المترجم المصري سمير جريس المقيم في ألمانيا: الترجمة في زمن الكورونا
"نفعل ما يفعل السجناء / و ما يفعل العاطلون عن العمل: / نربي الأمل".
هذه الكلمات لمحمود درويش تلخص حالتي الآن بعد الانتشار المقلق للفيروس في البلد الذي أعيش فيه، ألمانيا، وبعد أرقام الموتى المفزعة التي تطالعنا بها الأنباء في كل يوم من دول الجوار، لا سيما من إيطاليا وإسبانيا وفرنسا.
الروائية المصرية منصورة عز الدين: العودة إلى "الفتوحات المكّية" وأفلام الأربعينيات
ما نشهده حاليًا لم يحدث أن مررت بما يشبهه، كأننا نعيش على حافة الوجود حرفيًا. لا يتغلغل الفيروس في الأجساد فقط ليدمرها، لكنه يدمر معها مسلّماتنا وعالمنا كما ألفناه. هو مرآة تعكس أمراضنا وسَوْءاتنا، لكن في مقدوره أن يدلنا بالمثل على أفضل ما فينا في حالة إعلاء قيم مثل التكافل والتضامن والوعي بأن نجاتنا مرتبطة بنجاة الآخرين.
ما يحدث، مع كل ما يحمله من تهديدات ومخاطر، فرصة للنظر إلى العالم من وجهة نظر الطبيعة، التي كثيرًا ما نؤذيها ونخل بتوازنها، كما لو كنا نحن الفيروس الضار. أتمنى أن تنكشف هذه الغُمَّة عن العالم، وأن نستوعب دروسها المفيدة فنعيد ترتيب أولوياتنا ونتعلم الامتنان على نِعم كثيرة اعتدنا التعامل معها بلا اكتراث أو انتباه.
منذ شهر تقريبًا لم أفعل شيئًا باستثناء متابعة مجريات انتشار كورونا في العالم والقراءة عنه. ألغيت ارتباطات كثيرة كانت مجدولة منذ أشهر وامتنعت عن الخروج من المنزل، وأحاول أن أعيش اليوم بيومه بعيدًا من التوتر أو القلق، لكن بما أن المسألة قد تطول وفقًا لتوقعات الخبراء، فسوف أسعى للعودة إلى برنامجي المعتاد في ما يخص القراءة والكتابة، مع التركيز على القراءات الممنهجة إما في موضوعات بعينها أو لأعمال ضخمة تتطلب متسعًا من الوقت.
لاحظت أن كثيرين يقترحون قراءة كتب خاصة بالأوبئة أو روايات ديستوبيا أو مشاهدة أفلام عن نهاية العالم وما إلى ذلك، بالنسبة إلي أفضّل البعد عن هذه النوعية من الكتب والأفلام في الفترة الحالية، فالعالم أصبح ديستوبيًا بما لا يُقارَن. اختياراتي في الأفلام حاليًا تركز على الكوميديا أو الأفلام الاستعراضية من الأربعينيات والخمسينيات، وفي الكتب ربما أعيد قراءة "لعبة الحجلة" لكورتاثار أو "الجبل السحري" لتوماس مان، أو أبدأ بقراءة "الفتوحات المكية" لابن عربي.
أحاول ألا أسمح للهلع والخوف، وأحياناً الهيستيريا، أن تصيبني بحالة من الشلل. نعم، آخذ احتياطاتي قدر الإمكان، لكني لا أريد أن أعيش سجين خوفي من الفيروس. الآن، وبعد شبه حظر التجول الذي فُرض في كل ألمانيا، لا يتبقى لنا غير أن "نربي الأمل".
توقفتُ عن الذهاب إلى عملي بعد السماح لنا بإنجاز الأشغال من البيت. وما بين متابعة أخبار انتشار الفيروس، وبين إنجاز ما عليّ من أعمال، لا يتبقى سوى وقت قليل للقراءة. أطالع حالياً مسودة ترجمة قام بها الصديق أحمد فاروق لنوفيلا أخرى، للكاتب النمساوي أرتور شنيتسلر، الذي ترجمتُ له نوفيلا "حلم". النوفيلا الجديدة بعنوان "مجد متأخر"، وتدور حول شاعر هَرِم اكتشفته فجأة مجموعة أدبية شابة، فظن أنه سيحصل في خريف عمره على المجد الذي لم يعرفه شاباً. كما أقرأ رواية "الأعراف" للروائي محمد علاء الدين والصادرة حديثا عن دار نوفل.
وأواصل العمل على مشروعي الجديد، وهو ترجمة رواية "شتيلر" للكاتب السويسري ماكس فريش. هذه الرواية مؤسِّسة في الأدب الألماني، وتعتبر من أهم أعمال الكاتب ومن أبرز الروايات الألمانية بعد الحرب العالمية الثانية. ولعلها المرة الأولى التي أسأل فيها نفسي خلال الترجمة: هل سأعيش حتى أتمّ ترجمة هذه الرواية الضخمة؟ وهل سأراها بعد صدورها؟
ورغم تشتت الذهن، ورغم الأخبار المقلقة، أربي الأمل، وأواصل العمل.
الروائية اللبنانية جنى الحسن المقيمة في أميركا: أرتب أفكاري وأقرأ "روث"
أحاول أن أستغل هذه الفترة لإعادة ترتيب أفكاري وما يشغلني عن العمل هو ترجمتي حاليًا لرواية مميزة لكاتبة من كينيا.
يمكنني التركيز أكثر في الترجمة الآن، إذ لم أقرأ كثيراً في الفترة الأخيرة بسبب انشغالي في العمل لكنني أنوي قراءة أعمال زملاء عديدين صدرت كتبهم حديثاً، وأنوي كذلك إعادة قراءة بعض أعمال الكاتب الأميركي فيليب روث. الأفلام التي أشاهدها متنوعة وليست مرتبطة بلائحة أعددتها، على قدر ما هي مرتبطة بمزاجي. أحيانًا أبحث عن أفلام معقدة، وأحيانًا كل ما أريده هو أن أشاهد فيلمًا خفيفًا أو كوميديًا كي لا أفكر بأي شيء.
الروائي اليمَني وجدي الأهدل: إعادة قراءة شكسبير
هذا البقاء الاضطراري في البيت جعلني أُعيد النظر في مشاريعي المؤجلة، ومنها إعادة قراءة مسرحيات وليم شكسبير. قرأت أعمال هذا المؤلف المسرحي العبقري في المرحلة الجامعية، وانطباعي عنه في تلك السنوات المبكرة أنه مؤلف عادي، ولا يستحق ذرة من ألقاب العظمة التي تُكال له! لكن قراءتي له الآن هي اكتشاف لجماليات لم أكن واعياً لها في سنوات الشباب، ولأنني خضتُ تجربة التأليف المسرحي، فإنني أُقدِّر المهارة غير العادية التي تميز بها شكسبير في رسم الشخصيات، والقدرة الفذة على المناورة الدرامية في منطقة محدودة جداً هي خشبة المسرح.
لدي أسبابي الخاصة التي تدفعني لإعادة قراءة مسرحيات شكسبير: ثمة حكاية شعبية يمنية من التراث الشفوي تتطابق أحداثها مع أحداث مسرحية "تاجر البندقية"! المفاجأة أن الحبكة الدرامية في القصة الشعبية اليمنية أكثر إحكاماً من حبكة مسرحية "تاجر البندقية".. ففي الحكاية الشعبية اليمنية بطلة القصة (فتنة) هي التي تنقذ بذكائها حبيبها الذي صار زوجها من شرط التاجر اليهودي، بينما في المسرحية الشكسبيرية لا تنقذ البطلة (بورشيا) حبيبها، بل صديق حبيبها، من "اليهودي" الجشع. والسؤال المهم هنا هو أيهما أقدم: الحكاية الشعبية اليمنية أم مسرحية شكسبير؟ وهذه ملاحظات لا تُقلل من شأن وليم شكسبير، فهو واحد من مبدعي السرديات الكبرى المتجاوزة للحدود الجغرافية والأزمنة، وهذا الاهتمام بكل صغيرة وكبيرة عنه هو جزء بسيط من التقدير العالمي الذي يحظى به. كما أن إبداعه المسرحي ما زال مصدراً خصباً للسجال بين النقاد ودارسي الأدب في بريطانيا وأميركا وسائر الدول ذات الثقافة الإنغلوفونية.
مسرحية "العبرة بالنهاية" لاحظ العديد من نقاد الأدب أن حبكتها شرقية، وشبه مستنسخة من حبكات كتاب "ألف ليلة وليلة". لكن هذا الكتاب الشرقي النفيس، لم يترجم للغة الإنكليزية إلا في العام 1706، أيّ بعد وفاة وليم شكسبير بتسعين عاماً، فكيف يمكن اتهامه بالتأثر بكتاب لم يكن في متناوله الاطلاع عليه؟ التفسير المنطقي هو أن تأثير ألف ليلة وليلة، وصل إليه عبر وسيط، هو الإيطالي جيوفاني بوكاتشيو(1313- 1375) مؤلف قصص الديكاميرون، وهي القصص التي تحمل تأثراً أوضح بألف ليلة وليلة. هذه متاهة، لكنها جيدة في ليالي الحجر الصحي.
إضافة تعليق