الاسلام والغرب وبناء المعنى

أكد الباحث والأكاديمي المغربي يوسف بلال أنه من الصعب الحديث عن تبادل ثقافي حقيقي دون المرور عبر محطة أساس هي إدراك "طبيعة تمثل الإسلام في المخيال الأوروبي عموماً والفرنسي منه على وجه الخصوص، وكذلك في كتابات العلماء عن الإسلام والمسلمين في فرنسا منذ أكثر من قرنين".
وبين الباحث، في دراسة بعنوان "الإسلام والغرب واستخدام الأصول الدينية"، نشرتها مؤسسة "مؤمنون بلا حدود" للدراسات والأبحاث على موقعها، بترجمة الباحث محمد طيفوري، أن إنتاج المعرفة عن الإسلام قد ارتبط بالاستعمار الذي يهدف إلى الهيمنة على الآخر. ولئن أقر الباحث بتطور الاستشراق الجديد مقارنة بالاستشراق الكلاسيكي في الجامعة الفرنسية في مجال الخبرة منذ الثلاثين سنة الماضية، فإنه أقر أنه أقل "علمية" من سبقه الكلاسيكي، وإن كان أقرب إلى مراكز القوى وصناعة القرار السياسي.
وأشار الباحث إلى أن "عودة الشأن الديني" صارت تطرح بشكل أكثر إلحاحاً منذ الثورة الإسلامية الإيرانية في 1979، في وسائل الإعلام وجزء هام من الأعمال الأكاديمية، وعاد بالمفهوم إلى القرن الثامن عشر خصوصاً بعد الثورة الفرنسية (1789) والقرن التاسع عشر ليثبت أن "الرجوع إلى الأصول الدينية ليس مقتصراً على الأصولية، ولكنه يشكل عنصراً كثيراً ما كان كامناً ومستتراً في الحداثة". واستنتج أن الحداثة قد تأسست "ضداً على الديني" من ناحية، و"لكنها من ناحية أخرى نشأت وتشكلت على أسس وقوام بعض القيم والمعتقدات والمؤسسات المسيحية".
وانتقل الباحث للحديث عن الإسلام متسائلاً "ماذا تعني إذن العودة إلى أصول الوحي في الإسلام المعاصر؟"، مجيباً "إنه تجديد الإسلام من خلال الرجوع إلى أسسه، هو ما يمثل الرهان الحقيقي". وبين أن سؤال الرجوع إلى الأصول يطرح دائما في "أوقات الأزمات" من ذلك فترة الاستعمار التي تعد واحدة من أهم المشاكل التي واجهها العالم الإسلامي حينها وأفرزت "أزمة في اللغة والمعنى" كما يسميها.
وأوضح أن الذات في هذه الأزمة تعيش "وجودها في العالم كاستلاب يوجه تفكيرها نحو نفي العالم والاحتماء بداخله. غير أن هذه النكبة هي في الآن ذاته اللحظة التي تسمح للوعي أن يصبح صافياً، فيعيد تشكيل المعنى الجديد الذي سوف يمكنه من تجاوز هذا الاستلاب والتصالح مع العالم. أما إذا كانت الذات تعتبر نفسها غريبة عن العالم، فإنها ستبحث في المقابل عن اختزال هذه الغربة، فتتخذ هذا العالم مسكنها الخاص".
ويتساءل الباحث عن كيفية إحداث التوافق مع العالم، مثبتاً أنه" سيرتكز على إعادة قراءة الماضي الإسلامي الذي يقتضي تفسيراً مباشراً للنص القرآني ولأحاديث النبي محمد"، مستدلاً على ذلك بالإمام الشافعي الذي أسس أصول الفقه، والغزالي الذي بحث مسألة "إحياء علوم الدين" في كتابه الذي يحمل العنوان نفسه، وصولاً إلى نهاية القرن التاسع عشر الذي يشكل محاولة جديدة تدخل في الوقت ذاته في سياق تحديث وهيمنة الغرب".
وبين الباحث أن مسار التحديث في القرن التاسع عشر جعل الشريعة الإسلامية "حقاً للدولة" التي منحت نفسها سلطة تخول لها التشريع على حساب الفقهاء "وعليه صار من الممكن، وبمعزل عن الشريعة، ضمان حضور الإلهي في الواقع الاجتماعي المسيج بقوة سلطة الدولة".
وختم الباحث دراسته بالحديث عن إشكاليات التجديد الديني مؤكداً أن "أسئلة التأويل والمعنى في الإسلام هي الأكثر جوهرية في سياق الثورات العربية، وبالخصوص العلاقة بين الحركة الإسلامية والحركة العلمانية أو اللائكية". وأكد أن المعنى الذي يقدمه الأنموذج الغربي هو معنى أحادي ومفروض، ويقترح أن يكون بناء المعنى جدلياً "في إطار علاقة مزدوجة للنفي والتجاوز".

إضافة تعليق