الآخر والحرب على الإرهاب

  يؤكد كتاب «الآخر والحرب على الإرهاب» لمؤلفه الدكتور محمد خليل الموسى، والصادر عن دار الفكر ـ دمشق، على الخشية الحقيقية من أن يتم صياغة قانون دولي يجيز صراحة الممارسات الامبريالية، وذلك بالاستناد إلى مقولات «الدفاع عن النفس» و«الحفاظ على الأمن القومي»، فنعود في ظل هذا الواقع إلى الحقبة الاستعمارية و«فكرة المهمة الحضارية».

 

ويحرص المؤلف في سياق بحثه بهذا الشأن على فحص السمات التي تتصف بها الامبريالية، على الصعيد القانوني، والتي ترتد إلى نشأة القانون الدولي المؤسس على فكرة» الشعوب غير الأوروبية»، والذين تم تلقيبهم «بالبرابرة»، مستندا في بحثه على النماذج التفسيرية المركبة، بعيدا عما يسود في الدراسات القانونية العربية من معلومات اختزالية، إذ يركز على أن النموذج التفسيري هو فكرة «الآخر»، الذي سعى القانون الدولي لإقصائه عن القانون، بهدف تعميم الهوية الغربية وإدماج الآخر فيها. ويجد المؤلف أن جذر فكرة «الحرب الدفاعية»، ثابتة راسخة لدى رائد اسباني من رواد القانون الدولي، اسمه فيتوريا، حيث تقوم نظرية فيتوريا التي أطلقت بالأصل لتبرير قتل الهنود المدافعين عن حقوقهم في وجه الأسبان، على متغيرات أربعة: الاستعمار، القانون الدولي، الاختلاف الثقافي، السيادة.

 

 

وهي متغيرات جعلت فيتوريا الاستعماري يحول القانون الدولي إلى قانون طبيعي، لتعليل أسباب التحويل الثقافي للهنود و«أسبنتهم»، وبالتالي تحقيق السيادة الاسبانية الاستعمارية.وتشبه «الحرب على الإرهاب» الحديثة، فكرة «الحرب العادلة»، التي كان القانون التقليدي يقرها، ومع أن اعتداءات الحادي عشر من أيلول لا تعدو كونها أعمالا إجرامية جزائية لا تستدعي أعمالا عسكرية مستندة إلى فكرة الدفاع عن النفس، فان اختيار المصطلح أمر مهم. وقد صك الإعلام ثلاث أفكار باتت شائعة، وهي: «الدفاع الاستباقي»، «الدول المارقة أو محور الشر»، «إحلال الديمقراطية».

 

 

ويبين الموسى أن الخطاب الغربي سعى إلى صناعة الآخر، بالرغم من مفاهيم «حقوق الإنسان» و«التدخل الإنساني»، وقد جرى تناول مفردات الامبريالية الدفاعية في إطار نظرية القانون الطبيعي وينظر إليه على انه حق تأسيسي، كما عبر عنه القانوني غروسيوس، وقد رفض الفيلسوف كانط أطروحة غروسيوس جزئيا، لكنه برر شنّ الحرب بأن قانون عدم شن الحرب يطبق متى كان الطرف الآخر مدنيا وقانونيا، أي أن مقولته أدت إلى توسيع مبررات الحرب على الدول غير المتمدنة والدول غير الليبرالية والدول المارقة!

 

 

ويشدد الموسى في استنتاجات مناقشاته على أنه تم تطويع الأمم المتحدة لمفهوم الحرب على الإرهاب في أزمة لوكربي وغزو أفغانستان، رغم أن القانون الدولي لا يجيز استخدام القوة إلا بتدخل مجلس الأمن، وإقرار ما إذا كان الاعتداء الذي قام به شخص أو أشخاص قد تم بناء على تعليماتها، وهو ما لم يتوفر في حالة أفغانستان أو غزو العراق.

 

 

ويدحض الموسى مبررات التصفيات التي تتم على أيدي المخابرات الإسرائيلية في فلسطين تحت اسم الحرب الدفاعية مبينا أن المادة ( 3/1/أ) تحمي المدنيين في زمن الحرب، وتحظر القتل بجميع أنواعه.ويشير هنا إلى أن القانون الدولي بدعة أوربية كولونيالية، بدأت في عام 1876 م بعقد مؤتمر بروكسل الذي دشن فيه ملك بلجيكا قارة إفريقيا كمستعمرة أوروبية، وتلتها قوانين لاهاي في عام 1899م، الهادفة إلى تقنين الحرب واستعمار إفريقيا كلها.

 

 

لكن الظاهرة الاستعمارية ترافقت مع ضديات عدة، مثل عالمية - عرقية، استغلال ـ إنسانية،. خاصة وان التاريخ يبرهن جليا على أن تطبيق قوانين الحرب كان مقتصرا على الفضاء الأوروبي، فنادرا ما تم الاستفادة من مبدأ مارتينز (دبلوماسي روسي شارك في مؤتمر لاهاي وحاز على جائزة نوبل 1899م، وهو عنصري رغم مناصرته للإنسانية) خارج أوروبا.

 

 

فالفكرة المركزية التي تقف وراء إقصاء الشعوب غير الأوروبية هي أنها تستند إلى «انثربولوجيا التوحش» والتي ترتبط بالأرض بلا سيد، وهي انثربولوجيا تزعم أن الشعوب غير المتمدنة لا تفرق بين المقاتلين وغير المقاتلين، كما أنها تزعم أن الشعوب غير المتمدنة تشن الحرب بطريقة وحشية، لذا فهي خارج القانون.

 

 

وقد ساهم العالم الثالث في تخليص القانون الدولي من طابعه الغربي، عقب الحرب العالمية الثانية، من خلال الانضمام إلى اتفاقيات جنيف الرابعة 1949م، فرسخت «الإنسانية» في مضامينها بتطبيق المعاملة بالمثل وغيرها. لكن التحريفات والتفسيرات الخاصة ما تزال تعيق القانون الدولي، ومثال ذلك اعتبار هضم حقوق أسرى طالبان، بزعم أن المعاملة الإنسانية لهم تشجع الأعداء على الاستسلام بصورة سلمية، فتم اختراع وصف «المقاتل غير الشرعي». و«الامبريالية الديمقراطية» التي تشن «الحرب العادلة».

 

 

الكتاب: الآخر والحرب على الإرهاب

 

 

تأليف: د. محمد خليل الموسى

 

 

الناشر: دار الفكر دمشق 2010

 

 

الصفحات: 166 صفحة

 

 

القطع: الكبير

 

 

أحمد عمر

 

إضافة تعليق

7 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.