الإمام الألوسي

هو محمود بن عبد الله الحسيني الألوسيّ، شهاب الدين أبو الثناء، مفسِّر محدِّث أديب من المجددين[1]. وُلِد في بغداد[2] سنة 1217هـ/ 1802م[3]، وعاش بها[4].
ذكر الإمام الألوسي في مقدمته أنه منذ عهد الصغر، لم يزل متطلبًا لاستكشاف سر كتاب الله المكتوم، مترقبًا لارتشاف رحيقه المختوم، وأنه طالما فرَّق نومه لجمع شوارده، وفارق قومه لوصال فرائده، لا يَرْفَلُ في مطارف اللهو كما يرفل أقرانه، ولا يهب نفائس الأوقات لخسائس الشهوات كما يفعل إخوانه؛ وبذلك وفَّقه الله للوقوف على كثيرٍ من حقائقه، وحلِّ وفير من دقائقه. وذكر أنه قبل أن يكمل سنَّه العشرين، شرع يدفع كثير من الإشكالات التي ترد على ظاهر النظم الكريم، ويتجاهر بما لم يُظفر به في كتابٍ من دقائق التفسير.
ثم ذكر أنه كثيرًا ما خطر له أن يُحرِّر كتابًا يجمع فيه ما عنده من ذلك، وأنه كان يتردد في ذلك، إلى أن رأى في بعض ليالي الجمعة من شهر رجب سنة 1252هـ أن الله جلَّ شأنه أمره بطيِّ السموات والأرض، ورتق فتقها على الطول والعرض، فرفع يدًا إلى السماء، وخفض الأخرى إلى مستقر الماء، ثم انتبه من نومه وهو مستعظم لرؤيته، فجعل يفتِّش لها عن تعبير، فرأى في بعض الكتب أنها إشارة إلى تأليف تفسير، فشرع فيه في الليلة السادسة عشرة من شهر شعبان من السنة المذكورة، وكان عمره إذ ذاك أربعًا وثلاثين سنة، وذلك في عهد محمود خان ابن السلطان عبد الحميد خان. وذكر في خاتمته أنه انتهى منه ليلة الثلاثاء لأربعٍ خلون من شهر ربيع الآخر سنة 1267هـ، ولما انتهى منه سمَّاه (روح المعاني في تفسير القرآن العظيم والسبع المثاني).
كما اشتغل الألوسي بالتدريس والتأليف وهو ابن ثلاث عشرة سنة، فدرس في عدَّة مدارس، وقُلِّد إفتاء الحنفية سنة 1248هـ، فشرع يدرِّس سائر العلوم في داره الملاصقة لجامع الشيخ عبد الله العاقولي في الرُّصافة، وقد تتلمذ له وأخذ عنه خلقٌ كثير من قاصي البلاد ودانيها. وله حاشية على شرح قطر الندى لابن هشام ألَّفها وعمره لا يتجاوز ثلاث عشرة سنة[5].
ملامح شخصية الألوسي وأخلاقه:
كان -رحمه الله- عالمًا باختلاف المذاهب، مطلعًا على الملل والنحل، شافعيَّ المذهب، إلا أنه في كثير من المسائل يقلد الإمام أبا حنيفة رحمه الله، وكان آخر أمره يميل إلى الاجتهاد.
وكان -رحمه الله- شيخ العلماء في العراق، سلفيَّ الاعتقاد، مجتهدًا، نادرةً من نوادر الأيام، جمع كثيرًا من العلوم حتى أصبح علاَّمة في المنقول والمعقول، فهَّامة في الفروع والأصول، محدِّثًا لا يُجارى، ومفسرًا لكتاب الله لا يبارى.
وكان الألوسي -رحمه الله- يواسي طلبته في ملبسه ومأكله، ويُسكِنهم البيوت الرفيعة من منزله، حتى صار في العراق العلم المفرد، وانتهت إليه الرياسة لمزيد فضله الذي لا يحمد، وكان نسيجًا وحده في النثر وقوة التحرير، وغزارة الإملاء، وجزالة التعبير.
كما كان مجاهدًا في نشر الحق والرد على الباطل، فشنَّ غاراته على الخرافات المتأصلة في النفوس، فكتب الرسائل، وألَّف المؤلفات التي زعزعت أسس الباطل، وأحدثت دويًّا وإصلاحًا عظيمًا، وارتفع صوته كمصلح ديني يدوِّي في المطالبة بتطهير الدين مما لحقه من البدع.
وكان ذا حافظة عجيبة، فكثيرًا ما كان يقول: "ما استودعتُ ذهني شيئًا فخانني، ولا دعوتُ فكري لمعضلة إلا وأجابني"[6].
وكان -رحمه الله- أحد أفراد الدنيا، يقول الحق، ولا يحيد عن الصدق، متمسكًا بالسنن، متجنبًا عن الفتن، حتى جاء مجددًا، وللدين الحنفي مسددًا، وكان جُلُّ ميله لخدمة كتاب الله، وحديث جَدِّه رسول الله

إضافة تعليق