الأسرة الإنسانية الواحدة: الحجُّ بداية

من كتاب مآزق التدخل الأمريكي وإمكانات الفعل العربي
درج الحديث في السنوات الأخيرة عن ((الأسرة الدولية)) ومتطلبات إرضاء هذه ((الأسرة)) وتقييماتها لتصرفات البلدان ومكانة هذه البلدان في سلم درجات حسن السلوك لديها ...
دون أن تعتمد الدرجة في معظم الأحايين على التقييم نفسه، أو دون أن يكون التقييم مُرتبطاً بأسس سليمة موحدة وموضوعية ومتصفة للجميع. حتى أن عبارة ((الأسرة الدولية)) أصبحت في أيامنا هذه تعني، في غالب الأحيان، رغبات دولة كبرى، أو اثنتين أو مجموعة منها على الأكثر، حيث يضعُ زعماؤها أنفسهم قيّمين على سياسات وطموحات الدول ((الصغرى)) وأخذوا يحسبون بميزان مصالحهم وقيمهم مكانة وسلوك الدول الأخرى ثم يضعون الدرجات فهذه دول مارقة، وتلك شريرة، وأخرى معاقبة، والأخرى محاصرة ويعمّمون النتائج على بقية دول العالم لتقوم بتبنيها وإلا تلفظهم ((الأسرة الدولية)) والذي ساعدهم في ذلك استكبارهم الناجم من القوتين العسكرية والاقتصادية العاتية التي يكلف الوقوف أمامها ثمناً باهظاً من الدمار والقتل والاحتلال والحصار.
والبديل لهذا العوج في مفهوم ((الأسرة الدولية)) الذي تحول إلى ((نادي الدول العظمى)) هو مفهوم ((الأسرة الإنسانية)) الذي يتجسد في المفهوم الإسلامي للحج مدرسة لنشر قيم المساواة في الكرامة والمكانة الإنسانيتين، وربما يمنح مفهوم الحج إمكانية تصحيح لمفهوم ((الأسرة الدولية)) السائد والمتسم بالعنف والغطرسة، مع أنّ هذا الموسم الاستثنائي لم ينل من أجهزة الإعلام العالمية سوى تغطية خاطفة لصورة أناس يمارسون المناسك الشرعية لدين محدد أو لحوادث لوجستية تقع فتتصدى لها نشرات الأخبار دون التوقف عند هذه الظاهرة العملاقة المستمرة منذ أكثر من ألف وأربعمئة عام والتي تقدم بعضاً من الأجوبة التي تبحث عنها عقول وقلوب البشر في كل مكان.
ففي هذا العام، كما في كل عام، اتجه ملايين المسلمين من كافة الأعراق والأمصار والأمم إلى مكة المكرمة لأداء فريضة الحج والتي هي أحد أركان الإسلام، فيما يرنو ملايين آخرون بقلوبهم شوقاً إلى ديار الرسول (، واتجهوا جميعاً إلى عرفة مُحرمين يرتدون قطع القماش البيضاء التي لم يخطها خياط ولم يتدخل بها تزيين، وبدلك تزول الفروقات بين الفقير والغني وبين الرفيع والمسكين وبين الأبيض والملون وليتساوى الجميع في الكرامة والممارسة الإنسانية بغض النظر عن الموقع والجنس واللغة والعرق والقومية، كما أراد الله لهم أن يكونوا مُتعارفين متساوين، وليكون الاعتبار الوحيد الذي يُميز بينهم هو طاعة الله الواحد الأحد وتقواه وذلك تطبيقاً لقوله تعالى: {إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ} [الحجرات: 49/13]. كما يُرافق الإحرام التوقف النهائي عن حاجات الجسد وتكريس الوقت والعقل والقلب للروح وصلتها بالخالق وبما أرسل للبشرية من رسل ورسالات تعمل على إتمام مكارم الأخلاق عند البشر تجسيداً لأرفع صفة سبغها الله عز وجل على نبيه محمد ( حين وصفه {وَإِنَّكَ لَعَلَى خُلُقٍ عَظِيمٍ} [القلم: 68/4] وربما كانت مناسك الحج هي الوحيدة التي تحقق المساواة الحقيقة في الإنسانية بين جميع البشر من جميع الأعراق والأمصار وبين النساء والرجال أيضاً حيث يطوف المسلمون والمسلمات ويسعون ويؤدون مناسك الحج بقلوب متضرعة إلى الله وحده مرددين لبعضهم البعض التحية المشتركة ((السلام عليكم ورحمة الله)) وفي معظم لغات الأرض وذلك للقيمة العالية التي أولاها الإسلام للسلام على الأرض باعتباره جوهر الحياة البشرية وأساس سعادتها وازدهارها. وكما تختلف حقيقة ما يدعو إليه الإسلام عن الصورة المشوهة والمجتزأة التي يحاول البعض الترويج لها يومياً في وسائل الإعلام العالمية بهدف النيل من الدين الحنيف وأتباعه، وكم يختلف التعامل مع المرأة في هذه المناسك المقدسة عن أي شيء مُغرض يروج عن انتقاص مكانة المرأة في الإسلام حيث لا تشهد نساء الأرض في أي مكان من الدنيا عملاً مشتركاً مع الرجال أشد كثافة وحميمة وإنسانية وبعداً عن التمييز بين الجنسين من مناسك الطواف والسعي والرجم والوقوف على عرفة حيث تقف ملايين النساء مع الرجال وقفة واحدة وفي مسيرة مشتركة لعبادة الخالق تربي النفس على الترفع عن التفكير المادي والجسدي وتُصبح المرأة صنو الرجل في العبادة والتوجه إلى الله إلا حيث تتطلب طبيعة جسد المرأة تكريماً خاصاً فهذا ما وفره لها الإسلام والذي أخذ البعض - مسلمين وغير مسلمين - يستغلونه لإشاعة فكرة دونية عن المرأة وهي فكرة أبعد ما تكون عن مكانة المرأة في الإسلام.
واللافت أن المسلمين في هذا الموسم التوحيدي المقدس يصلون على خاتم الأنبياء محمد ( وعلى من سبقه من الأنبياء والرسل لأن الإسلام بُني على ما قبله من رسالات ولم يُلغ ولم يُدمر بل أضاف لما بناء الآخرون وذلك تطبيقاً لقوله تعالى: {يا أَيُّها النّاسُ إِنّا خَلَقْناكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْناكُمْ شُعُوباً وَقَبائِلَ لِتَعارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقاكُمْ} [الحجرات: 49/13].
والسؤال الحيوي لمثل حال المسلمين اليوم هو: لماذا لا يتم استثمار هذه الطاقة الروحية الهائلة للمسلمين في موسم الحج لتصبح عملاً توحيدياً لعالم المسلمين المتنافر في السياسات والمتباعد في اللقاءات؟ فإذا كانت أوربة المسيحية بعد سنين في الحروب والاقتتال الناجم عن التعصب الطائفي والتنازل على المستعمرات قد نجحت في تأسيس وحدتها على أساس الاتفاق التدريجي بدءاً من الفحم والفولاذ وصولاً إلى العملة الموحدة فإنّ ضغوط التوجهات العنصرية والتقسيم الطائفي وحروب الاحتلال وضياع الأوطان بالاستيطان تُهدد العرب المسلمين ومقدساتهم، الأمر الذي يجب أن يدفع قادة العرب والمسلمين لتلبية نداء الحج كما يفعل ملايين المسلمين كل عام ليكون الطواف حول الكعبة في بيت الله الحرام تقليداً جامعاً لجميع حكام المسلمين وتذكيراً بالرسالة الجامعة للقبائل والشعوب والأمم في موسم الوحدة الإنسانية وليكون موسم الحج موسماً لإطلاق هذه الطاقة الروحية والأخلاقية السامية والهائلة والتي عزّ نظيرها لما فيه خير المسلمين وخير البشرية جمعاء ونبراساً يدل هؤلاء الحكام نحو الوحدة في السياسات والمواقف وفق برنامج يلتقي فيه هؤلاء كل عام في هذا الموسم التوحيدي المقدس للاتفاق على أمور قد تكون بسيطة، ولكن تراكم ما يتم الاتفاق عليه من أمور - مهما كانت بسيطة - قد يوصل خلال سنوات دول آسية وإفريقية المسلمة المتباعدة حالياً إلى ما وصلت إليه أوروبة بالمسيحية اليوم - وليكن الهدف الأول لمثل هذا اللقاء تحقيق السلام للمسجد الأقصى الذي يرزح منذ عشرات السنين تحت احتلال يغيض يحرم أمة الإسلام من بركة زيارته ومن حقهم في المسجد، فهل يمكن لنا أن نحلم بأن يلتزم قادة المسلمين، برسالة الحج السماوية وروحها التوحيدية بحيث تتمكن أمة المسلمين أن تتحد في الجوهر وفي المواقف فتدفع الظلم عنها وعن البشر حيثما كانوا وتُعيد الاعتبار إلى دين الله والإيمان الحقيقي بالمفاهيم والقيم الإنسانية السامية في العدل والمساواة والأخلاق الكريمة، بعيداً عن الشعارات الدولية الفارغة التي تخصص لها ملايين الدولارات لتضليل العالم واحتلال بلدانه وفرض الوصاية عليها ونهب مواردها تحت شعارات تنشر بقوة السلاح والمال وشراء الذمم والضمائر وبالعنف والاحتلال والسجون السرية وامتهان الكرامة الإنسانية أيما امتهان.
إن موسم الحج هو دعوة لتأسيس ((أسرة إنسانية)) تتبارى في إتمام مكارم الأخلاق، ولذلك يجب أن يكون مناسبة لعمل شيء محدد وواضح يخدم المسلمين والأسرة الإنسانية المتساوية في الكرامة والمكانة ولتصحيح مفهوم ((الأسرة الدولية)) الاستعماري ليعني حقاً الكرامة والمكانة المتساويتين بين الدول والشعوب بعيداً عن اعتبارات القوة الغاشمة التي تستخدم لفرض الظلم على الشعوب الأخرى. والظلم هو أبغضُ ما يبغضه رب العالمين لخلقه وعباده. لاشك أن اندفاعة الإيمان لدى المسلمين والمسلمات في موسم الحج هي أروع وأضخم تظاهرة إنسانية على مستوى العالم، فهل يلتفت إليها قادة المسلمين فيحولونها إلى عمل بناء لما فيه خير الأمة ووحدتها وسعادة وازدهار البشرية جمعاء.
د. بثينة شعبان

إضافة تعليق