الاسم الحسن حق كفله الإسلام للطفل

انتظر المهندس الشاب قدوم طفله الأول بلهفة وشوق، فكم تمنى أن يكون ولده الأول ذكرًا لكي يحقق رغبة والده المريض ويسعد الجد برؤية أول حفيد له قبل رحيله، وقبل قدوم الطفل بأسابيع قليلة اختار الأب لابنه اسماً من أسماء الصحابة ووجد الاسم قبولاً من الجد .
لكن هذا الاسم الإسلامي لم يعجب الأم التي ثارت وتشاجرت مع زوجها، إذ كيف يختار اسماً لطفلها الأول من دون استشارتها؟ وكيف يفرض عليها اسما لا تريده؟ فهي تريد اسما عصريا لطفلها حتى لا يسخر منه أقرانه عندما يكبر .

ورغم تدخل بعض أفراد الأسرة لتهدئة الزوجة الحامل وترضيتها باختيار الاسم الذي تريده لطفلها، فإنها أصرت على الانتقال إلى منزل أسرتها لتضع طفلها هناك، ورفض زوجها خروجها وتحولت المشاجرة الكلامية بين الزوجين إلى احتكاك لتسقط الزوجة على باب منزل الزوجية قبل خروجها ويتم نقلها فوراً إلى المستشفى، ليخرج الأطباء طفلها من أحشائها ميتاً، وتتقدم أسرتها ببلاغ بحق زوجها يتهمه بقتل الجنين، وتتحول فرحة الأسرة إلى هم وغم وتفكير في التفريق بين الزوجين لسبب تافه كان يمكن تجاوزه، لو التزم الجميع بهدي الإسلام في هذه المسألة .

هذه الواقعة المؤسفة التي شهدتها مدينة بورسعيد المصرية تفتح ملف أسماء الأطفال، حيث شاعت في بلادنا العربية أسماء غريبة وشاذة أطلقها الآباء على أبنائهم الذكور والإناث من دون معرفة معناها، واتضح فيما بعد أنها تخص حيوانات وحشرات، وبعضها يحمل معاني غير أخلاقية .

 “الخليج “ طرحت ظاهرة الأسماء الغريبة لأطفالنا على اثنين من الدعاة لبيان هدي الإسلام في هذه الظاهرة، والوقوف على حق الطفل في اختيار اسم حسن له، ومدى مسؤولية الآباء في حالة اختيار أسماء سيئة المعنى والدلالة لأطفالهم .

 أستاذة الثقافة الإسلامية بجامعة الأزهر، د .آمنة نصير، تؤكد أن فوضى أسماء الأماكن والمنشآت والمحال التجارية ومعها أسماء الأولاد ذكورا وإناثا، تمثل مشكلة كبيرة تهدد الهوية العربية الإسلامية لبلادنا، فهي أحد مظاهر الغزو الثقافي لمجتمعات المسلمين ورغم التحذير المتواصل منها إلا أنه لا حياة لمن تنادي، فالوازع الديني قد خرج من نفوس كثير من المسلمين ولم يعد، والهوية العربية الإسلامية أصبحت من مخلفات الماضي ومن آثار عصور التخلف في نظر كثيرين .

 الظالمون لأولادهم

 وتشير العميدة السابقة لكلية الدراسات الإسلامية والعربية بالإسكندرية إلى أن الآباء والأمهات الذين لا يحسنون تسمية أولادهم، يرتكبون جرماً كبيراً في حقهم ويفرطون في حق من أهم حقوق الصغار، فمن أبرز الحقوق التي كفلها الإسلام للطفل حقه في اختيار اسم حسن، فهو في طفولته لا يملك من أمر نفسه أو اسمه شيئاً، وإنما يختار الأبوان له اسمه، ولذا كان حقا له أن يختار أبواه له اسما حسناً لا اسماً سيئاً أو مكروها، يتحرج منه بعد ذلك عندما يكبر . . فمما لا شك فيه أن لاختيار الاسم أثراً نفسياً يعود على الطفل بعد ذلك، ومن أجل هذا كان رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا وجد أحدا يحمل اسما كريها أو قبيحا غيره في الحال، فقد نقلت لنا السيدة عائشة رضي الله عنها أن رسول الله صلى الله عليه وسلم كان يغير الاسم القبيح .

 وهنا تؤكد د .أمنة أن الإسلام يلزم الآباء باختيار الأسماء الحسنة لأبنائهم وقد جاء في الحديث الصحيح قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: “إنكم تدعون يوم القيام بأسمائكم وأسماء آبائكم، فحسّنوا أسماءكم” وفي حديث آخر يقول: “من حق الولد على الوالد أن يحسن أدبه ويحسن اسمه” وجاء في توجيه نبوي ثالث قوله عليه الصلاة والسلام: “من ولد له ولد فليحسن اسمه وأدبه، فإذا بلغ فيزوجه، فإن بلغ ولم يزوجه فأصاب إثما فإثمه على أبيه” .

 وهناك آثار كثيرة وشواهد متعددة ورد الحديث عنها في كتب السنة تؤكد أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يستحب الاسم الحسن، فكان يأمر إذا بعثوا إليه رسولا أن يكون حسن الاسم، حسن الوجه، وحدث أنه غير أسماء عدة، ونهى عن بعض أسماء لمعان وأسباب متعددة .

 أحب الأسماء وأقبحها

 أستاذ السنة النبوية ووزير الأوقاف المصري الأسبق، د .محمد الأحمدي أبو النور، يحدثنا عن الأسماء الحسنة التي ينبغي أن يختار منها المسلم أسماء أولاده، فيقول: كل اسم يحمل صفة جميلة أو معنى نبيلا فهو اسم حسن، وكل اسم يدل على النبل والشجاعة والكرم هو اسم حسن، وقد ورد عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “أحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن” وورد عنه أيضاً أنه عليه الصلاة والسلام قال: “تسموا بأسماء الأنبياء، وأحب الأسماء إلى الله عبدالله وعبدالرحمن، وأصدقها حارث وهمام وأقبحها مرة وحرب” وثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه قال: “إن أخنع اسم عند الله رجل تسمى ملك الأملاك” وفي رواية زيادة “لا ملك إلا الله” .

 هذا ما صح وروده في أحب الأسماء وأقبحها، وهو يدل على أن أحبها ما كان صادق المعنى كحارث وهمام، وما يوحي إلى صاحبه إيحاء طيبا يعلمه الأدب والتواضع، ويغريه بالعبادة والطاعة كعبدالله وعبدالرحمن، وما يدعوه إلى تقليد الشخصيات البارزة كأسماء الأنبياء، كما أن أقبح الأسماء ما خالف الواقع وكذب معناه كملك الأملاك ومثله سيد الكل وسيد الناس، ومثله عبدالرسول فالعبودية لله وحده .

 وروي عن محمد بن عمرو بن عطاء قال: سميت ابنتي “برة” فقالت زينب بنت أبي سلمة: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم نهى عن هذا الاسم وقال: “لا تزكوا أنفسكم الله أعلم بأهل البر منكم” فقالوا: بم نسميها؟ قال: سموها زينب” .

 وروي أن النبي صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصية، وقال لمن سميت بهذا الاسم “أنت جميلة” ورد في حديث صحيح أن رسول الله صلى الله عليه وسلم غير اسم “العاصي، وعزيز، وعتلة، وشيطان، والحكم، وغراب، وحباب وشهاب” .

 مواقف نبوية

 وإلى جانب هذا الهدي النبوي الكريم في رفض الأسماء القبيحة كان لرسول الله صلى الله عليه وسلم مواقف وحوادث يؤثر فيها صاحب الاسم الحسن، ويقدمه على غيره في مواطن الخير حتى يكون ذلك حض للناس على التسمية الحسنة فعن يعيش الغفاري قال: دعا النبي صلى الله عليه وسلم يوما بناقة فقال “من يحلبها”؟ فقام رجل فقال: أنا يا رسول الله، فقال: “ما اسمك”؟ قال: مرة . . قال له الرسول “اقعد” ثم قام آخر فسأله الرسول: “ما اسمك”؟ فقال: جمرة . . قال له “اقعد” ثم قام رجل فقال “ما اسمك”؟ قال: يعيش قال “احلبها” .

 لقد كان صلى الله عليه وسلم يحب الفأل الحسن، وتستريح نفسه إلى الأسماء الحسنة والعبارات الجميلة، والأوصاف النبيلة التي تشرح الصدر، وتدخل السرور على النفس خصوصا إذا تلاقت الأسماء والعبارات مع معان تختلج في النفس فيطمئن بها الخاطر وتهدأ الأعصاب ويستبشر صاحبها بالخير .

 ومن هنا يحث د .أبو النور كل الآباء الذين أطلقوا على أبنائهم أسماء منفرة وغير مقبولة دينياً أو نفسياً أو اجتماعياً إلى تغيير هذه الأسماء، حرصاً على مستقبل أطفالهم وصورتهم بين الناس . ويؤكد أن من أبرز حقوق الطفل على والديه حسن اختيار الاسم الذي يدعى به بين الناس، ويميزه عن غيره من الأشخاص، بحيث يكون اسماً ذا معنى محمود، أو صفة طيبة يرتاح لها القلب وتطمئن لها لنفس، أو اسماً يبعث على الأمل والفأل الحسن، أو اسماً يدل على الشجاعة والنشاط والهمة .

 مسؤولية الآباء

 ويؤكد د .أبو النور مسؤولية الآباء عن اختيار اسم حسن لأبنائهم، ويرى أن الأب الذي يختار اسما سيئا لابنه أو ابنته هو أب آثم ومخالف لتعاليم وتوجيهات الإسلام، حيث وجه رسولنا الكريم صلى الله عليه وسلم إلى اختيار اسم حسن للمولود، كما حدد موعد التسمية، وهناك أحاديث ترى تسميته في أول يوم، وأجازت أحاديث أخرى تأخير التسمية إلى ثالث يوم، ويجوز تأخيره إلى يوم العقيقة .

 ويضيف: كان النبي صلى الله عليه وسلم يحض على اختيار الأسماء الجميلة والمبهجة للأولاد وكان يقول: “إنكم تدعون يوم القيامة بأسمائكم وأسماء آبائكم فأحسنوا أسماءكم” . كان صلى الله عليه وسلم يغير الأسماء القبيحة التي تمس كرامة الشخص وتكون مدعاة للاستهزاء والسخرية، فعن ابن عمر رضي الله عنهما قال: كان لعمر رضي الله عنه ابنة يقال لها عاصية فسماها النبي صلى الله عليه وسلم جميلة . . كما روي أنه صلى الله عليه وسلم غير اسم عاصي وعفرة وشيطان وغراب وحباب .


إضافة تعليق

3 + 16 =
Solve this simple math problem and enter the result. E.g. for 1+3, enter 4.