الاسلام وضع منظومة كاملة لحماية المستهلك

شاع الغش التجاري في البلاد العربية والإسلامية كافة، وتعددت أجهزة الرقابة على الأسواق وجمعيات حماية المستهلك، ومع ذلك لم ينحصر الغش، ولم يتوقف الاستغلال، وما زال المواطن العربي يصرخ بأعلى صوته من الطعام الفاسد والدواء المغشوش، والملابس الضارة بالصحة والأجهزة والمعدات المقلدة التي تشكل خطراً كبيراً على حياة الإنسان .
في البداية يؤكد مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر، د . يوسف إبراهيم، أن الإسلام وضع منظومة أخلاقية كاملة لحماية المستهلك وتحقيق انضباط الأسواق، تبدأ بالمستهلك نفسه حيث رباه الإسلام على الرشد في الاستهلاك عن طريق مجموعة من الضوابط التي يجب على المسلم أن يلتزم بها في سلوكه الاستهلاكي كي يكون سلوكه رشيداً، وهذه الضوابط تمثل فيصلاً في الحكم على رشد السلوك أو غيه، فإذا التزم بها كان رشيداً، وإذا حاد عنها كان غاوياً .

3 مستويات استهلاكية

 تتمثل هذه الضوابط في: عدم التقتير وعدم الإسراف والتوسط والاعتدال والزهد . وقد وردت هذه الضوابط في المنهج الإسلامي كصفات للمؤمنين الصادقين، كما جاءت في شكل أوامر ونواه صريحة يجب الوقوف عندها، فمن النوع الأول جاء قول الله تعالى: “والذين إذا أنفقوا لم يسرفوا ولم يقتروا وكان بين ذلك قواما”، وقوله تعالى: “ويؤثرون على أنفسهم ولو كان بهم خصاصة”، ومن النوع الثاني جاء قول الله تعالى: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوما محسوراً”، وقوله تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”، ويتضح من هذه الآيات أن هناك إمكانية لظهور ثلاثة مستويات استهلاكية لدى الفرد، ولدى المجتمع:

  مستوى التقتير الذي يقف بحجم الاستهلاك عند حد يقل عن المطلوب لبناء الجسم والمحافظة عليه في أفضل الأوضاع التي تمكنه من القيام بالأعباء والتكاليف .

  مستوى الإسراف الذي يصل فيه حجم الاستهلاك إلى حد يزيد على اللازم لطيب الحياة .

  مستوى الاعتدال الذي يكون حجم الاستهلاك فيه فوق المستوى الأول ودون المستوى الثاني .

 ويقف المنهج الإسلامي من هذه المستويات المتوقعة لسلوكيات الناس موقفاً واضحاً، إذ يحظر المستويين الأول والثاني، ويحض على تحقيق المستوى الثالث، الذي يضم العديد من أحجام الاستهلاك، وللفرد والمجتمع الحرية في الوقوف عند حجم منها .

 والتقتير الذي نهى عنه الإسلام هو التضييق في ما لابد منه من النفقة، وقد عرفه أحد العلماء بأنه “التضييق في ما لابد منه ولا مدفع له مثل أقوات الأهل ومصالح العيال”، فهو يعني الوقوف بحجم الاستهلاك عند حد أقل من الحجم اللازم للوفاء بضرورات الحياة، مع القدرة على الوفاء بها، وهو سلوك محرم إسلامياً بنص الكتاب والسنة، لأن الإسلام يهدف إلى إشباع الحاجات الحقيقية للفرد والمجتمع، بما يحفظ على الإنسان إنسانيته، ويبني طاقاته .

 ومن هنا أوجب على المسلم أن يمارس الاستهلاك وأن يشبع حاجاته التي أقرتها الشريعة، واعتبره عاصياً إن لم يمارس الاستهلاك في حدوده الواجبة بالقدر الذي يحفظ عليه إنسانيته وطاقاته الفعالة، فالله سبحانه وتعالى يقول: “يا بني آدم خذوا زينتكم عند كل مسجد وكلوا واشربوا ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين” . بل جاء النهي صريحاً عن التقتير في قوله تعالى: “ولا تجعل يدك مغلولة إلى عنقك ولا تبسطها كل البسط فتقعد ملوماً محسوراً”، وفي قول النبي صلى الله عليه وسلم: “اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم” .

 آثار التقتير

 من هذه النصوص ندرك أن هناك حداً أدنى من الاستهلاك هو الذي يقوم بالشخص، ويفي بحاجاته وحاجات من يعول ولا يصح أن يعيش الفرد تحته طالما أنه قادر على تحقيقه، فإن فعل فقد ارتكب إثم التقتير، لأن التقتير والحياة في ظله مع القدرة على تجاوزه ظلم للنفس، وظلم للمجتمع . أما النفس فلأنه يحرمها ما هي في حاجة إليه، ويعوقها عن أداء وظائفها المنوطة بها في الحياة . أما المجتمع فلأنه يؤدي إلى نقص الطلب الفعال فيه، حتى يوقعه في الكساد، ويلقي به إلى التهلكة، وصدق رسول الله صلى الله عليه وسلم إذ يقول: “اتقوا الشح فإنه أهلك من كان قبلكم، أمرهم بالبخل فبخلوا وأمرهم بالقطيعة فقطعوا، وأمرهم بالفجور ففجروا”، كما أن التقتير يخل بقدرة الأفراد على القيام بواجباتهم، وما لا يتم الواجب إلا به فهو واجب ومن ثم فعلى الفرد والمجتمع أن يرفعا مستوى الاستهلاك إلى ما فوق الحد الذي يفي بما يراه الخبراء لازماً لبناء الأفراد، وحسن تنشئتهم وحسن قيامهم بواجباتهم . ومن ثم فإن معيشة الكثير من أفراد الشعوب الإسلامية، تحت خط الفقر تمثل جريمة تتحمل الحكومات الراعية لشؤونهم وزرها، إذ السعي إلى رفع مستوى معيشة الشعوب فرض لازم .

 وهكذا يقف هذا الضابط “عدم التقتير” ليحول دون تدني الاستهلاك إلى الحد الذي يهدد حياة الجماعة، عندما يصيبها في طاقاتها الفعالة ممثلة في الأفراد الأقوياء بدنياً ونفسياً وفنياً، ويكفل ارتفاع حجم الاستهلاك إلى المستوى الذي يجعل الأفراد قادرين على الوفاء بواجباتهم، قادرين على ممارسة دورهم في الحياة بكفاءة .

 المضمون الاقتصادي للإسراف

 والإسراف - كما يقول د . يوسف إبراهيم - يعني تجاوز الحد في كل شيء، وهو في إصطلاح الاقتصاديين المسلمين، تجاوز الحد في الإنفاق الاستهلاكي مطلقاً، أو التجاوز في الإنفاق على غرض دون غرض، أي الإخلال بالتوازن في الإنفاق على مختلف الأغراض، ومن هنا يظهر لنا أن الإسراف في مضمونه الاقتصادي يعني تجاوز الحد في استهلاك المباحات، والاستجابة لرغبات النفس، التي لها أصل مشروع، الأمر الذي يخرج بالشخص عن حد الاعتدال والتوسط .

 والإسراف محرم في الإسلام للأسباب نفسها التي حرم من أجلها التقتير، فكلاهما ظلم للنفس وتحطيم لقدراتها، وإن اختلفت الوسيلة، كما أن كليهما إهدار للموارد الاقتصادية، وإذا كان التقتير يؤدى إلى الكساد فإن الإسراف يقود إلى التضخم، وكلاهما شر يجب أن نتجنبه، يقول النبي صلى الله عليه وسلم: “كل ما شئت والبس ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سرف ومخيلة” .

  والإسلام الذي هو النموذج الأمثل في الوسطية والاعتدال يضفي على الإسراف في كل شيء صفة التحريم القاطع حيث جاء النهي عنه مقروناً بالمأكل والملبس والمشرب، ومقروناً بالصدقة، ومطلقاً عن التقييد بشيء، مما يعني تحريمه في كل شيء، قال تعالى: “وكلوا واشربوا ولا تسرفوا”، وقال تعالى: “وآتوا حقه يوم حصاده ولا تسرفوا إنه لا يحب المسرفين”، وقال تعالى: “ولا تطيعوا أمر المسرفين . الذين يفسدون في الأرض ولا يصلحون”، وهذه النصوص وغيرها تفرض على المسلم أن يتجنب الإسراف في شتى صوره في المأكل، والملبس والمشرب والصدقة، والترفيه، وسائر الأغراض المشروعة، لأن الإسراف يعني تبديد الموارد وإضاعة الثروات .

 إخوان الشياطين

 ولكي لا يقع المسلم في شرك الإسراف - كما يؤكد مدير مركز الاقتصاد الإسلامي بجامعة الأزهر- عليه أن يكون ذا وعي اقتصادي وذا يقظة استهلاكية، تحميه من أن يقع في الاسترسال في الاستجابة للرغبات والشهوات، يقول النبي صلوات الله وسلامه عليه: “إن من السرف أن تأكل كل ما اشتهيت” . ولقد رأى سيدنا عمر، رضي الله عنه، أحد أصحابه بالسوق يحمل شيئاً في يده فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: ثم رآه في اليوم التالي على  الحالة نفسها فسأله: ما هذا؟ فقال لحم اشتهاه أهلي: فقال عمر: “أو كلما اشتهيتم اشتريتم؟ أما تخشى أن تكون ممن قال الله فيهم: أذهبتم طيباتكم في حياتكم الدنيا واستمتعتم بها؟” .

 وهكذا نرى أن التمادي في استهلاك المباح حتى يصل إلى الحد غير المعقول لا يصح أن يقع من مسلم، ولا ينبغي أن يحدث في مجتمع يلتزم بهدي الإسلام في الاستهلاك .

 وهناك نوع خاص من الإسراف بلغ المدى في تجاوز الحد، فهو تجاوز من نوع خاص، حيث لا يقتصر على تجاوز الحد في المباحات، وإنما يتجاوز إلى الإنفاق على المحرمات وهو ما تعرفه الشريعة باسم “التبذير”، فالتبذير تجاوز في الإنفاق الاستهلاكي بترك الطيبات والإنفاق على الخبيث، وهو محرم مهما كان ضئيل الحجم، فأي قدر من الإنفاق على استهلاك المحرمات محظور، إذ هو أدخل في إضاعة المال المنهي عنها، وهو أقرب إلى إتلاف النفس والإضرار بالمجتمع، ولذا كان إنكار الإسلام له أشد، حتى ليجعل القائم به أخاً للشيطان الذي كفر بربه وتمرد عليه، يقول تعالى: “ولا تبذر تبذيراً إن المبذرين كانوا إخوان الشياطين وكان الشيطان لربه كفوراً” .

إضافة تعليق

Plain text

  • No HTML tags allowed.
  • Web page addresses and e-mail addresses turn into links automatically.
  • Lines and paragraphs break automatically.
4 + 6 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.