الاستثمار في الثقافة ليس خيارًا خاسرًا ! جائزة «كتارا» تستقبل 1000 عمل وتسعى لإقرار «يوم عالمي للرواية العربية»

يبدو الحي الثقافي في قطر «كتارا»، الذي يقول القائمون عليه إنه يسعى للاستثمار في الثقافة بكل أشكالها وجعلها جسرًا يربط بين الشعوب يتخطى الحدود المحلية والإقليمية إلى العالمية، كواحد من المشاريع الثقافية الواعدة في العالم العربي.يقع هذا الحي الذي يمتد على مساحة مليون متر مربع على ساحل الخليج في المنطقة الحديثة للعاصمة القطرية الدوحة، وهو يمثل طرازًا معماريًا يجمع بين انتمائه للتراث المحلي الخليجي ومنتجاته الحداثية التي تجمع بين العروض المسرحية والفنية والشعرية والبصرية والاستعراضية، وتلك المتعلقة بحماية التراث البحري والتراث المحلي.يتميز الحي الثقافي بأنه أصبح معلمًا مميزًا لمئات الآلاف من الزوار الذين يجدون في منتجاته الثقافية والترفيهية واحة للمتعة والاسترخاء. وهو يسعى لأن تصبح الثقافة جزءًا من الحياة العامة، كما يسعى لأن يصنع منتجًا ثقافيًا قادرًا على البقاء مستقلاً بموارده المالية رغم حجمها الكبير.ويقول الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي، المدير العام في مؤسسة الحي الثقافي «كتارا»، إن رؤية المؤسسة أن تصبح قرية عالمية متعددة الثقافات الإنسانية، وتتحول إلى مركز للإبداع والإنتاج والابتكار وإطلاق الطاقات البشرية.

«الشرق الأوسط»، زارت الحي الثقافي «كتارا»، والتقت المدير العام في المؤسسة، الدكتور خالد بن إبراهيم السليطي. وكان الحوار التالي:

* دعنا نبدأ من جائزة «كتارا» للرواية العربية.. كيف هي هذه الجائزة في عامها الثاني؟

- جائزة «كتارا» للرواية العربية هي الجائزة الأكبر عربيًا على الإطلاق، وهي ليست مجرد جائزة فحسب، بل مشروع متكامل ومستدام وتنموي، يشمل مجالات الدراما والترجمة والتدريب. وقد حققت هذه الجائزة نجاحًا في دورتها الأولى؛ حيث شارك فيها 711 رواية عربية، وكانت الدورة الأولى تجمع الأعمال الصادرة بين عامي 2013 و2014، أما هذا العام فقد اقتصرت المشاركة على الأعمال الصادرة في عام 2015، ومع ذلك تلقينا مشاركات تخطت من حيث العدد الألف رواية.

* هل تقول إن هناك ألف رواية عربية أنتجت في عام واحد؟

- هناك أكثر، نحن نتحدث عن الأعمال التي شاركت في المسابقة، وهي كما تعلم تضم الأعمال المنشورة والأعمال غير المنشورة، ونحن نعتقد أن أهمية الجائزة لا تنبع من قيمتها المادية فحسب، رغم أنها الجائزة الأكبر على الإطلاق في العالم العربي في مجال الرواية العربية؛ حيث تبلغ قيمتها الإجمالية 650 ألف دولار، ولكن أهميتها تكمن في أن هناك مؤسسة تقدر الإبداع والمبدعين العرب وتقول لهم نحن نهتم بإنتاجكم الثقافي ونعرف قيمته وقيمتكم، وسنعمل على أن يصل أدبنا العربي إلى العالمية من خلال حركة الترجمة التي ستصاحب الروايات الفائزة، مع إمكانية تحويل الرواية التي تصلح إلى عمل درامي بعد الاتفاق مع الروائي والناشر.

* ما الجديد الذي تضيفونه لجائزة الرواية العربية هذا العام؟

- هناك الكثير مما ستتم إضافته، أوله اعتماد إضافة حقل جديد لجوائز هذه المسابقة، يشمل «جائزة الدراسات المتخصصة في النقد»، نقد الرواية تحديدًا.. وتم إقرار اختيار خمسة فائزين في الدراسات النقدية.كما أننا فتحنا بابًا للتعاون مع المنظمة العربية للتربية والثقافة والعلوم (الأليكسو) للعمل سويًا في الإشراف على هذه الجائزة، والمشاركة في الإشراف على لجان التحكيم، لمنح الجائزة مزيدًا من التخصص والشفافية والحيادية والمهنية.وكما نسعى هذا السنة وبقوة لتخصيص يوم للرواية العربية، مثل يوم الشعر العالمي، ويوم اللغة العربية، ونطمع أن يكون ذلك في شهر مايو (أيار) من كل عام مواكبة لهذه الجائزة. وفي طموحنا أن تتمكن جائزة الرواية وعبر تعاونها مع «الأليكسو» من تقديم أعمال عربية يمكن أن تنافس عالميًا على جوائز مثل «نوبل».

* هل تعتبرون جائزة الرواية العربية منافسًا لجوائز مشابهة كجائزة «البوكر» العربية؟

- بالتأكيد، إن الجائزة لا تهدف إلى منافسة أية جوائز أخرى في العالم العربي، بل هي إضافة جديدة وخدمة للروائيين العرب وتتكامل مع الجوائز الموجودة، كما أنها تميزت بإتاحة فرصة للروائيين الشباب الذين لم تنشر أعمالهم، وهذا غير موجود في أي جائزة عربية، قد توجد جوائز للأعمال غير المنشورة ولكنها محلية، كما أننا نسعى إلى التأكيد على أن هذه الجائزة هي لخدمة كل الروائيين العرب، كما أنها مشروع متكامل من خلال الأطروحات الخاصة بها مثل مركز الرواية العربية الذي يضم أكثر من 1500 رواية، ويشمل دليلاً ومعرضًا لصور أشهر الروائيين العرب، كما تتاح عضويته للجميع لإمكانية الاستعارة، فضلاً عن دوره التدريبي، وكذلك دور الجائزة وبعدها العالمي عندما تترجم الأعمال إلى أهم لغات العالم.

* هل سيكون موعد الجائزة على حاله في مايو المقبل؟

- نظرًا للعدد الكبير من المشاركات التي تخطت - كما قلنا - الألف رواية، إضافة لاستقبال نحو 37 دراسة حتى الآن في دراسات نقد الرواية، فإننا ندرس فعليًا إمكانية تأجيل مهرجان الرواية من شهر مايو حتى الشهر التاسع أو العاشر، لإتاحة الفرصة أمام لجان التحكيم لأداء دورها.

* صناعة الثقافة*

هل يقلقكم أن يتحول الحي الثقافي «كتارا» إلى معلم سياحي؟-

 إطلاقًا.. نحن نسعى لجذب الجمهور بكل قوة. لدينا منتجات عالية الجودة في مجال الثقافة والفن والتراث والحوار والانفتاح على ثقافات الأمم، ولدينا مجالات واسعة للترفيه، وحاليًا نبني مجمعًا تجاريًا عالي الجودة، ولدينا مطاعم عالمية، وشاطئ رملي، وفعاليات متنوعة نسعى من خلالها للمزاوجة بين الثقافة والترفيه، وجعل العائلة تتعامل مع الثقافة كزاد يومي.ونحن نعتبر «كتارا» إحدى أبرز الوجهات السياحية التي بدأت تنافس خليجيًا وفي المنطقة بشكل عام، وذلك نتيجة للفعاليات المتنوعة والمتعددة التي تقام في الحي الثقافي؛ حيث ساهمت في جذب السياحة الوافدة من مجلس التعاون الخليجي، وشكّل السياح الخليجيون نسبة 35 في المائة من إجمالي معدلات الزيارات. وللعلم، فإنه في عام 2014 بلغ عدد زوار «كتارا» أكثر من 9 ملايين زائر، كما أن هناك ارتفاعًا مستمرًا في أعداد الزائرين بالنسبة للعائلات، خصوصًا التي تأتي من دول مجلس التعاون الخليجي، ومن أبرزها السعودية والكويت والإمارات.

* إذن أين تضعون الروح الثقافية لـ«كتارا»؟

- روح «كتارا» في الثقافة بكل تفرعاتها، الحي الثقافي يسعى للحفاظ على التراث المادي والمعنوي، وتشجيع العمل الإبداعي والمعرفي والفكري، خصوصًا المرتبط بالثقافة العربية والإسلامية، والانفتاح على الثقافة الإنسانية المتعددة والمتنوعة. «كتارا» هي أشبه بحاضنة للإبداع والتميز والفكر الحر ومنارة للثقافة والفنون تتفاعل مع عالم ناهض تتغير معالمه وتتشكل ملامحه باستمرار، وهذه برأينا روح الثقافة.

* إلى أي مدى نجحت «كتارا» في صياغة وعي حداثي في هذه المنطقة؟

- ضمن أهداف مؤسسة الحي الثقافي العمل على تكوين أرضية صلبة للمساهمة في تشكيل الوعي الثقافي من خلال تنظيم المهرجانات والمعارض والندوات وغيرها من الفعاليات ذات الطبيعة الثقافية والفنية وإجراء البحوث والدراسات. وهذه المؤسسة تهدف إلى النهوض بالحركة الثقافية وتشجيع وإبراز الطاقات الإبداعية وتحويل أرضية الحي الثقافي بمرافقه ومبانيه لبيئة مناسبة لرعاية النشاط الإبداعي والفكري والفني والأدبي.من زاوية أخرى، شكل المكان حاضنة شاملة ومتكاملة مع تبني وتقديم الأنشطة والفعاليات الثقافية والفنية والأدبية من خلال عرضها في القاعات المفتوحة متعددة الاستعمالات والمسرح المكشوف ودار الأوبرا ومسرح الدراما الذي يمكن تخصيصه ليصبح قاعة سينمائية، بالإضافة إلى المرافق الخاصة بالمؤسسات الثقافية الرسمية مثل وزارة الثقافة وهيئة المتاحف التي تمارس أنشطتها المتنوعة في الحي، وبالإضافة أيضًا إلى مجموعة متنوعة من المقاهي والمطاعم العالمية وأنشطة وفعاليات شاطئية وبحرية.* تعلمون أن دول الخليج تتعرض لأزمة مالية بسبب انخفاض أسعار النفط، كيف يمكن تحصين هذه المؤسسة عن الهزات المالية الآن ومستقبلاً؟- تسعى هذه المؤسسة إلى أن تتحول إلى مشروع ثقافي مستقل بتمويله ويملك موازنة مستقلة ويدار على أسس تجارية، ولذلك فهناك قسم يتعلق بالاستثمار لتقديم منتجات ربحية، كما أنه يجري الانتهاء من تشييد مجمع تجاري بخصائص عالية الجودة يدعم المؤسسة. طموحنا أن نتمكن مستقبلاً من الاعتماد على إيرادات المؤسسة في نفقاتها التشغيلية والتطويرية، ولكن ذلك سيحتاج إلى وقت.

* ما الذي يميز «كتارا» عن بقية المؤسسات الثقافية الخليجية والعربية؟

- من أبرز التمايزات المعلم والنمط التراثي الذي بني الحي على شكله وميزه عن بقية المؤسسات الثقافية الأخرى؛ حيث إنه تماثل مع النمط التقليدي الذي صممت عليه الأحياء والقرى في قطر في الموروث التاريخي، لذلك كان الحي الثقافي هو المكان الوحيد الذي اتخذ من فكرة الحي التراثي القديم، مصدرًا في تصميمه الهندسي بحيث مثل وحدة تكاملية تعكس المكان والزمان والأصالة؛ الإرث الذي عاشه الإنسان في قطر قديمًا، وربط ذلك بالانفتاح والمعاصرة الثقافية الحديثة التي تبناها المجتمع القطري ومجتمعات الخليج، خصوصًا ما بعد مرحلة النفط والتغيرات الجذرية التي أحدثها.

* أطلقتم مبادرة «ملتقى كتارا الثقافي»، ماذا تمثل هذه المبادرة؟

- «ملتقى كتارا الثقافي» بمثابة نافذة جديدة لتعزيز الفعاليات والبرامج الثقافية والأدبية والفكرية في مختلف مجالاتها، ضمن الاستراتيجية الخمسية للمؤسسة. والملتقي يهدف إلى تحويل المبادرات الاستراتيجية إلى برامج واقعية ويربطها بالمجتمع ومؤسساته والنخب بمختلف توجهاتهم ومشاربهم. وفعاليات الملتقى تشمل تنظيم أنشطة مميزة على مدار العام، تدار من خلال كفاءات قطرية متميزة يرأسها الزميل الدكتور خالد الجابر، بما يتماشى مع الأهداف التي تسعى لها الاستراتيجية الجديدة. والملتقى يهدف إلى دعم المثقفين والكتاب في مسيرتهم الإبداعية، حيث تحرص المؤسسة على التواصل معهم وتقديم كل إمكاناتها ومرافقها في خدمتهم للارتقاء بالحركة الثقافية في الدولة والعمل على دعم الهوية الثقافية القطرية.

* ما هي أبرز البرامج التي تم إطلاقها من خلال الملتقى الثقافي؟

- من أبرز المبادرات: إطلاق الملتقى الثقافي للكُتاب والأدباء في قطر، الذي تحول إلى مظلة تجمع الأدباء والكُتاب القطريين لمناقشة إنتاجهم الفكري والأدبي، إضافة إلى عرض التجارب والقضايا الثقافية للكُتاب والأدباء الخليجين والعرب الذين يعيشون على أرض قطر. كما أطلق مبادرات بينها ملتقى الفن التشكيلي، وملتقى الفنانين والنقاد و«ملتقى الموروث الشعبي».. وغيرها.

إضافة تعليق

4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.