غالبا ما نسمع الجملة الاعتيادية «الاختلاف في الرأي لا يفسد للود قضية»، ولكن في الواقع، اختلاف الرأي بحد ذاته لا يفسد للود قضية فعلا إن قابلناه بنقاش عقلاني ورحابة صدر، ولكن إن واجهنا الرأي الآخر بتعنت وتمسك برأينا وأردنا أن نثبت دائما أننا على حق، فإن ذلك بالتأكيد سوف يفسد الود بل والأواصر والعلاقات أيضا.
كم من نقاش احتدم فيه الجدال إلى أن تحول إلى خصام ثم سباب ولعان ثم نزاع وشقاق وفرقة وشتات. فلماذا لا نتقن نحن العرب فن الحوار ونحن أولى بذلك كمسلمين، ولماذا لا نتقبل رأي الآخر ونستفيد منه عوض أن نعاديه؟
كان رسولنا الكريم عليه الصلاة والسلام، لا يقطع حديث أحد، صغر أو علا شأنه حتى لو كان طفلا صغيرا ينصت له ويحاوره، إعلاء لثقافة الحوار وعدم التشدد في التمسك بالرأي وأيضا ليكون قدوة لهذا الصبي الصغير ويعلمه كيف يستمع للآخر قبل أن يدلي برأيه.
إن أردنا أن يسمعنا الآخر، علينا أن نسمعه أيضا ولعل من مقولات حكيم إفريقي قديم: إن لاحظت أن الذي أمامك لا يريد سماعك، فاصمت وأنصت له، ربما تعلم حينها، لماذا لم يكن يستمع لك؟
إن كل الأمور الكونية مبنية على أمرين «إرسال واستقبال» وكذلك الحياة الاجتماعية، تأسس على هذين المفهومين، فأنت ترسل آراءك لغيرك وتستقبل أيضا آراءهم، وإن لم يكن هناك توازن بين الإرسال أي حديثك معهم والاستقبال أي إنصاتك لهم، فلا يمكن أن نسمي ما يجري بينكم حوارا ولا يمكن أن تكون نتيجته ايجابية، فلا يمكن للطرفين أن يستفيدا من بعض ولكن ربما يتنافران أكثر.
أساس المحاورة هو اللين أولا حتى وإن اختلفتما، إن بنيت حوارك على اللين والرفق فلن تجد صدا من الطرف الآخر وإن أبديت عنفا في اللفظ والحركة أو إشارة بعدم تقبل الآخر أو قابلت رأيه بالسخرية، فبالتأكيد ستضطره ليكون في حالة دفاع عن النفس وكما نعلم أفضل وسيلة للدفاع هو الهجوم، فلا تستغرب إن هاجم آراءك بآراء مضادة فهو لن يفعل أكثر من أن يعكس لك صورتك على مرآته هو، فكلاكما لا يتقن الحوار وكلاكما يحس بالحاجة للدفاع عن رأيه.
قال الله سبحانه وتعالى مخاطبا موسى وهارون سلام الله عليهما {اذْهَبَا إِلَى فِرْعَوْنَ إِنَّهُ طَغَى. فَقُولَا لَهُ قَوْلًا لَّيِّنًا لَّعَلَّهُ يَتَذَكَّرُ أَوْ يَخْشَى}(طه: 43-44)
لقد طغى فرعون ومع ذلك، فاللين يمكنه أن يكسر حتى لغة الطغاة ولكن إن قابلنا جورا وظلما بمعارضة قوية وتجبر اكبر، فقد نبتر للأبد قنطرة التواصل بيننا ونجعل الطاغية أكثر تمسكا بجوره وظلمه لنا.
قد يكون الماء أرق من الصخر ولكنه الأقدر على التسلل بين ثغراته وفي الأخير هو من يفتته لا الصخر من يقضي عليه.
إن التسرع وعدم تفهم مغزى ما يقوله الآخر، قد يكون سبب كل المشاكل مع محيطنا سواء في العمل أو في الوسط الاجتماعي والأسري، ولكن يمكننا تجنب حدوث ذلك في حال ما اتبعنا بعض الطرق السليمة التي وان كان يصعب علينا التقيد بها في بداية الأمر، إلا انه يمكننا أن ندرب أنفسنا عليها وبرمجة حياتنا وفقا لأسسها، أولا علينا ألا نقاطع حديث الآخر وان كنا نعتبره خصما أو ندا، فبمقاطعته، أولا، لا نتمكن من معرفة ما يضمره لنا ونبين له نقط ضعفنا، وثانيا نؤجج نار الخصومة بيننا، فلنترك له مجالا للحديث وبالمثل سيتعلم هو كيف يترك لنا مجالا للرد.
حينما ترد على احدهم، فلتتريث في الجواب وليكن جوابك دقيقا أو مختصرا واضحا، فكم من ردود طويلة تفقد معانيها لأنك تنحى بها من موضوع لآخر، حينما تحس أن المغزى من حديثك وصل للآخر، فلا داعي للإطالة أكثر.
تجنب الردود الغاضبة واكظم غيظك أفضل لك ولمن أمامك.
الصمت أيضا وسيلة تعبيرية استعملها ولا تبخسها حقها، فان أحسست أن صمتك ابلغ من الكلام فاصمت.
حاول أن تفهم وجهة نظر الآخر لكي تشرح له وجهة نظرك إن اختلفت معه في رأيه، أو تثمنها إن كان لك نفس رأيه ولتتعلم منه إن أفحمك بوجهة نظره.
لا ضير أن تتخلى عن رأيك إن لم يكن صوابا، فلا تتمسك بآرائك حتى وان كانت خاطئة ، وحينما تخطئ اعتذر ولا تبحث للآخر عن أخطاء جديدة حتى تتهرب من الاعتذار، فتصيدك أخطاء الآخر وأنت ذاتك مخطئا، سيسد الطريق أمام النقاش وينمي العداء بينكما.
الاختلاف في الرأي يغني ويثري الطرفين ولكن التعنت والانفعال والعصبية والتمسك برأينا، رغم انه يقبل الصواب والخطأ، سيحول السداد إلى كساد وفساد ويحيل الود ضغينة بالتأكيد.
صحافية مغربية
إضافة تعليق