الإسلام ومصلحة الإنسان

إن معرفة الله الخالق الواحد، سبحانه وتعالى، هي أساس التكاليف الشرعية التي ترجع إلى حفظ مقاصدها في الخلق بجوانبها الثلاثة: الضرورية والحاجية والتحسينية، والمعرفة اليقينية بالله تعالى من شأنها أن توقظ في المؤمن حواس الخير، وتربي فيه ملكة المراقبة، والحرص على طلب معالي الأمور وأشرفها، وتنأي به عن محقرات الأعمال وسفسافها، لهذا فإن أول ما يجب على المكلف هو معرفة الله، خالقه، والاستدلال على وجوده من خلال مخلوقاته .
ولقد وجد ابن رشد في كتابه “الكشف عن مناهج الأدلة” أن طريقة الاستدلال التي يراها أبسط وأسهل وأكثر يقيناً في الدلالة على الله تعالى هي “الطريقة التي نبه الكتاب العزيز عليها، ودعا الكل من بابها، إذا استقرئ الكتاب العزيز، وجدت تنحصر في جنسين: أحدهما طريق الوقوف على العناية بالإنسان، وخلق جميع الموجودات من أجله، ولنسم هذا “طريق العناية”، والطريقة الثانية ما يظهر من اختراع جواهر الأشياء الموجودات، مثل اختراع الحياة في الجماد، والإدراكات الحسية، والعقل، ولنسم هذه “دليل الاختراع”، فأما الطريقة الأولى فتبنى على أصلين: أحدهما أن جميع الموجودات التي هاهنا موافقة لوجود الإنسان، والأصل الثاني أن هذه الموافقة هي “ضرورة” من قبل فاعل قاصد لذلك، فريد، إذ ليس يمكن أن تكون هذه الموافقة بالاتفاق (يعني بالمصادفة) فأما كونها موافقة لوجود الإنسان، فيحصل اليقين بذلك باعتبار موافقة الليل والنهار والشمس والقمر لوجود الإنسان، وكذلك موافقة الأزمنة (أي الفصول) الأربعة له، والمكان الذي هو فيه أيضاً وهو الأرض، وكذلك تظهر موافقة كثير من الحيوان له، والنبات والجماد، وجزئيات كثيرة مثل الأمطار والأنهار والبحار، وبالجملة الأرض والماء والنار والهواء، وكذلك تظهر العناية في أعضاء البدن، وأعضاء الحيوان، أعني كونها موافقة لحياته ووجوده، وبالجملة فمعرفة منافع الموجودات داخلة في هذا الجنس . ولذلك وجب على من أراد أن يعرف الله تعالى المعرفة التامة أن يبحث عن منافع الموجودات .
وأما دلالة الاختراع فيدخل فيها وجود الحيوان كله، ووجود النبات كله، ووجود السموات . . وفي هذا الجنس دلائل كثيرة على عدد المخترعات، ولذلك كان واجباً على من أراد معرفة الله، حق معرفته، أن يعرف جواهر الأشياء، ليقف على طبيعة الاختراع الحقيقي في جميع الموجودات، لأن من لم يعرف حقيقة الشيء، لم يعرف حقيقة الاختراع، وإلى هذا الإشارة بقوله تعالى: “أولم ينظروا في ملكوت السموات والأرض وما خلق الله من شيء” (سورة الأعراف 186) .
ويضيف ابن رشد قائلاً: “وتبين أن هاتين الطريقتين (يقصد دلالة العناية وجلالة الاختراع) هما بأعينهما طريقة الخواص، وأعني بالخواص العلماء، وطريقة الجمهور، وإنما الاختلاف بين المعرفتين، في التفصيل، أن الجمهور يقتصرون، في معرفة العناية والاختراع، على ما هو مدرك بالمعرفة الأولى المبنية على علم الحس، وأما العلماء فيزيدون على ما يدرك من هذه الأشياء بالحس، ما يدرك بالبرهان” .
إن وجود الله الخالق العظيم، تدل عليه تنظيمات في العوالم لا نهاية لها ولا حصر، ويدل على قدرته وعلمه ومشيئته إبداع في تكوينها، وتناسق في وحداتها، وترابط في أنواعها . قال تعالى: “الذين يذكرون الله قياماً وقعوداً وعلى جنوبهم ويتفكرون في خلق السموات والأرض ربنا ما خلقت هذا باطلاً سبحانك فقنا عذاب النار” (آل عمران: 191) .
ولهذا كانت غاية الإسلام الكبرى وهدفه البعيد هو تعميق الصلة بالله تعالى، والفوز بمرضاته في الدنيا والآخرة، ولهذا كان روح الإسلام وجوهره هي عقيدة التوحيد الخالص التي تستند إليها كل المقاصد والتكاليف الشرعية .
فيكون الحفاظ على الدين بمنع الإكراه فيه، ودفع العدوان على تصوره العام للكون والإنسان والحياة . ويكون حفظ العقل بضمان حريته في التفكير، وتأمينه من الخوف والقهر والقلق، ووقايته مما يحجبه من مخدرات أو مسكرات .
ويكون الحفاظ على النفس بالأخذ بأسباب الحياة وأسباب السلامة والصحة، والاعتراف بتكريم الله للإنسان، واحترام حقوقه وحرياته واحترام خصوصياته .
ويكون الحفاظ على النسل والعرض بالحفاظ على طهره ونقائه، وبالزواج الشرعي، وبالحفاظ على الأسرة لأنها أساس بناء المجتمع ونواته .

إضافة تعليق