الأمانة ثقيلة

قال سبحانه وتعالى: “إن الله يأمركم أن تؤدوا الأمانات إلى أهلها وإذا حكمتم بين الناس أن تحكموا بالعدل”(سورة النساء الآية 58) . هذه الآية الكريمة لها سبب نزول يتعلق بالصحابي الجليل عثمان بن طلحة رضي الله عنه وهو سادن الكعبة من بني عبدالدار بن قصي القرشي الذي كان مفتاح الكعبة أمانة لديه قبل الإسلام، حيث كانت عائلته تتوارث هذا الشرف، وحينما تم الفتح الأعظم لمكة المكرمة سنة 8ه/ 629م أخذ الرسول صلى الله عليه وسلم مفتاح الكعبة منه، فنزلت هذه الآية الكريمة لرد المفتاح إلى عثمان بن طلحة، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بأن تستمر سدانة الكعبة لعثمان ولأبنائه من بعده حتى يرث الله الأرض ومن عليها، لا يأخذها منهم إلا ظالم .

إن الأمانة لفظ عام يشمل جميع التكاليف الشرعية والفرائض الإلهية التي كلف الله بها الناس: من صلاة وصيام وزكاة وحج ومن الالتزام بالطاعات واجتناب المحرمات، ويدخل في اللفظ العام للأمانة: جميع الأمانات والودائع المالية والديون والمكاييل والموازين وسائر المعاملات فيقول رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم من حديث مطول: “الصلاة أمانة، والوضوء أمانة، والوزن أمانة، والكيل أمانة وعدد أشياء وأشياء وأشد ذلك الودائع”(رواه أحمد والبيهقي) .

لقد اتصف الأنبياء والمرسلون بالأمانة، حيث حافظوا على أداء رسالاتهم وتبليغها للناس بكل أمانة وصدق وإخلاص . ومن نماذج ذلك: ما اتصف به سيدنا يوسف عليه السلام من المحافظة على الأمانة وحمل المسؤولية فيقول عز وجل: “قال اجعلني على خزائن الأرض، إني حفيظ عليم”(سورة يوسف الآية 55) . وكذلك ما ورد في القرآن الكريم بشأن سيدنا موسى عليه السلام فيقول سبحانه وتعالى: “إن خير من استأجرت القوي الأمين”(سورة القصص الآية 26) . كما اتصف رسولنا الأكرم محمد صلى الله عليه وسلم بالأمانة حيث لقب بالأمين من قبل قريش، وذلك قبل البعثة النبوية حيث إن الله رب العالمين قد هيأه للنبوة ولحمل الرسالة الإسلامية منذ ولادته ونشأته .

قال الله عز وجل “إنا عرضنا الأمانة على السموات والأرض والجبال فأبين أن يحملنها وأشفقن منها وحملها الإنسان، إنه كان ظلوماً جهولاً . ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات ويتوب الله على المؤمنين والمؤمنات، وكان الله غفوراً رحيماً”(سورة الأحزاب الآيتان ،72 73) . إن الأمانة الواردة في هاتين الآيتين الكريمتين تفيد المعنى الشمولي للأمانة، وأن عدم حمل السموات والأرض والجبال للأمانة سببه الخشية من تحملها لأن الأمانة ثقيلة . ولكن الإنسان استعد لحملها “إنه كان ظلوماً جهولاً”وهذه الآية تحتمل معنيين لا تناقض بينهما:

1- إن الإنسان ضعيف يجهل عواقب الأمور المستقبلية فقصر في حمل الأمانة وما يترتب عليها حيث كانت فوق طاقته .

2- إن الإنسان حينما يكون غير مؤمن أي كان منافقاً أو مشركاً فإنه لا يؤدي الأمانة ولا يحافظ عليها، ولذا قال الله عز وجل “ليعذب الله المنافقين والمنافقات والمشركين والمشركات«، لماذا؟ لأن هذه الفئات لم تقم بالمحافظة على الأمانة فاستحقت العذاب في حين أن المؤمن الذي يحافظ على الأمانة يتوب الله عليه ويرحمه، فالله واسع المغفرة عظيم الرحمة بعباده المؤمنين .

إن المؤمن هو الذي يحافظ على الأمانات ويرعى العهود، فإذا اؤتمن لم يخن، وإذا عاهد أوفى بالعهد ولم يغدر، وكما هو معلوم فإن لفظ (الأمانة) هو لفظ شامل لجميع الأمانات سواء كانت مع الخالق أو مع المخلوق فيقول سبحانه وتعالى في سورة “المؤمنون  الآية 8”وفي سورة “المعارج الآية 32”“والذين هم لأماناتهم وعهدهم راعون”.

ويقول عليه الصلاة والسلام: “أدِّ الأمانة إلى من ائتمنك ولا تخن من خانك”(رواه أحمد وأبو داود والترمذي) .

* رئيس الهيئة الإسلامية العليا في القدس

 

 

 

إضافة تعليق

7 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.