإسلامي لحماة، وهناك جامع أبي الفداء الذي بناه ملك حماة عمادالدين إسماعيل أبو الفداء سنة (1325م)، وتسميه العامة جامع الحيّات أو الحيايا. ومن كنائس حماة التاريخية هناك كنيسة سيدة الدخول في حي المدينة وسط حماة، وتعود إلى القرن الخامس ميلادي، وفي حي المدينة تم اكتشاف أكبر لوحة فسيفسائية في سوريا قبل نحو عشرين عاماً، كانت تشكل أرضية لكنيسة قديمة، وقد عملت مديرية الآثار على تحويل اللوحة الضخمة مع موقعها إلى متحف خاص بها.

ومن المنشآت التاريخية والمعالم الأثرية في حماة هناك حمامات السوق الأثرية ومنها: السلطان، والعبيسي، والأسعدية، والدرويشية، والمؤيدية، وهناك الأسواق القديمة وأشهرها السوق الطويل المقبي، ويعود تاريخ تأسيسه إلى عام (1205م) وهو صورة مصغرة عن سوق الحميدية والسوق الطويل بدمشق، وهناك سوق النحاسين، والحدادين، والغنم، وسوق الصاغة، وكذلك تضم مدينة حماة عدداً من الخانات الأثرية وأكبرها خان رستم باشا، الذي يقع في بداية حي المرابط، وقد تم تحويله بعد ترميمه إلى سوق للمهن اليدوية الحموية، حيث يشاهد فيه الحرفيون وهم يعملون أمام الزوار حسب تخصصاتهم، حيث اشتهرت حماة بصناعات يدوية، وصلت منتجات حرفييها إلى الأسواق الأوروبية والخليجية، وأبرزها صناعة النسيج اليدوي والتطريز والعبي والبسط الصوفية الملونة وبيوت الشعر والسجاد اليدوي النفيس. ومن مواقع حماة التاريخية أيضاً، هناك القصور التاريخية وأشهرها قصر العظم شقيق قصر العظم بدمشق، وقد تم تحويله إلى متحف للتقاليد الشعبية، وقصر الأرناؤوط على ضفاف نهر العاصي.

وبرز في حماة مدينة الشعر والأدب في العصر الحالي، العديد من أبنائها المبدعين في الشعر وفنون الأدب الأخرى، ومنهم الشعراء الراحلون: بدرالدين الحامد الذي لقِّب بـ(شاعر العاصي)، وله قصائد شهيرة غنّى إحداها المطرب صباح فخري، والطبيب وجيه البارودي، وسعيد قندقجي، ووليد قنباز، وغيرهم كثيرون.

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
2 + 5 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.