الأمة الفاعلة

تسود المجتمع العربي حالة من الكلالة والعجز والشعور بالإحباط، تشل فاعليته، ليقوم بدور المنفعل بالأحداث بدلاً من الفعل فيها، ولتقوده بدلاً من أن يقودها، وليصبح جُلَّ نشاطه العام ردودُ أفعال تثور فجأة، تلقاء أي وخزة مؤلمة، ثم لا تلبث أن تهدأ، نتيجة الاعتياد والتكرار.. يلفها الإلفُ و النسيان.

هكذا تعامل المجتمع العربي مع القضية الفلسطينية، وكل مصيبة كبرى ألمت به.. يتحرك فجأة إبان المصيبة، يحاول أن يأسو بعض الجراح، ويلملم بقايا بيته المهدم..

كيف حدث ذلك؟ وكيف جُرد المجتمع من فاعليته؟! وهل كان ذلك تلقائياً وعفوياً دونما تدبير؟! أم أن إخراج الإنسان العربي والمسلم من ساحة الفعل؛ كان ضرورة من ضرورات تمرير المشروع الصهيوني لاقتلاع شعب من أرضه وإحلال أشتات يهود مكانه!!

 لقد عمدوا إلى تضخيم دور الدولة وتهميش دور المجتمع، تحت شعار الثورة وحرق المراحل لتحقيق تنمية سريعة شاملة.. تم ذلك تدريجاً، حتى نجح أخيراً في إقصاء المجتمع عن أي فعل باعتبار أن الدولة تكفلت له بتوفير كل احتياجاته، وأراحته من عناء كل تفكير وتدبير، وقالت له:

دع الـمكارم لا تـــرحل لـبغـيـتها

                                      واقعد فإنك أنت الطاعم الكاسي

فاستجاب لها وقعد ينتظر.. وتحول إلى متفرِّجٍ يقلب الشاشات حتى يملَّها..

 هكذا ضاعت فلسطين، وضاع معها شرف الأمة، وتحول الإنسان العربي خصوصاً، والإنسان المسلم عموماً إلى رقم لا يجاوز الصفر، إن لم يكن تحته.. وهكذا أصبح- كَلاًّ على مولاه؛ أينما يوجهه لا يأتِ بخير، وهكذا أصبح – كما تنبأ له الرسول صلى الله عليه وسلم – كثير العدد لكنه غثاء كغثاء السيل. 

 هل من سبيل إلى :

-إعادة هذا الإنسان العربي والإنسان المسلم إلى نطاق الفاعلية؟!-إشعاره بأنه يمكن أن يكون رقماً فوق الصفر. وأنه بانضمامه إلى أرقام إخوانه سيشكلون رقماً متصاعداً يحسب حسابه؟!

-إقناعه بأن معركته الكبرى هي مع الذات؛ مع قابليتها للانهزام والاستسلام، قبل أن تكون مع العدو الغاشم؟!

- وأن جهده- من أي نوع كان- لن يضيع سدى، فمعركته متعددة الأوجه: ثقافية، وإعلامية، واقتصادية، وسياسية، واجتماعية، قبل أن تكون عسكرية..

 تاريخنا الحديث والمعاصر غني بالتجارب الناجحة على مختلف الأصعدة: اليابان، والصين، وماليزيا، وتركيا..

ولقد استطاعت المقاومة الواعية في فيتنام، ولبنان، أن تحقق انتصارات مشرفة..

فلنعزز ثقافة المقاومة، ولنثق بالدور الثقافي للمقاومة، ولنبحث عن الأساليب التي تحوِّل حياتنا العادية إلى مقاومةٍ؛ يسيرة الكلفة، كبيرة الجدوى، طويلة الأمد، عظيمة النكاية بالعدو.. تعيد إلينا ثقتنا بأنفسنا، وتعيد شبابنا إلى نطاق الفعالية والتأثير.

الإنسانية الآن تعيش أحد أهم التحولات الكبرى في تاريخها؛ من عصر الصناعة المستمد من التراب إلى عصر المعرفة المستمد من الفكر..  والفكر هو الطاقة الكبرى التي أنعم بها الله تعالى على الإنسان، وميزه بها عن سائر المخلوقات..

فلنُعمل الفكر بحثاً عن مخرج!! عن عمل يرضي ضمائرنا نصرةً لأهلنا المعذبين الصابرين في غزة!! عن طرقٍ تظهر عظمة قيمنا وثقافتنا، وتفضح وحشية عدونا وتضليله وأكاذيبه.

 ولنثق بالإنسان، أياً كان، فإن ضميره منجم غني بقيم العدل والخير، متى استطعنا أن نزيل عنها الركام والشوائب..

?بَلْ نَقْذِفُ بِالْحَقِّ عَلَى الْبَاطِلِ فَيَدْمَغُهُ فَإِذَا هُوَ زَاهِقٌ? [الأنبياء 21 /18]   

محمد عدنان سالم

 12/1/2009

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
19 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.