الأسطورة والسياسة

حوارية ممتعة ومغامرة فكرية مثيرة في موضوع مثير، لايزال البحث الجدي فيه مقتصراً على نخبة من المفكرين والكتّاب، رغم الأهمية التي ينطوي عليها، إذ أن من شأنه إلقاء الضوء وتوضيح مايبدو أحياناً وكأنه عبثية سوريالية تطبع جوانب من المشهد العربي الراهن، حوارية تسلط الضوء على العلاقة بين السياسة التي تدار بها المجتمعات المعاصرة والأساطير التي خلقتها الحضارات والمجتمعات القديمة في نصوص وملاحم، يبدو أن لها استمرارية في حياتنا المعاصرة، إذ تشهد حضوراً للميثولوجيا التي يظن الكثيرون أن لاعلاقة لأحداثها بعالم اليوم، في سلوك الجماعات والأحزاب والقوى السياسية التي تعكس صور العنف التي تظهرها تلخيصاً لطقوس ميثولوجية، تتم استعادتها على هذا النحو أو ذاك.
هذه الحوارية الفكرية تشكل محور كتاب «الأسطورة والسياسة» الصادر عن دار الفكر في دمشق، ضمن سلسلة «حوارات لقرن جديد»، التي تهدف، كما جاء في مقدمة الناشر، إلى التأسيس لأرضية معرفية لحوار علمي أوضح منهجاً، ولتواصل ثقافي أكبر فائدة، وذلك من خلال رؤيتين، يقدم أولاهما الأستاذ تركي علي الربيعو، ويقدم الأخرى د.فاضل الربيعي، لتشكل هاتان الرؤيتان القسم الأول من الكتاب، فيما يخصص القسم الثاني منه لتعقيب كل منهما على ماعرضه الآخر، في موضوع يرى المؤلفان، مستشهدين بما جرى، وما يجري، في بقاع أرضنا العربية، أنه واضح البصمات في الحياة العربية.
- العنف.. السياسة.. الميثولوجيا
يبدأ الأستاذ الربيعو بحثه، الذي اختار له عنواناً هو «العنف..السياسة.. الميثولوجيا، بقول كلود ليفي شتراوس: إن «لاشيء يشبه الفكر الأسطوري أكثر من الايديولوجيا السياسية، وقد تكون الأخيرة حلت محل الأول فحسب، ضمن مجتمعاتنا المعاصرة، مؤكداً من خلال حالتين أو حدثين من أحداث القرن الماضي، أولاهما مايحدث أحياناً من إبعاد لنائب أو مسؤول، والتضحية به ككبش فداء تضحية تحظى بمواصفات الطقس الميثولوجي، الذي يرتبط فيه العنف بالسياسة بالميثولوجيا.
والثانية، تتمثل في مقتل العائلة المالكة في العراق عام 1958، بعد قيام الثورة هناك، وبالاستناد إلى الأساطير التي تضمنتها الملاحم الرافدية والبابلية القديمة (ملحمة اتراجاسيس وملحمة جلجامش)، وإلى ماأسماه «الميثولوجيا الإسلامية وصور الشيطان كمرجع ميثولوجي للعنف»، أن العنف السياسي كثيراً مايستعير بواعث التعبير عن نفسه من رؤية ميثولوجية، يتم اسقاطها على الخصم بهدف استبعاده والقضاء عليه، فالحزب السياسي والجماعة البرلمانية قد يمران بأزمة مجتمعية لايكون مخرجها إلا بتقديم قربان على مذبح العنف، الذي ينخر المجتمع والدولة، وعلى غرار طقوس الميثولوجيا القديمة، يقدم من يراد التخلص منه ككائن ميثولوجي شيطاني يحمل الخطر ويزرع الفتنة والفوضى، التي لايمكن الخروج منها إلا من خلال تقديم هذا المندس الغريب الوافد على الجماعة في خلسة من الزمن، على مذبح العنف وتحميله كل الأخطاء، لوضع حدّ للعنف التبادلي والتأسيسي للاستقرار.ويرى الأستاذ ربيعو أن الحالة السياسية الجديدة، لاسيما في المشرق العربي تشير إلى الحضور الميثولوجي، إذ تبدو ميثولوجية الغريب السياسية وكأنها تستوطن سلوك كثير من الجماعات السياسية، التي تريد أن تسوغ خطابها، المذهبي أو الطائفي، في حالة تسهم في تغييب العقلانية لصالح ردود أفعال تمنع نبتة الإصلاح والديمقراطية من النمو والازدهار، ويختتم الأستاذ ربيعو بحثه بالإشارة إلى ان المجتمعات القديمة كشفت سر العنف، فحاولت تغيير مجراه من خلال الأضحية الحيوانية، أما المجتمعات الحديثة فتاهت عن السر، فاستمر العنف الوحشي، الذي يمارسه الانسان ضد أخيه الانسان، مخيماً على وجه البسيطة، وهذا مايرجح كفة تلك المجتمعات القديمة على عالمنا المعاصر الذي يدّعي الحضارة والتقدم.
- العسل والدم من الميثولوجية إلى السياسة
يؤكد د.فاضل الربيعي في بحثه المعنون بـ «العسل والدم».. من الميثولوجية إلى السياسة» أن الميثولوجي، وبكامل حضوره التاريخي، لايغيب عن السياسي المعاصر. لاسيما في الأحداث الكبيرة، أو الهلعية كما يسميها د.الربيعي، التي تشير بوضوح إلى أن المجتمعات المعاصرة، وكما كانت في الماضي، تعيش في قلب الميثولوجية، وأن الكثير من لحظات تاريخ هذه المجتمعات لاتقنعه العقائد والأهداف الكبرى فحسب، بل المعتقدات الشعبية والأساطير التي لها طاقة مذهلة في تحريك الحشود بهذا الاتجاه أو ذاك.
ومن خلال التركيز على حدث الغزو الأمريكي للعراق تم احتلال أراضيه، وما رافق ذلك من تدمير لبنى الدولة في العراق، يبين د.الربيعي أن الشرق والغرب ممثلان هذه المرة بنيويورك وبغداد، قد وجدا في لحظة مجابهة عنيفة ودموية، جسدتها حرب كبرى، ونوع شاذ من الغزو الكولونيالي، الذي استند إلى استخدام مكثف لنوع غير مألوف من الذخائر، التي ليست سوى نمط جديد وغريب من الأساطير الحديثة التي تنتجها وسائل الإعلام، والمزودة بتقنيات نوعية وبقناعاته، فوسائل الإعلام الغربية سوّقت اسطورة شيطنة العراق وخطره النووي المزعوم، وفرضت هذه الاسطورة على الوعي الغربي بصورة مطلقة.ولكن المدينتين، من الجانب المقابل، كانتا في لحظة توافق لاسابق له داخل حقل الميثولوجيا، إذ أنهما كانتا بانتظار المخلص نفسه، والذي سوف يتجلى في حالتين مفارقتين، المسيح والمهدي المنتظر، وبذلك سقط التمايز الزائف الذي سعى الاستشراق الاستعماري إلى تكريسه بين شرق ميثولوجي تحركه الأساطير وغرب عقلاني تحكمه العقل، وتأكد أن المجتمعات الصناعية في الغرب تعيد -هي الأخرى- إنتاج الأساطير القديمة.
لقد صور الغزو الأمريكي لبلاد الرافدين وفي رمزية شديدة المخادعة، كما لو كان ضرباً من ضروب جني العسل، بتسويقه ومحاولة تسويغ فكرة الحرب، على انها تهدف في النهاية، لا إلى الاستيلاء على الثروة النفطية العراقية (العسل العراقي) بل إلى تمكين العراقيين من نيل حريتهم في الحصول عليه، وليتضح ان الأساطير التي رافقت الغزو تكشف مغزى الترابط بين الميثولوجيا والسياسة في العالم المعاصر.
في مسرحيته القصيرة الساخرة، التي تحمل عنوان «ماركس في سوهو» يتخيل هيوارد زن ماركس وقد عاد إلى الحياة متجولاً في نيويورك، منهياً جولته بعبارات ساخرة، مخاطباً الفقراء والمعدمين والجياع المنتشرين في شوارع مدينة الرأسمالية الأكبر قائلاً: « إن من وعدكم بانتظار عودة المسيح إنما كانوا يواصلون خداعكم.. لقد عدت للتو من العالم الآخر واكتشفت بنفسي ان المسيح غير مستعد للعودة إلى الأرض».
ومع ماركس الذي عاد إلى نيويورك، كان هناك ماركس آخر كانت أطيافه تحوم في شارع المتنبي في قلب بغداد، التي سقطت أسيرة الاحتلال الأمريكي حين وضع شيوعيون عراقيون عادوا مع دبابات الاحتلال لافتة عملاقة وسط شارع المتنبي يخاطبون فيها المهدي المنتظر شخصياً ويقدمون له العزاء باستشهاد الحسين بن علي رضي الله عنه، لتلخص هذه اللافتة نمط التشابك بين الميثولوجية والسياسة، بين الواقع والواقع المتخيل، بين العسل والدم، إذ راح الشيوعي العلماني، وفي ظل انقلاب اللغة واختلاط المفاهيم، يتحدث بلغة رجل الدين في الحوزة، فيما أخذ هذا الأخير يرطن بلغة العلمانيين المسحورين بكلمة الديمقراطية، التي كانت تتحول الى نوع من العسل، يصبح معه الاحتلال وانتهاك السيادة وحتى تدمير بنى الدولة، مجرد فائض من الدم، وتغدو عملية التدمير الممنهج للعراق مجرد عملية تحرير، لكن هذه الصورة البراقة سرعان ماتلاشت مع أعمال الفوضى والنهب.
وهكذا كان المشهد في شوارع بغداد التي تحمل اسماء اسطورية الشهرة في التاريخ العربي في تلك اللحظات مثيراً للدهشة والحيرة مع تشابك الرموز التاريخية والمعاصرة، فيما تذرع دبابات ابرامز الامريكية قلب بغداد، محولة الغزو، الذي توهمت فيه بعض النخب السياسية والدينية عسلاً، الى دم، في وقت انقلبت فيه السياسة الى أساطير، وأضحى المثقفون من كبار منتجي الأساطير في المجتمع.
تعقيب وتعقيب
في تعقيبه على بحث د. فاضل الربيعي، يشيراً أ. تركي علي الربيعو الى أن مايصطلح عليه بـ "الميثولوجية الإسلامية" لاتزال غائبة عن اهتمام الباحثين ودارسي الاسطورة، ذلك ان حقل الدراسات الاسطورة بنزعة ايديولوجية تفترض موقفاً مسبقاً ليس له أي سند من العلم، الامر الذي يجعل البحث في الميثولوجية الإسلامية يواجه بجملة من التحديات، ابرزها: المنهج المؤدلج السائد في دراسة الاسطورة، والذي يحاول الحط بها الى مستوى الخرافة، معتبراً انها مؤشر على العقل البدائي، وشاهد على مرحلة مضت وانقضت، وماتفرضه المستجدات الحديثة في دراسة الاسطورة التي تعيد الاعتبار للاسطورة كملكة ثابتة عند الانسان في كل زمان ومكان، وضرورة السعي المشترك لاكتشاف أنساق اسطورية كاملة ولملمة شظايا الفكر الاسطوري الإسلامي من داخل حقل الثقافة العربية الإسلامية، كون الاسطورة قابلة للتشظي والاندراج في نصوص اسطورية جديدة. والتأكيد على أن الثقافة الاسلامية العالمة «المكتوبة» تقع في قلب ثقافات المنطقة قبل الإسلام، وهذا مايفرض تجاوز حدود الدراسات السائدة التي تحصر الاسطورة في اساطير بابل وآشور، ومصر الفرعونية، والانفتاح على الميثولوجية الاسلامية، وأخيراً ضرورة البحث في تشظيات الفكر الاسطوري القديم داخل العقل السياسي العربي المعاصر.هذه التحديات، وكما يرى الربيعو، تضفي أهمية خاصة على مايكتبه د. فاضل الربيعي، الذي ظل مسكوناً بهاجس البحث عن العلاقة بين الاسطورة والتاريخ، تدفعه روح المغامرة وعبر مؤلفاته بدءاً من «الشيطان والعرش» 1996، وصولاً الى «إرم ذات العماد» 2000، مروراً بـ "كبش المحرقة" 1999، للبحث عن منهج جديد وايجاد تأويل جديد للأشياء، يفتح الباب أمام قراءة منفتحة للميثولوجية الإسلامية.
ويعتبر الربيعو أن د. الربيعي في نصه «العسل والدم من الميثولوجية الى السياسة» يرسم خطاً ينحدر من الميثولوجي، بما يحمله من حضور تاريخي الى السياسي المعاصر، الذي يعجز عن قراءة النص الاسطوري او توظيفه من جديد، ويقف عند ذلك التوظيف الانتهازي والقاصر للميثولوجية الذي يتنافى مع خاصيات الفكر الاسطوري من حيث هو فكر محرر، وانفتاحاً على العجيب المدهش، هذا التوظيف الانتهازي الذي بدا واضحاً في لافتة شارع المتنبي آنفة الذكر.
ورغم إعجابه الواضح بنص الربيعي إلا أن الربيعو لايشاركه القناعة بأن المثقفين باتوا من أكبر منتجي الاساطير والميثولوجية في المجتمع العراقي، فالعلماني العربي-من وجهة نظره- وإن كان يحاول أن يرث وظيفة الساحر والمؤسطر معاً، يظل عاجزاً عن امتلاك لغة الميثولوجيا، ذلك ان العلماني المتعلق بدبابات الاحتلال الامريكي لايصلح إلا للترويج لسحر الديمقراطية الامريكية الذي لم يجلب للعراق إلا الموت والدمار.أما د. فاضل الربيعي فيؤكد في تعقيبه على بحث الاستاذ الربيعو ان النزاع بين الاسطورة والخرافة لم يفض بعد، وان التمييز بين مفهومي الاسطورة والخرافة ليس واضحاً حتى بين الكتاب والمثقفين، وأن فض هذا النزاع يتطلب، اضافة الى الادوات والمناهج والقدرة على تحليل المعلومات، خيالاً خصباً متحرراً ونشطاً.
وبين ان من المتعذر التمييز بين المفاهيم الاخرى التي تختلط على نحو بين، كفصل الدين عن الاسطورة وتفكيك العلاقة بين الميثولوجية والسياسة، اضافة الى صعوبة معالجة النزاع بين مفهومي العنف والأضحية، لافتاً الى أن بحث الاستاذ الربيعو، والبحث الذي قدمه، يندرجان في إطار اولى المحاولات لتفكيك وتوضيح هذه السلسلة من المفاهيم، باتجاهها الى لب المعضلة مباشرة، بتأكيدهما ان السياسة والفكر السياسي السائد في الوطن العربي لايخلوان من الميثولوجية، ومبيناًَ ان الربيعو يعرض مقاربة جديدة لمسألة هذه العلاقة بين الميثولوجية والسياسة، تربط بين ثلاثة أسس ناظمة لها: العنف والتضحية والسيطرة، عارضاً لإطار ذهني لفكرة الترابط، يمكن من الحصول على تصور جديد لموضوع هذه العلاقة المثيرة بين السياسة والميثولوجية، ويقوم هذا الإطار على التمييز بين المجتمعات تبعاً لعلاقتها بالعنف ولفهمها لهذه العلاقة التي تصل درجة إسباغ القداسة على هذا العنف.
ويرى د. الربيعي ان الربيعو يتمتع بما يصفه بـ "الفطنة النادرة" التي تكسبه تميزاً في حقل الدراسات والبحوث الميثولوجية العربية وهو يتمتع بقدرات تمكنه من الإبحار في هذا الميدان صعب المسالك.
وإن كنا لانتفق تماماً مع مؤلفيه في بعض ما ذهبنا اليه.وبعد، فإن كتاب "الاسطورة والسياسة" واحد من تلك الكتب التي تغري بقراءتها لما يحمله من متعة فكرية، ولأنه من البحوث الرائدة التي تحاول قراءة متميزة ومتفردة لجوانب من الحياة السياسية العربية المعاصرة.>
عرض: عاصم الخضر جريدة البعث - العدد: 13275 -
بتاريخ: 08/11/2007

إضافة تعليق