الإيمان والتقدم العلمي

ضمن سلسلة  (حوارات لقرن جديد) التي تصدرها دار الفكر بدمشق ،يقدم كل من الدكتور هاني رزق والدكتور خالص جلبي دراسة متخصصة عن الإيمان والتقدم العلمي حيث قدم كل باحث دراسته من خلال رؤيته لهذا الموضوع .   ضمن سلسلة ) حوارات لقرن جديد(  التي تصدرها دار الفكر بدمشق ،يقدم كل من الدكتور هاني رزق والدكتور خالص جلبي دراسة متخصصة عن الإيمان والتقدم العلمي حيث قدم كل باحث دراسته من خلال رؤيته لهذا الموضوع . ففي دراسته ((التطور الموجه)) يتناول الدكتور هاني رزق مسألة نشوء الكون وتطوره ونشوء الحياة وتطورها والشوش والتطور الموجه بالإضافة إلى بحث عن الإيمان والعلم، حيث يشير إلى بعض المفاهيم ذات الصلة الوثيقة بأبعاد الأجسام التي توجد في الكون مع الإشارة إلى المبدأ الكوني وثابتة هيل والقوى الطبيعية الأربع والمبدأ البشري مشيراً إلى تلخيص الاستنتاجات المهمة ذات العلاقة بمحور هذا الكتاب والمنبثقة عن نظرية الطراز المعياري للانفجار الأعظم من خلال تلازم معالم هذه النظرية وتناسقها في متصلة المكان - الزمان. ويرى الدكتور هاني رزق أن التطور الموجه الذي لا دور للمصادفة فيه، بثوابته الطبيعية العديدة وبقواه الطبيعية الأربع (إرادة الله) وما تفرع عنها من قوى تكافؤية ولا تكافؤية أدى وبعد أن تكون المادة من الطاقة إلى تشكل الماء بطوره السائل على سطح الأرض وتشكل حمض السيانيدريك والفورم ألدهيد والفوسفات، وبدءاً من هذه المواد البسيطة الأربع نشأت لبنات الحياة. فالتطور الموجه نقل المادة إذن من حالة الشوش إلى حالة الانتظام ومن البنية الأبسط إلى البنية الأعقد ومن الأقل أداء وكفاية إلى الأكثر مردوداً والأفضل وظيفة فقد أعطى التطور الموجه وجود المادة معنى مفيداً . وقد وصل التناقض بين الإيمان والعلم ذروته عندما حرمت الكنيسة الكاثوليكية أي أفكار تعارض أفكار أرسطو الذي كان يرى، وكذلك ((كلوديوس بطليموس))، أن الكون ثابت والأرض تشكل مركز الكون وتدور حولها الشمس وبقية الكواكب والنجوم مشكلة ثماني طبقات، ووصل هذا التناقض مستوى التحريم الأمر الذي أجبر بعض العلماء كرجل الدين البولندي ((نيكولاوس كوبرنيكوس)) وعالم الفلك والفيزياء الإيطالي ((غاليلو غاليلي)) على طباعة كتابيهما سراً وباسم مستعار فيما يتعلق بـ ((كوبرنيكوس)) كما أدى هذا التحريم إلى إحراق الفيلسوف الإيطالي ((جيوردانوا برونو)) حياً في روما بسبب رفضه فكرة أن الأرض تشكل مركز الكون معلناً وهو يحرق تمسكه بكاثوليكيته.أما في العالم الإسلامي فكان العلماء يتمتعون بحرية شبه مطلقة في دراستهم لبنية الكون، وتجدر الإشارة هنا إلى أن الرياضي والفلكي والشاعر الفارسي ((عمر الخيام)) بنى أكثر من مرصد في غير مدينة وفي سمرقند على وجه الخصوص. ويرى الدكتور هاني رزق في نهاية بحثه عن التطور الموجه أن العلم لا يستطيع بمفرده أن يجيب على عدد كبير من التساؤلات التي يطرحها الإنسان على نفسه وذلك لأن العلم بدون الإيمان الراسخ بوجود القدرة الإلهية لا يستطيعتفسير سيرورات التطور الموجه منذ الانفجار الأعظم وحتى ظهور الإنسان خليفة الله في الأرض  .

أما الجزء الثاني من الكتاب فيحمل ورشة بعنوان ((الثورة العلمية الحديثة والإيمان)) للدكتور خالص جلبي حيث يتناول فيها الإيمان في لجة الكوانتوم وتعانق العلم والإيمان، فقد مر الكون بثلاثة انفجارات كوسمولوجية وبيولوجية وثقافية فخلال فترة قصيرة تم اختراق عشرات الحقول المعرفية في قطاف شهي لفاكهة جديدة حيث تم الإعلان عن معلومات مثيرة في الفيزياء الذرية والكوسمولوجيا والأركولوجيا والبيولوجيا والأنثروبولوجيا والطب والبالينتولوجيا والكيمياء وعلم الخلية وأبحاث الجينات والتاريخ وحفريات الجينات وأبحاث الفضاء وتكنولوجيا سيارة المستقبل وآخر تطورات السلاح النووي وتطور الأبحاث الروحية. ويرى الدكتور خالص جلبي أننا لا ننتسب إلى هذا العصر بعد لأننا لم نشارك في صناعته فنحن في نقطة تحول في العالم العربي فلا بد من تكوين آلية نقد ذاتي كاملة للتراث وما حوى فنعرف منه نحن ونكتشف أنفسنا بالغوص في طبقات أركيولوجية كاملة من المعرفة على حد مصطلحات الفيلسوف الفرنسي ميشيل فوكو حيث يمسك العلم بمفاتيح أساسيته للتعامل مع الوجود وذلك من خلال خمس حقائق أساسية وهي المادة والطاقة والزمان والمكان والقوانين التي تنظم حركة الوجود، كما أن القوى الأساسية أمكن معرفتها وتصنيفها حتى الآن بخمس قوى أساسية أيضاً وهي الكهرباء والمغناطيس والجاذبية وقوى النواة الضعيفة والقوية.ولا يعني الإمساك بهذه المفاتيح المعرفية وضع اليد على كافة المعارف الكونية المطلقة فهناك الخطوات المعرفية الأولى لفهم الوجود والتعامل معه، وعندما وضع العقل يده على مفتاح القانون في فهم الكون فإنه استطاع أن يصل إلى ثلاثة أمور جوهرية؛ أولاً تحطيم الخرافة، وثانياً النمو العلمي من خلال التراكم المعرفي البطيء، وثالثاً التسخير؛ فطبيعة الكون كمونياً تسخيرية وهي خدمة مجانية ومتاحة ومعروضة لكل من يضع يده على سر القانون السرمدي في الوجود. ويقول الدكتور جلبي أن من أعظم المشاكل العقلية التي تواجه علاقة الإيمان بالعلم هي فكرة القوانين، وإذا كان الكون يقوم على القانون في كل مستوى أو بتعريف القرآن والسنة فهل تحول الكون بهذه الطريقة إلى ساعة عملاقة ضخمة كما رآها نيوتن أو كما رآها سيمون لابلاس .لقد صاغت فيزياء نيوتن العالم حتى القرن العشرين فيزيائياً ولكن فيزياء نيوتن أخفقت في السيطرة على تفسير كل الظواهر الكونية، مما عجل بظهور علوم جديدة وانهيار فيزياء نيوتن وقد كان بواسطة الفيزياء النووية الجديدة وتطوير علمي النسبية وميكانيكا الكم، حيث انهارت فلسفة نيوتن للزمان والمكان والحركة والقوانين والمادة وتوابعها من تفسير الكون مادياً بما فيها ظاهرة التفكير والنشاط العقلي التي تحمس لها توماس هكسلي العالم البريطاني مع مطلع القرن إلى درجة توقعه أن الفيزيولوجيا ستحل لغز العقل والتفكير والنشاط العقلي، كعمل مادي يفرزه الدماغ كيماوياً . في تعقيبه على دراسة الدكتور خالص جلبي ((الثورة العلمية الحديثة والإيمان)) رأى الدكتور هاني رزق أن الصفة الأساسية التي تتميز بها هذه الدراسة هي غزارة المعلومات العلمية ولكن الأمر الذي يؤسف له حقاً اعتماد الباحث في معظم الأحيان على مصادر إعلامية غايتها الإثارة وليس المعرفة العلمية الرصينة والمعمقة لذلك افتقرت الدراسة إلى العمق العلمي الذي تتميز به البحوث العلمية الأصيلة . أما تعقيب الدكتور خالص جلبي على دراسة الدكتور هاني رزق فقد ركز على مسألة فهم العلم السيئ وانهيار قوانين الفيزياء في حقبة الانفجار العظيم ومسألة الإيمان العقلي. هذا وقد ختم الكتاب الجديد بفهرس عام وجملة تعاريف علمية خاصة بالموضوع أعدها محمد صهيب الشريف  بالإضافة إلى قائمة المراجع والمصادر التي عاد إليها الباحثان لإعداد هذا الكتاب.

إضافة تعليق

6 + 0 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.