الأسرة الغربية وتهاوي قِيَم التعالي طه عبد الرحمن مُدافعًا عن الأسرة!

كعادته، يمتعنا الأستاذ الجليل طه عبد الرحمن بمقارباته المنطقية واللغوية المثيرة، ولكن هذه المرة عن قيم الأسرة المابعدحداثية[i][1] مفصّلًا أدواءها وكاشفًا لدوائها طارحًا إياها على أرض الحداثة الإسلامية الممكنة؛ فهو يرى ضرورة دخول الحداثة الصالحة في الممارسة الإسلامية! تَوَجُّهٌ نحى بأمير المنطق واللغة المغربي باتجاه تمحيص الوقائع كما هي حاصلة لاستثمارها في بلورة مقاربته التقويمية غير آبه بالنقود المعترضة على إهماله الوقائع التي هي من اختصاص التحقيق العلمي بحسبه، ففي رأيه أنَّ كل تقويم فلسفي يتأسس على النظر في "ما يجب أن يكون" دون مواربة[ii][2].

أما الثابت في "روح الحداثة"، الذي اتّسم بجديد نزوله إلى ميدان الحداثة كباحث اجتماعي عن التفاصيل الدقيقة في حياة المجتمع، فقد كان ثلاثياته المنطقية الملازمة لكتاباته والتي تأتي ضمن سمفونية منطقية ولغوية بديعة يتفرد بها الأمير والتي لا تكاد تنكشف لمريده حتى تأسر لبَّه دون أن تقطعه عن غيره، ذلك ما سعينا لمحاكاته في هذه القراءة لمنظوره عن العائلة المابعدحداثية[iii][3]، شرحًا أولًا وتعليقًا بعد ذلك.

منطلقًا من أنَّ الأسرة الحداثية قد انفصلت عن الأخلاق التقليدية من حيث مبادئ التوجه إلى الإنسان والتوسل بالعقل والتعلق بالدنيا التي انتهت لتصير أسرة تشكل محلًا للهناء لا محلًا للبقاء كما كان الشأن مع الأسرة التقليدية، يكشف طه عبد الرحمن أنَّ سعي المنطق الحداثي الغربي إلى الانفصال المطلق عن المؤسسة الدينية كان باعتماده "معالم طريق" أوصلته بالفعل إلى تلك الغاية، غاية انقلبت إلى الضد ابتداء من أواسط ستينيات القرن العشرين، وهو الانقلاب الذي سمي بما بعد الحداثة، فكيف انقلبت القيم الحديثة إلى قيم ما بعد حديثة في إطار الأسرة؟

يورد الأستاذ طه عبد الرحمن الاعتراض على تسوية الصراع الطبقي بالصراع داخل الأسرة واعتباره امتدادًا له، فلئن وجدت أدلة على وجود فعلي للصراع داخل الأسرة فإنَّه صراع غير طبيعي وإنما متكلف ومهوّل، كما أنَّه صراع غير ضروري لكنَّه عرَضي، ومن ثمَّ فقد أُقحِم الصراع إلى الأسرة إقحامًا يحيله إلى ثلاثة مسببات؛ الأول والثاني أيديولوجيان، والثالث فعلي.

فالأول: هو الخطاب العقائدي الماركسي القائل بأنَّ أصل الصراع الطبقي يصدر عن تنازع الرجل والمرأة داخل الأسرة، ذلك أنَّ نطاق الزواج بِنْية يستَرِقّ فيها الرجلُ المرأةَ، والثاني: هو الخطاب الأنثوي القائل بعدم اعتبار الفروق الجسدية بين الرجل والمرأة، ومن ثمَّ فإنَّ الخطاب ذاته يرى أنَّ التمييز بين الأدوار على أساس البنية الجسدية ليس طبيعيًا، والثالث: هو وسائل الإعلام التي تسعى لصياغة فلك تصوري عن الأسرة لا يخرج عنه إلا "متخلّف مزعوم"، وذلك من خلال استثارة الحواس ومن ثمَّ التهليل لكل شخص شاذ وسلوك غريب لجعله مألوفًا.

وأما انصهار الأسرة - التي هي وجود روحي - في النمط الاقتصادي الرأسمالي ذي البعد المادي فليس إلا على أساس مُثُل أخلاقية ثاوية في روح الرأسمالية ذاتها والتي من بينها الاستهلاك، ومعنى ذلك أن يكون الاستهلاك المادي والمعنوي أساسًا للعائلة تبنى وتهدم وفقًا له؛ ومادامت العائلة الحاضن الأول للإنسان فإنَّ النهاية ستكون حتمًا تَصيِيره وصهره إلى كائن طبيعي مجرد من المثل العليا، ولما كان واجب "الحداثة الإسلامية" يقتضي الوصل بين السبب الطبيعي والقيمة الأخلاقية؛ يورد طه ذلك ضمن مخطط العلاج التالي للأزمة المابعدحديثة التي انفصلت عن المَثَل الأعلى المناسب لكل قيمة من قيم الحداثة الأخلاقية وهي المروءة والإلزام والسعادة.

1- من المروءة إلى الإمعية:

لقد انتهكت المابعدحداثة الخصوصيات الأخلاقية للأفراد في الأسرة التي يحفظها مبدأ المروءة، ولما كان فَقْد الخصوصية يعني التبعية للآخر؛ فإنَّ ذلك يُفقد الفرد القدرة على إصلاح الأسرة ناهيك عن التبعية التي تستحيل إلى إمّعية والتي هي مرادف للإمّرة التي تعني في اللغة موافقة كل الناس ما يريدون، وهو لفظ يدل على الفرد الذي أضاع دوره الأخلاقي؛ فهو إما يقوم بدور غيره أو هو يسلم دوره لغيره، وذلك فقدان المروءة التي منها اختلال الوظيفة الأخلاقية للأسرة وانفكاك العلاقات بين أفرادها.

يتصور الأستاذ طه أنَّ المعضلة تكمن في "انتزاع دور" تعرض له الفرد في سبيل عزله عن وضعٍ يَعنيه هو أولًا تاركًا الأمر لغيره، وذلك بدافع هاجس التخلف عن الركب أو بدافع الطمع في اللحاق به، وذلك ما أشاع الميوعة فانتهى الأمر إلى عدم القدرة على الثبات ولا حتى التعرف إلى الهوية الشخصية أو القدرة على تحديدها، "فلا معالم ثابتة ولا مراجع قارة ولا قيم مستقرة، الكل يموج ولا يدوم، والمآل غير معلوم"[iv][4].

لم يتوقف أمر الميوعة عند البيت الداخلي للأسرة؛ بل قد حظي بتشريع قانوني يحرسه، فانقلب المشرع القانوني على نفسه بنفسه؛ فإذا كان المطلوب من القانون أن يسبق الأحداث فيوجهها فإنَّه صار اليوم يكتفي بتقرير الوقائع والاستجابة لها، فحصل أن احتل علم اجتماع الأسرة مكانة فلسفة أخلاقها، وإذا قرأنا في هذا استسلامًا للمُشرع القانوني فكيف سيكون موقف المشرَّع له؟!

ولقد انجر عن هذا الانزياح النسقي الخطير الذي تعاضدت فيه إمّعية الفرد مع إمّعية القانون نتائج كان أهمها وضع الزوج أو الأب كما يلي:

1- إلغاء القانون سلطة الأب عندما قرر الإدارة المشتركة للأسرة بين الرجل والمرأة، وأجاز للمرأة أن تحضن ولدها في بيت زوج جديد أو خدن آخر.

2- القضاء على إدارة الأب للنسل عندما استفردت الزوجة بشأن تقرير أمر حملها رغبة ومنعًا وإجهاضًا ووضعًا، وصولًا إلى منحها حق حرمان الزوج من الأبوة من خلال حقها في التكتم على الوالد أو منح ولدها اسمها.

3- إنهاء نموذج الأبوة أولًا بالالتجاء إلى المربين والوسطاء النفسانيين سعيًا لمصلحة الولد، وثانيًا بمسايرة أهوائه التي تصل حد الإذن للولد باتخاذ الخدن داخل بيته والنفقة عليهما.

4- الفصل بين الأب وابنه، بحيث دفعت وتيرة الطلاق وتجدد الزواج أو السفاح بالوسطاء التربويين والنفسانيين إلى تهيئة الولد لذلك بالتقليل من المرجعية الأبوية وتحضيرهم لتقبل الأزواج أو الأخدان الجدد.

"كل ذلك والرجل المابعدحداثي يسلم ويستسلم، شاعرًا بالذنب والجُرم إزاء المرأة وطفلها، متهمًا نفسه ومن سبقوه بالظلم والهضم، ويزيد في شعوره بالذنب طول انفعال نفسه بمعنى الخطيئة الأولى"[v][5]؛ فلماذا انقلبت المروءة إلى إمّعية؟

للجواب على السؤال؛ ينبري طه عبد الرحمن لتحرير مفهوم المعية التي يعرفها بأنها إقرار بخصوصية الغير في حال التواجد معه كما هو الحال مع أعضاء الأسرة؛ إذ لكل عضو خصوصيته التي لا يعوضه فيها شخص آخر، وأنها إما معية خافضة أو معية رافعة، ومثالها خفض الزوج للزوجة عند اكتفائه بالمفاتن ورفعها بحسن العشرة، وكذا خفض الزوجة للزوج عند اكتفائها بالإنفاق ورفعه بحفظه في نفسها.

لقد انبنت الأسرة الحديثة على مبدأ التوجه إلى الإنسان بما لا يدع مجالًا لتفرع معنى التعالي عنه، ذلك أنَّ المتعالي مفارق لكل الحدود، والإنسان ملازم للحدود، والملازم لا يمكن أن يكون أصلًا للمفارق؛ لذلك فقد لزم أن تبقى المروءة الحداثية غير ذات مثال أعلى، أي دون معية رافعة، وأنَّ غفلة الأسرة الحديثة عن المثال الأعلى المفارق تقتضي الجهل بالمعية الرافعة وهو ما يعني إنكار  خصوصية الغير بما يفضي إلى نشدان معية خافضة وهي عين الإمعية حيث لا أخلاق تعلو بالهمة.

2- من الواجب إلى الرغبة:  

يكاد أن يختفي "الواجب" مفهومًا ولفظًا من الأسرة المابعدحداثية؛ "لأنَّ أفرادها يجدون شديد النفور من إيراده على ألسنتهم كما تمجّه أسماعهم مجًّا، إذ يذكّرهم بالموعظة الدينية التي ذهب بها الماضي السحيق"[vi][6]، لقد غابت واجبات الزوجية والأمومة والبنوة وصارت الرغبات بديلًا عن تلك الواجبات.

ولما صارت الحقوق دون واجبات تقابلها؛ فإنَّ الأمر تحول إلى "حظوظ" لا يتقيّد طالبها بواجبات، ذلك الذي يحدث ضررًا مؤكدًا بالميزان العملي والعقلي الذي يوازن بين الحق والواجب، وهو ما تجلى فيما يلي:

1- لم يعد للطفل حق إجمالي يتمثل في رعايته؛ إنما صارت حقوقًا تفصيلية يعينها المشرع.

2- لا يقف حق الولد في مقاضاة والديه وهو في حضنهما؛ بل يمتد ذلك إلى مقاضاتهما بدعوى أذيتهما له وهو في رحم أمه.

3- لم تقتصر المرأة على المطالبة بمشاركة الرجل سواء بسواء؛ بل زادت إلى ذلك حق مشاركته لها داخل البيت.

4- تجاوز المطالبة بحقوق الأسرة إلى الدفاع عن حقوق الشواذ المتعارضة مع وجود الأسرة.

5- تجاوزت الحقوق أسرة النكاح إلى أن صارت لأسرة السفاح ولأسرة المثليين حقوق أيضًا، وكذلك الأمر بالنسبة إلى الأم العزباء التي صارت لها حقوق كالأم المطلقة.

لقد كان القسط الأعظم من تلك "الحظوظ" من نصيب المرأة، وذلك ما تجلى في حيازتها حظوظًا أعطتها إمكان التصرف الكامل في وظيفتها الإنجابية حيث مَنع الحمل والإجهاض، الإخصاب من غير جماع عبر أطفال الأنابيب والإنجاب في رحم آخر، ومن ثمَّ نسبة الابن إلى أبٍ غير طبيعي، وهكذا يكون للمرأة المابعدحداثية تأسيس أسرة دون أب.

فضلًا عن ذلك، فقد صار للمرأة حق معاشرة الرجال خارج نطاق الزوجية دون تبعات تواجهها، وذلك إثر ذهاب حبها لزوجها بل وحتى لمجرد الاستجابة لنزوتها مع بقائها محبة له، وكل ذلك مكفول لها كحقوق مفصلة في القانون في إطار ما يسمى بالعقود غير الزواجية.

ظهور مفهوم "التوجّه الجنسي" الذي غطى على مسلّمة "الجنس" الذي يعني الجماع بين ذكر وأنثى، لكن التوجه الجنسي صار يشي بوجود قدْر من الاشتباه يمكن الفرد بموجبه من تحديد توجهه الجنسي بغض النظر عن عضوه التناسلي ذكريًا كان أو أنثويًا! حيث صار التمييز طبيعيًا بين الجنس الطبيعي والتوجه الجنسي المرغوب، فقد يكون الجنس أنثويًا والتوجه ذكوريًا كما قد يكون العكس، كما يمكن أن يكون التوجه مزدوجًا ذكوريًا كان أو أنثويًا.

كل ذلك، ولا تبالي المرأة المابعدحداثية بالنتائج الوخيمة المترتبة عن تلك الحظوظ؛ بل وتتوهمها دليل سلامة لا دليل مرض، ومن نتائج ذلك: تقهقر الزواج وارتفاع الطلاق، انقلاب الهرم الديمغرافي، تكاثر الأطفال الطبيعيين، تصاعد المراهقات الحوامل، بما يؤدي إلى اهتزاز شامل للأسرة وشيوع للشذوذ؛ والسؤال إذن بعد ذلك لماذا صارت الرغبة هي الحكم بدلًا من الواجب في الأسرة المابعدحداثية؟

لمـَّا كانت الأسرة الحداثية تقوم على واجب تحقيق الأمور المادية باعتبارها التزامًا هينًا وهو ما يقابل واجب الالتزام بتحقيق الأمور المعنوية باعتباره التزامًا قيمًا، وأنَّ هذا الواجب قائم على مبدأ الطبيعة الإنسانية بمقتضى العقل لا على جملة واجبات وجدانية بمقتضى الفطرة؛ كان تعرف الفرد في الأسرة الحداثية إلى الالتزام القيم متعذرًا.

ومنه انحدرت الأسرة المابعدحداثية إلى التزام هين يُستغرق فيه الفرد في الانتقال من تحقيق غرض مادي إلى آخر من غير انقطاع ولا غاية، فكان ذو الحظ في أسرة كهذه هو فقد دوره في بناء الأسرة على أخلاق الإلزام التي تنبع من الاستمساك بمثال قيم قائم على إدراك المعنى الخلقي النابع من الفطرة لا العقل.

3- من السعادة إلى اللهو:  

لم يعد للسعادة العامة لدى الأسرة المابعدحداثية اعتبار؛ فالواجب صار لا يشغلها، وقد استعاضت به "الرغبة" وما تجلبه من اللذة التي صارت مطلوبة في كل وقت وظرف، وأنَّ اللذة صارت بذلك مرجعًا يقاس به مغزى الوجود، ومن ثمَّ يأتي ارتباط الفرد بالأسرة وانفصاله عنها تبعًا لتحصيل تلك اللذة.

لم تعد ذات الفرد تتحقق إلا بالرغبة والإعجاب، فقد جعل من نفسه المرجع في تحديد رغباته وتنظيمها وفقًا لما يجد فيه منفعة نفسه ومصلحتها؛ لذلك فقد ابتعدت رغباته عن الشوق المعنوي وانحطت إلى مجرد شهوات ساهمت في شيوعها وسائل الإعلام ونزعتها الاستهلاكية، وتأتي في مقدمتها الشهوة الجنسية التي استولت على القلوب، فقد غدا عنصر الاشتهاء الجنسي الأساس الذي عليه تقوم عاطفة الحب، بحيث لا تدوم الرابطة الأسرية إلا بدوام أسباب الإثارة والانجذاب، وكما تقدم فقد صار كل ذلك يحصل خارج مؤسسة الزواج التقليدية لشعور الفرد بأنها تقتحم عليه وعلى شريكه حياتهما الشخصية، وهي من ثمَّ تصرف عن نفسها القدر الممكن من الحوائل والشروط المؤسسية لإحلال رغبات الشريكين الآنية محلها.

هكذا تنقلب الأسرة إلى سلسلة من المشاهد المتتالية التي لا تتحقق إلا بعد تفاوض الشريكين الدائم حتى يغدو  زواجهما زواجات متعددة، والمبدأ في كل ذلك أنَّ أمتع الملذات ما كان مباشرًا وعاجلًا؛ فتنقلب السعادة حقيقة لا تقوم على أفعال الصلاح الخلقي وإنما في الاستمتاع النفسي الذي ليس هو إلا اللهو حين يغدو كل نشاط إنساني لا يروم صاحبه من ورائه إلا المتعة، فيغدو موقف الفرد المابعدحداثي غير مختلف عن الطفل الذي يلهو بلعبته يستعجل الفوز بها.

لقد أضحت الأسرة المابعدحداثية محكومة بعقلية اللاعب الصغير لا عقلية الصاحب الكبير، وذلك حينما صارت تحتكم إلى "جنون الإبداع" فـ"نجد أنَّ أفراد الأسرة لا يهيمون في شيء هيامهم في أن يدبّروا حياتهم وفق إبداعهم الخاص بأي وجهٍ حتى لو دعتهم رغبتهم في هذا الإبداع إلى أن يشذوا عن الناس جميعًا، وكأنَّ في قلوبهم بغضًا لتقليد غيرهم وغلًّا لتراثهم وماضيهم؛ لذلك تراهم يجددون ويخترعون أنَّى توهموا وجود مجال أو سبب لهذا التجديد والاختراع كأنما الملل يلاحقهم في كل ما يفعلون"[vii][7].

لقد غدا الطفل في الأسرة مثالًا للنزعة اللعبية بأن أُنزِل منزلة اللعبة يَلعب بها الشريكان في الأسرة، ولا غرابة في ذلك مادام هدف الحياة مختصرًا في اللعب، وقد تجلى ذلك في الزعم بأنَّ مصلحة الطفل فوق كل اعتبار  معتبرين أنَّ علاقة الوالدية أمتن من علاقة الزوجية، بينما مرد الأمر يكمن إلى سعي منهم لخلق "جو اللعب"، إذ غدا إنجاب الولد قرارًا تدفع إليه الرغبة في الاستمتاع بالطفل.

وأما إن حصل مانع في الحمل سواء بعدم اتفاق الشريكين، أو لعقم أحدهما، كانت سوق الحمل التي أنشأها خبراء صناعة الحياة بديلًا، فيوجدونه كما توفر السلعة من بنوك الأجنة المجمدة، ومياه الذكور والإناث وغيرها، أما إذا رغب أحد الشريكين في أثناء الحمل عن الطفل لطارئ ما أو حتى مزاج متقلب تحل الرغبة في التخلص من الحمل كمثل الصبي الراغب عن لعبته الجميلة فيتم قذفه كما تقذف اللعبة الشوهاء.

أما إذا حصلت الرغبة عن الطفل بعد ميلاده، كان للشريكين حق التكتم عن نسبه والتواري عنه، كما يحق لهما العودة إليه أيضًا إذا عاودتهما الرغبة فيه، كما يحق للوالدة أيضًا أن ترفع الأمومة عن وليدها وكذلك الوالد، فيترك حتى ينسب بالتبني أو يحسب على مجهول.

أما إذا حظي الولد بالقبول إلى غاية التنشئة وحظي بالنسب كان الإشكال في أي نمط أسري يصلح لتنشئته، الأنماط التي تختلف باختلاف رغبات الشركاء، أزواجًا أو أخدانًا، أضدادًا أو أمثالًا، مجتمعين أو متفرقين؛ فينشأ الولد في أسرة أعيد تركيبها، والحجة في ذلك إكساب الطفل القدرة على التكيف مع التقلبات التي هو معرض لها لا محالة في هذا الجو اللعبي، فلماذا انقلبت الأسرة المابعدحداثية من السعادة إلى اللعب؟

لما كانت الأسرة الحداثية قد جعلت من الاستمتاع بالحياة على فترات متقطعة تتقلب بتقلب المنافع المادية جاز وصف غايتها من السعادة تحقيق الحياة الطيبة المنفصلة، حيث تخضع لشروط الحياة المادية غير الدائمة، بينما الشاهد الأمثل الأعلى في تحقيق الحياة الطيبة المتصلة هو الخلود بوصفه سعيًا للبقاء بعد الموت عن طريق العمل المقدّم.

لذلك؛ كان السبب في تحول السعادة في الأسرة المابعدحداثية إلى لعب نابع من مبدأ التعلق بالدنيا هو الحداثة، وهو مبدأ لا يمكن أن يتفرع عنه الخلود؛ فقد اتصفت الأسرة المابعدحداثية بنزعة لعبية مقتضاها الاستغراق اللحظي الذي لا اتصال فيه يرقى بالحياة بما يفقد الفرد دوره في بناء الأسرة على أخلاق السعادة ومن ثمَّ فلا فكاك عن هذه النزعة اللعبية إلا بالسعي إلى الحياة الطيبة المتصلة التي لا إمكان لوجودها إلا بإدراك شاهد السعادة الأمثل وهو الخلود.

وحاصل القول يكمن في أنَّ علاقة الأسرتين الحديثة وما بعدها هي أشبه بمفارقة، أنَّ المابعدحداثية كانت بمثابة الوليدة عن الحديثة وضرّتها في الآن ذاته، كون  الأولى قامت على المبادئ ذاتها التي قامت عليها الثانية في الوقت ذاته الذي أخذت فيه بأخلاق الإمعية بخلاف أخلاق المروءة الحداثية؛ فاستحالت الأسرة المابعدحداثية جسدًا بلا روح من حيث قيامها على ثلاثة مبادئ هَوَت بها فصيرتها اجتماعًا بلا روح تسمو بها، والتزامًا لا واجب يقتضيه، وحياة غافلة عن الخلود، "وهل العبرة من كل هذا كله إلا أنَّ الأسرة الحداثية قد خرجت عن مقصودها، وكل خروج عن المقصود هو تنبيه على وجوب الدخول في التصحيح، ولا تصحيح للأسرة بغير عودة الروح إليها، هذه الروح التي لا تنفخها فيها إلا قيم التعالي والفطرة والخلود"[viii][8]

ومن خلال ما تقدّم من تفصيل لمقاربة الأستاذ طه عبد الرحمن نعرّج الآن إلى الكلام فيما نتصوره التصحيح اللازم القيام به من الجانب الواقعي - حيث التصحيح الخلقي كان قد تقدّم في العرض ذاته -، ذلك أننا مررنا عبر العناصر الثلاثة التي تتآنس في إطار من المعية الأسرية وهي: الأب والأم والولد، وأننا قد اكتشفنا أنَّ جوهر الأمر قام على هدم مكانة الأب الطبيعية والمبالغة في رفع مكانة الأم والولد إلى مكانة لا تتناسب وطبائعهما الخَلقية، فكما هو باد يظهر أنَّ الأمر لا يتعلق برفع مكانة المرأة فحسب؛ إذ يمكن أن يطالها الحيف استنادًا إلى طبائع الرجل الخشنة وطبائع المرأة اللطيفة، إذ هنا تحديدًا يحصل الاشتباه وتحول الحق إلى باطل.

فلو تعلق الأمر فقط باستعادة المرأة مكانتها بشكل يتناسب مع طبيعتها الخَلقية لكان ذلك مقبولًا بل ومطلوبًا؛ لكن المراد هنا أولًا هو ليس فقط سلب مكانة القِوامة من الأب بل المراد الحقيقي هو الإضرار بطبيعة الأب الخشنة، من خلال تقاسم القوامة مع المرأة فضلًا عن منح المرأة حق إدخال الأب إلى البيت ليَقرّ فيه وخروجها هي منه للضرب في الأرض! في إخلال ليس بثقافة أو مجرد تقاليد، لكنه إخلال بالطبيعة الإنسانية ذاتها، وهو إخلال ينعكس حتمًا على المرأة التي يراد لها أن تخرج عن طبيعتها اللطيفة إلى عالم الرجال وتتقمصه، وذلك ما نشهده في بعض النماذج من النساء التي صارت أكثر رجولية من الرجال[ix][9].

لذلك؛ كان الميزان في "تحرير المرأة" هو حفظ طبائع كل عضو ضمن المعية الأسرية، الطبائع التي تنعكس حتمًا على الولد أيضًا، عندما يحصل التميع مع رغباته بحماية قانونية، إخلال بأية سلطة يمكن أن تكون مرجعًا بعد ذلك، بما فيها سلطة القانون التي لم تعد تحدد ما يجب أن يكون بل تحولت إمعةً مهمتها تقرير رغبات الولد والمرأة وتحييد الرجل عن مهمته الطبيعة كما تقدّم، وفي ذلك قضاء نهائي على أصل كل سلطة مرجعية، ومن ثمَّ فهو قضاء على مبدأ الحياة الروحية التي لم يكن اجتباء آدم إلا إيذانًا بارتقاء الإنسان إليها من خلال مبدأ الأسرة ذاته[x][10]، وأنَّ مبدأ الحياة الخُلقية هو الأسرة؛ فهي الترجمة الفعلية للأخلاق ومكانتها وترتيب أعضائها الترتيب الصحيح وفقًا لطبائعهم، وأنَّ الحاصل من انتزاع مكانة الرجل وتقاسمها مع المرأة والولد إنما هو سعي للعودة بالإنسان إلى الحياة الطبيعية وحرفه عن الحياة الروحية، أي إنَّ الأمر لا يتعلق بتهافت المرأة على سلب مكانة الرجل أو تقاسمها معه؛ بل الغاية هي تردي الإنسان رجلًا وامرأة وولدًا إلى حياة الأنعام[xi][11].  

ختامًا، لا بدَّ من التنبيه إلى أنَّ التحرير إذن لا يتعلق بتحرير المرأة بل الأمر متعلق بتحرير الإنسان من الارتهان إلى حياة الأنعام والبهائم التي ليس قانونها إلا أكل القوي للضعيف، وأنَّ الإنسان إنما "يتأنسن"[xii][12] ويتعالى على إنسيته بالأسرة وحفظ طبائع أعضائها الأصيلة وفي ذلك أيضًا معنى الإيمان بـ"الاختلاف"[xiii][13]، وحينها نفهم تمامًا أنَّ التشريع القرآني الوارد في الأسرة إنما هو أرقى ما يمكن تصوره في التقنين للأسرة وأدوار أعضائها دون الارتهان إلى أية ثقافة تاريخية أو تقاليد اجتماعية يمكن أن تكون قد اقتربت أو ابتعدت عن "القانون الإسلامي" في مسألة الأسرة.

 


[xiv][1]  - يفضل الأستاذ طه عبد الرحمن صيغة  المابعدحداثة" بإدخال (ال) التعريف على مركب اللفظ كله باعتباره كلمة واحدة صرفًا وإعرابًا، وذلك استنادًا إلى شواهد مسبقة في الاصطلاح العربي مثل "الماصدق"، وأنَّ ذلك يفيد من حيث المعنى أنَّ المابعدحداثة خروج عن الحداثة كما هو عند أغلب المنظرين، وأنَّ لفظ مابعد الحداثة لا يصح إلا إذا تصورنا أن مابعد الحداثة استمرار للحداثة كما عند هابرماس( ص113، روح الحداثة.

[xv][2]  - طه عبد الرحمن، روح الحداثة.. المدخل إلى تأسيس الحداثة الإسلامية، المركز الثقافي العربي، الدار البيضاء، الطبعة الأولى 2013، ص 18، (الهامش).

[xvi][3]  - ورد ذلك في الفصل الثاني من الباب الأول من كتابه روح الحداثة الصادر عن المركز الثقافي العربي بالدار البيضاء، في طبعته الأولى سنة 2013،  عنوان الفصل: نظام الأسرة الغربية والتفصيل الموجه  ص 99 - 145.

[xvii][4]  - المرجع نفسه، ص 115.

[xviii][5]  - المرجع نفسه، ص 117.

[xix][6]  - المرجع نفسه، ص 121.

[xx][7]  - المرجع نفسه، ص 132.

[xxi][8]  - المرجع نفسه، ص 139.                        

[xxii][9]  - ذلك ما يعبر عنه أفضل تعبير نموذج المرأة الهوليودية في الأفلام التي تسعى للتعبير عن الحاصل جزئيًا بالقدر الذي تسعى فيه لتصديره ليصير كونيًا، نموذج يقوم على تلك الرؤية القائمة دعوى "إخراج الرجل الكامن في المرأة" بينما هو في الواقع "إخراج للمرأة من طبيعتها" دون أي نموذج ممكن لها بعد فقد طبيعتها اللطيفة.

[xxiii][10]  - انظر: أبو يعرب المرزوقي، شروط نهضة العرب والمسلمين، دار الفكر دمشق، الطبعة الأولى 2001 ؛ إذ يورد أنَّ المرحلة الأولى من مراحل تحقيق القيم الاستخلافية كانت أولًا مضمون الرسالة الآدمية التي بفضلها حصل المرور من الزمان الطبيعي إلى الزمان التاريخي الذي هو شرط الحياة الجنسية الشرعية أو شرط تأسيس المؤسسة الأسرية في مدلولها الخلقي الروحي، وتحويل العلاقة الحنسية إلى علاقة تعاقدية تبنى عليها الحضارة الأسرية، ص 102.

[xxiv][11]  - يمكن تفسير التردي ضمن المجموع الدلالي للآيتين: (إن هم كالأنعام بل هم أضل)) الفرقان 44)، وكذا (ولآمرنهم فليغيرنّ خلق الله)) النساء 119).

[xxv][12]  - بهذا المعنى تحال الإنسية إلى مفهوم أخلاقي متعال دون ربطه بالمفهوم الحداثي وما بعده، على أنَّ الإنسية هنا تحمل دلالة رفع المخلوق الآدمي من مرتبة البشر إلى مكانة الإنسان رفعًا أخلاقيًا، وفي ذلك يورد عبد الصبور شاهين في كتابه "أبي آدم" ما يلي: قبل التسوية لم يكن المخلوق البشري إنسانًا؛ بل كان بداية خلق إنسان في حيز القوة، قبل أن يكون إنسانًا في حيز الفعل" ص 93، مطابع أخبار اليوم دون تاريخ نشر ولا عدد الطبعة، أي إنَّ الإنسية هنا يقصد بها الجانب الخلقي في الإنساني المرتبط بالوحي والتشريع الإلهي المباشر.

[xxvi][13]  - الإيمان الفعلي بالاختلاف هو إيمان بتنوع الطبائع التي على أساسها تتنوع الأدوار الوظائف، لا كما يفهمه المنطق المابعدحداثي الذي يصر على أن يفهم الاختلاف فقط على مستوى الوظائف ولو أدى ذلك إلى حرف الطبائع

إضافة تعليق

3 + 2 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.