الآبائية.. سجن العقول!

عُيّن الجنرال بولانجيه قائدًا للجيوش الفرنسية في بداية الحرب العالمية الأولى, وحين ذهب ليتفقد وزارة الدفاع لاحظ وجود جسر يربط بين مبنيين في الوزارة, يقف أمامه حارس مدجج بالسلاح. وقد منعه الحارس من الدخول – رغم علمه بمنصبه الكبير – بحجة أنَّ لديه أوامر مشددة بهذا الخصوص, وحين سأل من حوله عن سبب المنع لم يعرف أحد الجواب, الشيء الوحيد الذي اتفق عليه الجميع أنه منذ عملهم في هذا المبنى هناك أوامر صارمة بعدم دخول الجسر, بعد البحث في الأرشيف اتضح أنه في عام 1839, وفي عهد الجنرال سوليت طُليت أرضية الجسر بدهان جديد, وأصدر الجنرال سوليت أمرًا بعدم مرور أحد حتى يُصدر قرارًا بعكس ذلك. ولكن سوليت توفي فجأة بسكتة قلبية في حين نفذت أوامره طوال تلك الفترة (وبدون السؤال عن السبب) فتآكل الطلاء من فرط القدم!
إنَّ الآبائية هي الاعتقاد المطلق في صواب ما ذهب إليه “الآباء” من دون مناقشة أو تفكير, والانقياد التام بذلك في القضايا الحياتية, ولست أقصد الأبائية هنا الآباء والأجداد فقط, بل كل ما يضع الإنسان له اعتبارًا عندما يُصدر حكم من الأحكام, سواء كان ذالك من آباء أو أجداد أو عادات مجتمع أو شيوخ أو حكام أو المناهج وغيرهم.
لقد كره الله هذا الفكر الأبائي, ورد على المشركين عندما قالوا: “بل وجدنا آباءنا كذالك يفعلون”, فقال الله لهم: “أولوا كان آباؤهم لا يعقلون شيئاً ولا يهتدون”!
فتجد أصحاب هذا المرض الذي أخذوه وراثة ربما, يقدمون “الآبائية” على الحقيقة, فما أن يفكر الإنسان منهم في قضية إلا وجد كابوس الآبائية يسيطر على تفكيره, فيتحكم في عقله, وينطق عن لسانه, ويتحرك بحركاته, وهو مستسلمٌ تماماً له, خوفًا من العزلة المجتمعية, أو تأنيب الضمير أو الطرد المنهجي أو السجن الانعزالي.
فينتج لنا من هذا المرض أعراض كثيرة؛ منها:
- كُره التفكير.
- التسليم بقول “الآباء”.
- الخوف من النقد الذاتي.
- الخوف من معارضة التيار السائد, بدعوى الحفاظ على وحدة الصف.
نحن بحاجة إلى جيل واثق بذاته, مؤمن بقدراته, يحفظ للآباء ودهم, ويحترمهم, دون أن يمنعه ذلك من التفكير خارج صندوقها, ودون أن ينتقل من مرحلة الاحترام إلى مشكلة التقديس التي من أعراضها إلغاء التفكير.
إن نبذ الآبائية عنصر هام في الانتقال من سجن العادات والتقاليد التي سيطرت على أحكامنا إلى فضاء الحرية والتفكير, فيشعر الإنسان في هذا الفضاء بحرية عقلية في أنه لا أحد يسيطر عليه في إصدار أحكامه و قراراته فتخرج لنا الأحكام الحقيقية التي ليس فيها مداهنة أو نفاق لأحد.

إضافة تعليق